الفصل 474: الخطيئة التي لا تُغتفر!
لذا، كان هذا أمراً مستحيلاً تماماً.
ولكن بالنسبة للصبي الصغير، فبمجرد أن استوعب تلك الحقيقة مجدداً، تضاعف شعور الحزن والوحدة في قلبه.
لم ينبع ذلك الحزن من عجزه فحسب، بل من فراق أخيه الأكبر. أما الوحدة، فكانت مرارة شعوره بأنه، منذ الآن فصاعداً، لن يرافقه في هذا العالم سوى طيف ذكرياته مع ذلك الأخ، ليواجه مصيره وحيداً تماماً.
والمعضلة تكمن في أنه لم يتجاوز التاسعة من عمره؛ ففي هذه السن، تتقاذف الطفل أمواج الخوف والوحدة بسهولة، حتى إن بريق اليأس قد يلوح في عينيه عند أدنى محنة.
لكن "وانغ تشان" أدرك كنه هذا الشعور تماماً، فقد خاض التجربة ذاتها حين كان في مثل عمره. وفي الواقع، إن لم تخنه الذاكرة، فقد كان عرضة للتنمر الدائم في تاسع سنواته، ولم يكن له من نصير سوى أخته وأمه اللتين كانتا تذودان عنه بحماس وتطالبان بحقه؛ ولهذا السبب تحديداً، نجا من غياهب الوحدة.
لذلك، ورغم كونه مجرد غريب، وبما أن الصبي الصغير قد استحق عطفه، ربت "وانغ تشان" برفق على كتف "ثري سيفين"، وارتسمت على ثغره ابتسامة رقيقة ليواسي بها الصبي الذي انكسرت روحه فجأة.
"لم يكن إلهاً، بل كان بشراً مثلنا تماماً. بعبارة أخرى، حين تبلغ ذلك المستوى في المستقبل، قد تتمكن من تحقيق ما هو أعظم مما فعله. ثم مَن أدراك يقيناً أن أخاك قد فارق الحياة للأبد؟"
وبشكل غير متوقع، اتقدت عينا الصبي ببريق من الأمل الشديد.
"هل تعني أن أخي... لم يمت حقاً؟"
أوضح "وانغ تشان"، وهو ينسج كذبةً بيضاء من أجل مصلحته: "الموت، بالنسبة لأي كائن، ليس إلا ارتحالاً إلى رحلة مختلفة تماماً. إننا نخشى الموت لجهلنا بما وراءه، ولكن ألا تعتقد أن قوة ممارس الفنون القتالية، في جوهرها، هي السبيل لسبر أغوار ذلك المجهول؟ ربما يرقبك أخوك الآن من حيث لا تراه، ويشد من أزرك..."
المجهول، أليس كذلك؟
هكذا فكر "وانغ تشان".
ذلك المستقر الذي لم تطأه قدم إنس، ولم تبلغه حواس بشر؛ ربما يكون صاخباً ومفعماً بالحياة كعالمنا، ولا يفصلنا عنه سوى حجاب الموت والحياة. فمن ذا الذي يقطع بأن الإنسان يتلاشى كلياً حين تفيض روحه؟ أو أن ذلك الأثر الواهن لوجوده في هذا العالم سيضمحل بلا أثر؟ وإلا، فما تفسير وجود هذين التابعين اللذين بُعثا من جديد، واللذين يأتمران بأمره رغم طبيعتهما الغامضة؟ هذا لا يثبت إلا أمراً واحداً: في درب الفنون القتالية، سيفوق المجهولُ المعلومَ بمراحل، وعلى الأقل لم تكن تلك المسألة شيئاً يستطيع "وانغ تشان" إدراكه وفهمه في الوقت الراهن، تماماً كمعضلة رياضية معقدة تتجاوز المنهج الدراسي الحالي.
بالطبع، لم يكن كل هذا سوى فيض من تخيلات "وانغ تشان"، وكان مبتغاه الأساسي هو انتشال هذا الطفل من دوامة الوحدة والحزن والشك. فلو تُرك لهذا الشعور العميق بالفقدان، لغدا كالشيطان الذي يجر الصبي الواقف على حافة المستنقع إلى أعماقه، تاركاً إياه عاجزاً عن النجاة.
ومن الجلي أن مسعاه قد آتى أُكله!
في لمح البصر، انبعثت شرارة شوق في قلب الصبي الصغير. فرغم أنه شهد احتضار أخيه ومعاناته قبل رحيله، إلا أن حديث "وانغ تشان" عن كون درب الفنون القتالية رحلة مجهولة زرع في نفسه تساؤلاً: مَن يدري ما يخبئه الغيب؟ ربما إن واصل السعي الدؤوب والمثابرة المتواصلة تحت رعاية طيف أخيه، سيتمكن من لقائه مجدداً في قابل الأيام؟
لذا، سرعان ما نفض الصبي الصغير عنه غبار الحزن، وبدأ بريق التطلع يلمع في عينيه، وأومأ برأسه بحزم لـ "وانغ تشان".
"أجل! سأجتهد في تدريبي بكل قوتي!"
ضحك "وانغ تشان"، وعلت وجهه ابتسامة مرحة.
والحقيقة هي أنه مهما حدث، فلن يتمكن الصبي في هذه المرحلة من استيعاب كنه الحياة والموت كما يتصوره "وانغ تشان". لذا، لو أدرك فجأة أن ما قاله "وانغ تشان" لم يكن سوى كذبة بيضاء، لانهار عالمه في طرفة عين؛ سيعتريه الشك، والرفض، والصراع. ولكن بمجرد أن ينضج ويستوعب الحقائق حقاً، ستتحول هذه التجربة إلى زادٍ ثري في حياته، وتغدو الطموح البعيد الذي ينشده. ومع ذلك، بالنسبة لـ "وانغ تشان"، كان يرى وجوب تركه يسلك طريقه الخاص؛ ففي النهاية، يجب أن يكون مسار الفنون القتالية لكل شخص فريداً ومتألقاً بحد ذاته.
وهكذا، في تلك اللحظة بالذات، اتقدت شرارة إلهام في ذهن "وانغ تشان"، وعلت وجهه نظرة تأمل عميقة. كانت بصيرة تنفذ إلى جوهر الفنون القتالية، إلى ألقها، كأنها مئة زهرة تتفتح في آن واحد، أو لوحة تضج بالألوان الزاهية... وأدرك أن هذا هو المسار الذي يجب أن يطمح إليه!
وبينما كان الاثنان يتبادلان الأحاديث والضحك، لم يعد بإمكان الرجل العجوز – عمهما الذي طواه الإهمال جانباً لفترة طويلة – أن يطيق صبراً. فجأة، انفجر في نويحٍ حاد، وقد غطى الغضب ملامحه، فبدا صوته كطفل متذمر أكثر من الصبي ذي التسع سنوات، وهو يصب جام غضبه.
"عمَّ تتحدثان بحق السماء؟ أي مساعدة وأي مستقبل هذا؟ وأنت يا وانغ تشان، لقد تأخرت ساعة كاملة! ألا تظن أنك مدين لي باعتذار وتوضيح؟"
في النهاية، لم يملك الرجل العجوز إلا أن يرفع عقيرته بالصراخ، فقد شعر بغبنٍ فادح!
كان من المفترض أن يدرك المرء أنه للحفاظ على هيبته كخبير أمام "وانغ تشان"، اضطر مجدداً لإنفاق مدخراته التي كان يجمعها "لأجل آخرته"، وهكذا تمكن من استعادة نصف قوته! لكن هذا الوغد الصغير "وانغ تشان" كان حقاً حالة مستعصية! لم يكتفِ بتجاهله، بل حتى وهو واقف أمامه مباشرة، تجرأ على إهماله تماماً! كان يولي كل اهتمامه لذلك الصبي الصغير، ولم يكلف نفسه عناء تبادل بضع كلمات مع عمه الأكبر الذي هو أولى الناس برعايته! كان هذا أمراً لا يُطاق! إن كان العم العادي لا يتحمل هذا، فكيف لعم كبير بمقامه أن يصبر؟ لقد طفح الكيل! لدرجة أن الرجل العجوز كاد أن يقطع صلته به قائلاً في نفسه: "هذا الصبي البائس! لا يستحق الود ولا القرب! حين أعود، سآمر تلك الفتاة، 'ينغ ينغ'، أن تقطع صلتها به فوراً! ما النفع من شخص لا يوقر الكبير ولا يعطف على الصغير؟ هل سأحتفظ به ليؤنس وحشتي في المساء؟"
ولحسن الحظ، وبينما كان الرجل العجوز على وشك الانفجار، تظاهر "وانغ تشان" سريعاً بأنه انتبه لوجود عمه للتو، فاندفع يتوسل إليه طالباً الصفح: "أوه! عمي الجد، متى وافيتنا؟ ظننتك ذهبت لتبحث عني في مكان آخر! أعتذر بشدة، لقد تأخرت والخطأ خطئي بالكامل، أنا المذنب حقاً..."
ثم أردف "وانغ تشان" بابتسامة ساخرة من نفسه: "آه، يبدو أنني اغتررت بنفسي قليلاً في السابق؛ توهمت أنني سأستعيد عافيتي في ساعة، لكن الأمر استغرق ساعتين لأسترد ثمانين بالمائة فقط من قوتي. حقاً يا عمي الجد، بأسك أشد وفراستك أعظم!"
هيه هيه...
ما إن أتم "وانغ تشان" كلامه حتى كاد الرجل العجوز أن ينفجر ضاحكاً من فرط السرور، فبعد أن كان ينوي توبيخ الصبي لعدم معرفة قدر نفسه، سكن غضبه.
"لولا أنني لقنته درساً في الواقع، لظن نفسه عبقرياً فذاً لا يشق له غبار!" هكذا حدث نفسه.
لكنه لاحظ أن الصبي الصغير ما زال يرقبهما.
كان من الممكن لرجلين ماكرين يضمران الدهاء لبعضهما أن يتساجلا ويتبادلا الهجمات الكلامية، ولكن ماذا لو أدى ذلك لإفساد صورة القدوة أمام مستقبل الاتحاد؟ ماذا سيحدث حينها؟
لذا، سرعان ما غير لهجته واتشح بالوقار، وكأنه نسي تماماً حنقه وسخريته السابقة، وقال بجدية مصطنعة: "لا بأس، لا بأس! الشباب دوماً ما يخطئون في تقدير قوتهم ويميلون للمبالغة. فقط احذر من التخلف عني مجدداً، وإلا فلن تمر المسألة بسلام!"
لكن، ما إن فرغ من كلامه حتى داهمته فكرة فجأة.
"مهلاً... هناك خطب ما! قبل قليل كان هذا الشاب يتحدث عني بوضوح مع ذلك الطفل المزعج، ورغم أنني لم أتبين تفاصيل قولهما، إلا أنهما كانا يغمزان ويلمزان في حقي بالتأكيد!"
وفي تلك اللحظة، غلى الغضب في عروق الرجل العجوز مجدداً، وتحولت نظراته إلى الوعيد.
"يا لك من وغدٍ صغير! أتجرؤ على الحياكة ضد عمك الأكبر؟ صدق أو لا تصدق، سأعود وأطلب من 'ينغ ينغ' أن تسومك سوء العذاب وتجبرك على الاعتذار صاغراً! هذا أمر شائن وتجاوزٌ للحدود!"
لكن "وانغ تشان" كان من المكر بحيث قرأ ما في عيني العجوز فوراً.
كان من الجلي أن هذا الرجل العجوز، وتحت تأثير المديح، قد استرد وعيه فجأة من حالة "التخبط" التي كان يعاني منها، وأنه الآن بصدد تصفية الحسابات!
لذلك، وبسرعة البرق وقبل أن ينطق العجوز بكلمة غضب واحدة، أومأ "وانغ تشان" برأسه مراراً وتكراراً، والندم الصادق يكسو تقاسيم وجهه: "أجل، أجل! صدقت يا عمي! سأحرص على الانتباه في المرة القادمة حتماً! لا ينبغي للمرء أن يلقي الكلام على عواهنه، بل يجب أن يعرف قدر نفسه! وعمي الجد، إن بصيرتك حقاً كالشعلة المتوقدة! لقد نفذت إلى عيوبي بنظرة واحدة! أشعر بالخزي الشديد؛ كنت كمن يملك عينين ولا يرى الجبل الأشم أمامه، ولم أقدر هيبتك يا عمي الجد حق قدرها..."
ولإضفاء مصداقية على اعتذاره، تظاهر "وانغ تشان" بضيق الصدر الشديد، وكأن الندم يعتصر قلبه حتى النخاع.
هنا، تراجع الرجل العجوز وقد لان قلبه قليلاً.
ماذا كان بوسعه أن يفعل؟ هل يقر أمام الصبي الصغير بأن هذا الشاب قد تلاعب به وجعله يبدو كمن فقد رشده؟
هز الرجل العجوز رأسه بقوة رافضاً الفكرة.
"محال! من أنا؟ أنا إمبراطور حربي مهاب، ذو صولة وجولة، ومكانة رفيعة؛ حكيم وشجاع! كيف يُعقل أن أقع ضحية لحيلة صبي مكار؟ وأكاد أفقد وقاري أمام الجميع؟ من ذا الذي يجرؤ على تشويه سمعتي التي بنيتها عبر السنين؟ هه! إنها ببساطة جريمة نكراء، وفعلة شنعاء... بل هي الخطيئة التي لا تُغتفر!"