الفصل 470: الجنوب الغربي_1
لكن في تلك اللحظة الحرجة، لم يجد أولو الأمر بدًا من التصرف وفق ما تمليه الضرورة؛ فكان ما تلا ذلك هو الواقع الراهن، حيث عاين السواد الأعظم من عامة الخلق في ولايات الجنوب الغربي وحشية الحرب وضراوتها، تماماً كما كابدها أسلافهم من قبل. فرغم أنهم لم يكونوا من ممارسي فنون القتال، وكان بوسعهم دوماً الاحتماء بالأركان في كنف السلم، إلا أنه مع اندلاع شرارة الحرب، وبمجرد أن تخور قوى المحاربين، يكون هؤلاء العزل أول من يطالهم حتفهم حتماً.
وبينما كان وانغ تشان يجتاز المنعطف، تناهى إلى مسامعه نشيج هستيري مكتوم؛ فإذا به صوت صبي صغير لم يناهز العاشرة، ينتحب بمرارة وهو منكفئ على مكتبه، ودموعه تنهمر مدراراً على وجنتيه، غير أنها كانت تفيض غلاً وحقداً.
"أخي الأكبر، نم قرير العين، سأغدو محارباً فذاً! وعندما أبلغ مرامي، سأثأر لك بيدي وأبيد تلك الوحوش الضارية بنفسي..."
ظل صدى ذلك الصوت المتهدج يتردد في الأرجاء، مثيراً في النفس قشعريرة باردة، إذ تعجز الأبصار عن تأمله من فرط ما يبعثه من لوعة وأسى.
حتى أن وانغ تشان استرسل في خلجات نفسه قائلاً: "لو كنتُ مكان ذلك الصغير، مجرد إنسان عادي ذي موهبة ضئيلة، فكيف ستكون ملامحي حين أُفجع بأحبتي، ولا أملك من أمري شيئاً سوى المشاهدة مغلول اليدين؟"
علاوة على ذلك، إذا كان القتيل من زمرة ممارسي الفنون القتالية، فلك المرء أن يتخيل مدى الدمار والفوضى التي ستعصف بالعوالم الواهنة.
وعلى الفور، ولسبب ما، استحضرت ذاكرة وانغ تشان تلك الأشهر الستة التي عقد فيها العزم لأول مرة على احتراف فنون القتال؛ فقد كانت تلك الفترة هي الأبهج في حياته، إذ شهدت لمّ شمل عائلته واستقرارها.
في ذلك العام، كانت والدته تكدح في أعمال شتى بمقاطعة تشو، تظهر حيناً وتغيب حيناً في غمار التجارة. وفي العام ذاته، كانت أخته قد التحقت بالفعل بالجامعة واختارت معهد الفنون القتالية، وهو المسار الذي اقتفى وانغ تشان أثره في العام التالي.
واأسفاه، فقد أضحى معهد الفنون القتالية في ولاية تشو مجرد ذكرى باهتة في وجدان وانغ تشان، لكن مذاق لحم الوحوش الضارية الذي كانت أخته تجلبه خصيصاً من المعهد ليعينه على تكثيف طاقته الباطنة وتخطي عتبة المحاربين، ظل يمثل الرائحة الأشد رسوخاً وعمقاً في ثنايا ذهنه حتى يومنا هذا.
وبطبيعة الحال، ولأنه استذكر أخته فجأة، اجتاحت وانغ تشان رغبة عارمة وغير مسبوقة في إعادتها إلى كنف الدار. استل نفساً عميقاً في صمت، وهدّأ "شو شو" من روعه.
لم يكن وانغ تشان في ماضيه يدرك كنه الأمور، أما الآن فقد استبان له كل شيء.
أحياناً، قد لا يكون العجز عن العثور على مفقود أمراً سيئاً بالضرورة، إذ قد يعني أنها لا تزال على قيد الحياة، متوارية في مكان ما. لكن في أحايين أخرى، إذا تيقنت أن من أضناك البحث عنه ليس سوى جثة هامدة أمام ناظريك، فإن ما ينتظرك هو فجيعة كبرى، أو صدعة نفسية لا تُحتمل.
لذلك، كان وانغ تشان على ثقة مطلقة بأن أخته لا تزال حية ترزق، تنعم بعيش كريم في بقعة ما، وتنتظر بلوغه ذروة المجد في فنونه القتالية، ولن يلتئم الشمل رسمياً إلا بعد أن يبذل قصارى جهده في هذا المضمار.
لذا، لم يجد وانغ تشان، الذي لا يزال مفعماً بالتفاؤل، غضاضة في بذل بارقة أمل ملموسة لصبي آخر؛ بل إنه استبصر ذلك بالفعل: فمن المرجح أن عمر عظام الطفل يبلغ تسع سنوات هذا العام، ورغم أن موهبته الفطرية كانت اعتيادية، إلا أنها اتسمت بنقاء وحزم لا يلين. وبمعنى آخر، طالما أن جذوة العزيمة في قلب الصبي لم تخمد مع تقادم العهد، فربما يأتي يوم يحمل فيه هذا الطفل لواء القوة بيده، تماماً كما فعل وانغ تشان، الذي كان يوماً المفاجأة المدوية للاتحاد.
وهكذا، دلف وانغ تشان إلى تلك الغرفة، وجال ببصره في أرجائها بهدوء، فإذ بها مسكن متواضع يضم حجرتين ورواقاً. وبعد استطلاع وتفحص، أدرك وانغ تشان أنهما على الأرجح شقيقان يعول كل منهما الآخر؛ ورغم غياب السند الأبوي، إلا أن الأثاث الذي بدا عتيقاً ومتهالكاً كان منظماً بعناية ونظافة تثير الإعجاب، لدرجة جعلت وانغ تشان يومئ برأسه تقديراً. ومع أنه رأى أن المتاع كله من سقط المتاع الذي جُمع من هنا وهناك، إلا أن ما تجلى له في تلك اللحظة هو إصرار الشقيقين على الصمود وإخلاصهما في مجابهة حياة محفوفة بالمكاره.
ولا تغب عن البال حقيقة أن منبت وانغ تشان كان في ولاية تشو المنسية، في تلك الأحيار الفقيرة التي لا تطأها قدام الغرباء؛ لذا فإن المحنة المأساوية لهذا الصبي استدعت منه اهتماماً خاصاً ونظرة فاحصة.
وعلى نحو غير متوقع، وبينما كان وانغ تشان يتفحص أرجاء المنزل محاولاً رصد أدق التفاصيل، استشعر الصبي فجأة أمراً غير طبيعي.
ثمة دخيل في المنزل!
شخص ببصره فجأة، وقد غطى الاحمرار عينيه المتورمتين من فرط البكاء، ثم التفت فرأى وانغ تشان يتأمل المكان بدقة، فانقبضت حدقتا عينيه على الفور.
"صرير!"
عندما التفت وانغ تشان، كان أول ما وقع عليه بصره هو طفل ذو سحنة شرسة، يشهر في وجهه مدية عريضة مسننة النصل؛ كان وجهه يعكس ضراوة بالغة، وعيناه محمرتان كعيني أرنب مذعور. غير أن هذا التوحش هو ما أضفى على الطفل رهبة، فجعله يبدو كالمجنون المستعد للفتك في أي لحظة، متوعداً بشراسة منقطعة النظير، وكأنه على شفا فقدان لبه.
وما إن استدار وانغ تشان حتى رفع الصبي سلاحه، مصوباً إياه نحوه مباشرة، ودون جلبة أو بادرة خوف، قال بنبرة تنضح وعيداً: "من أنت؟ وما الذي أقحمك في داري؟"
اعتصر الذهول وانغ تشان، ودارت في خلده فكرة: "كيف استطاع هذا الصغير رصدي؟"
ينبغي أن يُعلم أنه رغم عدم تعمد وانغ تشان إخفاء هالته بالكامل سابقاً، إلا أنها كانت كفيلة بتضليل كبار الأساتذة في عالم السادة العظام، أما الآن فقد كُشف أمره ببيان تام. وبالنسبة لوانغ تشان الذي بلغت سطوته ذروة معينة، كان هذا الأمر بمثابة صدمة مباغتة، كأنه قد زلت به القدم في غيابة جب.
فسأل وانغ تشان في هدوء: "أحقاً أدركتَ وجودي؟"
اربدّ وجه الصغير غضباً وصاح: "هراء! لو لم أشعر بوجودك، فكيف كنت سأخاطبك؟ أشبحاً تحسب نفسك؟"
رماه وانغ تشان بنظرة ثاقبة كالنصل، مما أثار حفيظة الصبي وتوتره، فاندفع يصرخ بكلمات نابية: "فيمَ تنظر! عدم وجود الكبار هنا لا يعني أنك تستطيع استباحة المكان! إن تجرأت على الرمق إليّ هكذا ثانية، فسأسمل عينيك!"
ظل وانغ تشان معقود اللسان، يبتلع الكلمات في جوفه. ولم يجد مفراً من الاستنتاج بأن هذا الصبي يحوز موهبة فطرية، تكاد تلامس حدود السحر، في ما يخص الطاقة الذهنية.
ولكن بعد أن تفوه الصغير بتلك الكلمات الوحشية، ران الصمت على وانغ تشان؛ ففي نهاية المطاف، الناس معادن شتى، وكان موقناً أنه لن يميل إلى مثل هذا الطبع الجلف.
كان ذلك نتاج تربيته، وبفضل المرأتين اللتين كفلاه في شطر حياته الأول، وتكاتفتا على تنشئته؛ فحتى في أحلك الظروف آنذاك، لم يصدر عن وانغ تشان مثل ذلك السلوك قط، إذ كان يتسم بالوقار تارة، وبالنشاط تارة أخرى، يجمع بين العزلة والشقاوة، وبين الجد والصرامة.
وعندما تفرّس وانغ تشان في هاتين العينين، ازداد يقيناً بأن هذا الصغير قد ألف سفك الدماء يقيناً، وإلا لما كانت قبضته على السكين بهذه القوة والثبات الراسخ.
لذا، آثر وانغ تشان الصمت.
وبالطبع، كان وانغ تشان يدرك تمام الإدراك أنه لا يملك حق اللوم، فهذا ليس خياراً يرتئيه المرء لنفسه، بل هو قدر مقدور. لكنه لم يدرِ أكان ينبغي تسمية هذا بـ "فجيعة الاتحاد"، أم أنه مجرد تجسيد لمأساة الطفل الماثل أمامه.
وهكذا، تلاقت عيناه بعيني الصبي اللتين كادتا تنفجران سخطاً، وتحدث ببرود وهو يشير إلى جبهته قائلاً: "لقد أبصرتُ لوعتك ومصابك من خلال هذا، لذا فهو يرغب في منحك فرصة، ولهذا السبب أنا هنا. ولكن، أنصحك ألا تحدق بي بهذه الشاكلة."
من الجلي أن الصبي لم يكن صيداً سهلاً للخداع، إذ لم يتزحزح قيد أنملة وهو يقبض على نصله العريض، وحدج وانغ تشان بنظرات حذرة باردة لا تمت لسن الطفولة بصلة، ثم سأله: "هل أنت فنان قتال جبار؟"
افتر ثغر وانغ تشان عن ابتسامة خفيفة، وكانت نظراته حادة وقاطعة كبرق لوام: "ذلك يعتمد على مفهومك للقوة؛ فإذا كان مجرد كونك محارباً يُعد قوة، فأنا بلا ريب جبار!"
لم يستوعب الصغير تلك السفسطة، فوجه نصله نحوه بصرامة قائلاً: "كيف تثبت لي صدق قولك؟"
"دويّ!"
قبل أن يتم الصبي سؤاله، انشطر النصل الذي بين يديه – لا من مواضع الشقوق، بل انقسم جسد الشفرة نفسه نصفين!
لا جرم أن وانغ تشان قد أعمل قوته ليبرهن أنه خبير فنون قتالية فذ؛ وعلاوة على ذلك، فقد استخدم طاقته الذهنية مباشرة ليوجه ضربة مضادة خفيفة ويضغط بها على الصبي، بكل يسر وكأنه لم يطرف له جفن.
لكن ما أذهل وانغ تشان أيضاً، هو أنه فور استخدامه لطاقته العقلية لتحطيم سكين الصبي، نبذ الصغير مقبض مدبته المحطم جانباً، ثم هوى ساجداً على الأرض مباشرة بين يدي وانغ تشان.
ذلك الوجه الصغير الرقيق، في تلك اللحظة، وتحت وطأة الضغط الهائل المنبعث من ذلك الجبين الشامخ الذي انكسر كبرياؤه، سقط دون أدنى تردد، يخرّ ساجداً وقد لامست جبهته الثرى في انحناءة شديدة!