الفصل 607: الإجابة
لم يُعر ساريث أدنى اهتمام لكلمات لورين؛ بل اكتفى بتحليلها في صمت، مدركاً أنها جبلت على التفوه بمثل هذه الترهات، لذا لم يأخذ حديثها على محمل الجد، وبدأ يراقبها بهدوء حذر.
تذبذبت نظرات لورين، فقد استشعرت في عيني ساريث نظرة جعلتها تشعر بالارتباك. كان الأمر مستفزاً للغاية؛ إذ كان يرمقها بنظرة فاحصة كما لو كان يحلل جماداً أو شيئاً تقنياً، وكأنها لم تكن كائناً بشرياً على الإطلاق.
استطاعت لورين أن تسبر أغوار أفكاره؛ فمن جهة، كان يسعى لمراقبة خصم خطير، ومن جهة أخرى، أراد استكشاف منبع ثقتها المفرطة بنفسها.
حين وصلت لورين إلى هذا المكان ورأت حجم التقدم الذي أحرزوه، كانت على يقين تام بأنه حتى لو راقب ساريث كل تحركاتها، فلن يفلح في استنباط شيء منها، ولهذا السبب أطلقت لسانها بكل جسارة. ومع ذلك... لم يكن هدفها مجرد رشق ساريث بوابل من الانتقادات اللاذعة.
كانت تدرك تماماً نوع الضغط النفسي الذي يفرضه هذا المكان على الروح؛ فالكلمات التي قد يمر عليها المرء مرور الكرام في ظروف عادية، تتضخم هنا وتتفاقم حتى تبلغ شأناً لا يوصف.
ورغم أن ساريث كان يجلس هناك ساكناً، لم يكن لديها سبيل لتعرف إن كان ينعم بالسكينة فعلاً في داخله، أم أنها مجرد قشرة زائفة. وعلاوة على ذلك، حتى لو لم تؤثر كلماتها فيه، فماذا عن أتباعه الذين يقتفون أثره؟
كان بوسعها أن تدرك بسهولة أن أحداً منهم لم يمتلك رباطة جأش ساريث وهدوءه.
لكنها الآن، وبشكل غريب، بدأت تشعر وكأن الدائرة قد دارت عليها، وأنها هي من تتعرض للضغط.
استجمعت لورين شتات نفسها وأخذت نفساً عميقاً. ومنذ اللحظة الأولى وحتى النهاية، لم تسمح لخلجات القلق التي تعتمر صدرها بأن تظهر على محياها، فهي تعلم يقيناً أن هذا الشعور بالرهبة لم يكن نابعاً من ساريث وحده، بل كان لذلك التمثال القابع في الأفق دور عظيم في بث هذا الرعب.
قالت وهي تشيح بنظرها عن ساريث: "لنبدأ". شعرت بنظراته لا تزال منغرسة في وجهها كأنها نصل حارق يحاول اختراق كيانها، لكنها كبحت مشاعرها بقوة.
ضيق ساريث عينيه وهو يلحظ تناغماً بدأ يتشكل بين لورين والرفاق الأربعة الذين جاؤوا في ركابها.
كان جميعهم يرتدون دروعاً متباينة، لكن ثمة تفصيل مميز لم يغب عن فطنته؛ فقد لمعت هالة ذهبية بين حاجبي لورين، بينما ظهرت ظلال فضية داكنة بين حواجب أتباعها. بطريقة ما، كان ساريث موقناً أنه ما كان له أن يرى هذه العلامات في الظروف العادية، ولكن الآن، ورغم أنها لم تكن ساطعة كالشمس، فقد بدت له كسمة بارزة لا يمكن التغاضي عنها.
انطلقت تلك العلامات في رقصة إيقاعية مع تصاعد صوت الرنين في الأرجاء، وفجأة، بدأت منصاتهم في الاندفاع نحو الأمام.
'أرى... '
أدرك ساريث حينها أن حدسه كان صائباً... على الأقل في جزء منه.
لقد كانوا يعملون ككتلة واحدة لمجابهة ذلك القمع المفروض على الإرادة في هذا المكان، لكنهم كانوا يفعلون ذلك بأسلوب فريد من نوعه.
لا بد أن مزيجاً من المهارات هو ما جعل لورين قطب الرحى في تشكيلتهم، أما السر الذي كانوا يعولون عليه فيها، فقد كان يكتنفه الغموض.
بدا الأمر وكأنه مزيج بين طاقتها الأثيرية وإرادتها الصلبة، مقترناً بقدرتها على تحريك الأشياء عن بُعد، والتي كانت بدورها نتاجاً لاندماج إرادتها وقوة جذبها.
"إتقان الرونات".
هنا استقرت القطعة الأخيرة من الأحجية في موضعها الصحيح.
بدت الكلمات بسيطة، لكن أول ما شرع ساريث في فعله عند وصوله إلى هنا هو البحث عن وسيلة لتسخير إتقانه للرونات في التقدم، غير أنه لم يجد أي رونات ملموسة ليتلاعب بها، وباءت كل محاولاته لرسمها بالفشل الذريع، تماماً كما أخفقت محاولاته في إلقاء التعاويذ أو التحليق باستخدام الطاووس.
لكن ما تجلى له الآن هو أنه كان يسلك الدرب الخاطئ.
لم تكن لورين ومجموعتها يتحركون بسرعة فائقة، فربما لم تتجاوز سرعتهم عشرة كيلومترات في الساعة، ولكن إذا ما قورنوا بالزحف المتثاقل لسيلس ومجموعته، فقد كانوا ينهبون الأرض نهباً كأنهم يسابقون الريح.
في تلك اللحظة بالذات، انصرف اهتمام ساريث عن لورين تماماً، وأطبق جفنيه غارقاً في تأمل عميق ومركز.
ولو قدر لأحد أن يلج إلى أغوار عقله، لرأى رموز "إيثكويل" وهي تتوهج الواحد تلو الآخر، لكنه بدا للناظرين وكأنه لا يفعل شيئاً سوى مراقبتهم في صمت مطبق.
يبدو أنه حتى تلك اللحظة، كان ينظر إلى مفهوم "الإرادة" بسطحية مفرطة.
كانت قدرته على رسم الرونات نابعة من حقيقة أن إرادة التمثال قد قيدتها، أما عجزه عن استخدام المهارات، فلم يكن سببه قصوراً في تدوير الأثير داخل جسده، بل لأن الأثير في المحيط الخارجي كان يرزح تحت وطأة إرادة التمثال الطاغية. حتى ضعف قدرته على التحريك الذهني لم يكن ناجماً فقط عن اختلال التوازن بين جاذبيته وإرادته، بل لأن وجود تلك القدرة كان يختنق بفعل الضغط الذي تفرضه إرادة التمثال.
بدأت خيوط الأمر تترابط في ذهنه؛ فمن البديهي أن تستطيع إرادة قوية قمع إرادة أخرى إذا فاقتها قوةً.
ولكن، ماذا عن الأثير الخاص به؟ وماذا عن الرونات التي تنبع منه؟
إن ما غاب عن ذهنه هو الجوهر الذي لقنه إياه "إيثكويل"؛ فكل فعل يتطلب نية لتفعيله يعتمد بالضرورة على الإرادة بشكل أو بآخر.
حينما كان يستخدم مهارة ما، كان يفعل ذلك بنية مبيتة، حتى وإن اعتمد على "النظام" لتنفيذ العملية نيابة عنه. ومع ارتقاء مستوى إتقانه، تصبح نيته أكثر دقة، ويتقلص اعتماده على النظام تدريجياً، إلى أن تصبح المهارة ذاتها مدفوعة بإرادته الخالصة.. أو بعبارة أدق:
عزيمته النافذة.
لم يكن من الغريب إذن أن يجد "النظام" صعوبة جمة في تقدير قوة "الإرادة" بدقة؛ فمنذ البداية كان سايلاس على حق، إذ لم تكن الإرادة مجرد رقم يمكن حصره، ولهذا السبب تحديداً، حفلت قدرته على التحريك الذهني بالعديد من التباينات والمتغيرات الغامضة التي استعصت على فهمه الكامل.
إذا أراد ساريث أن يبلغ مأربه هنا، فعليه أن يبدأ في توظيف إرادته بالصورة التي فُطرت عليها.
انطلقت منه شرارة مباغتة، ثم فتح عينيه فجأة.
تغلغلت طاقة الأثير في عروقه بقوة دافقة.
لقد كانت الإجابة تسكن أعماقه طوال الوقت.
وفجأة، غمر توهج أخضر أرجواني منصاتهم الخمس، وتألق رمز "إيثكويل" الخاص بالإضاءة بينما انطلقوا بسرعة خاطفة نحو الأمام.