الفصل 298: أقل
لم يكن التوقيت ليصبح أسوأ مما هو عليه، أو هذا ما ظنه "ساريث" في بادئ الأمر، قبل أن يدرك أن هذا الموقف قد يعود عليه بالنفع أكثر من الضرر. فرغم ضآلة معرفته بالحيوانات البحرية، إلا أنه كان يعلم يقيناً أنها تميل للغوص في أعماق السحيق كلما اشتدت العواصف.
"بإمكاني مساعدته."
كانت العاصفة لا تزال في طور التكوين، وكان من المفترض أن تستشعرها الكائنات البحرية حتى قبل أن يشعر بها هو؛ لذا لعل الحظ يبتسم له ويرى الجزيرة قبلهم.
لم تكن علاقة ساريث بالحظ طيبة، لذا كان يأمل أن يكسر النحس هذه المرة، فلكل شيء بداية. تمايل القارب تحت قدميه وبدأت الأمواج في الارتفاع مع سدول سِتار الظلام، لكن الأمور كانت لا تزال تحت سيطرة "ملك الباسيليسك".
ومع اقتراب العاصفة من الأفق، صار اضطراب المياه أكثر جلاءً، واتخذت ملامح ساريث طابع الجدية. لم يكن أعزلاً أو عاجزاً في عرض البحر، إذ كان بإمكانه استخدام "الأثير" للمشي فوق الماء، لكن بالتأكيد لن يكون من مصلحته أن ينقلب قاربه في هذا الوقت العصيب.
"سيستغرق الأمر عدة ساعات أخرى لمواكبة التيار والوصول إلى الجزيرة. لا خيار أمامي سوى التعامل مع المستجدات خطوة بخطوة".
حاول ساريث ترويض أفكاره بالصبر، لكن العاصفة لم تكن تمهله أبداً؛ فقد كان الوضع يزداد سوءاً وتفاقماً. الخبر السار هو أن الوحوش لم تظهر لتعكر صفوه، أما الخبر السيئ فهو أن الأمر لن يفرق كثيراً إذا ما هبت ريح عاتية وقذفته نحو اليابسة.
نقل ساريث بصره جانباً، مثبتاً عينيه على خط الساحل. قدّر المسافة بنحو سبعة كيلومترات في عرض البحر، وقد حافظ على مساره طوال الوقت بمحاذاة الشاطئ. وفي أسوأ الظروف، سيضطر للتوجه مباشرة نحو اليابسة ومواجهة ما قد يخبئه له القدر.
من مكانه الحالي، لم يلحظ أي أثر للدوريات، ولم يكن ذلك بالأمر المفاجئ؛ فبعد ظهور "البوابة" تحت الماء، أصبحت المنطقة البحرية محظورة تماماً. ولولا ذلك لكانت "كاساري" -أو أياً كان حاكم المدينة- قد سقطت في أيدي الغزاة، ولآلت ملكية مدينتهم إلى الحكومة.
فجأة، اهتز القارب بعنف وارتجف، واندفعت موجة عاتية فوق الحواف لتغمر ساريث بمائها.
"هذا ليس بجيد".
لم يكن تبلل ثيابه هو ما يؤرقه، بل القارب نفسه...
التقط ساريث دلواً كان قريباً منه وشرع في نزح المياه التي تجمعت للتو. كانت العملية تسير ببطء شديد، فحاول استخدام قدرته على "التحريك الذهني" لتسريع الأمر، لكنه استعصى عليه في البداية. تذكر بوضوح أنه استخدم هذه القدرة لأول مرة على الماء، لكن شتان بين تلك المياه الهادئة وهذه الأمواج الهائجة؛ فالمياه حين تضطرب وبكميات كبيرة تصبح ثقيلة جداً، ولم يكن بوسعه فعل الكثير لإيقافها أو إفراغها.
ولكن بعد انقضاء دقائق معدودة، تمكن ساريث من زمام الأمور؛ فقام بتقسيم الماء إلى كتل تزن الواحدة منها حوالي 30 رطلاً، أي ما يعادل 13 إلى 14 لتراً في المرة الواحدة. وبمجرد أن أتقن الوتيرة، ازدادت كمية الماء التي ينقلها بشكل ملحوظ.
استطاع ساريث إبقاء القارب طافياً على هذا النحو دون أن يضطر "ملك الباسيليسك" لإبطاء سرعته لساعة أخرى، وبحلول ذلك الوقت كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً. ولكن لسوء الطالع، يبدو أن المصائب تلاحق ساريث أينما حل وارتحل...
واصل ملك الباسيليسك تقدمه، ولم يعد ساريث قادراً على رؤيته بوضوح عبر الأمواج المتلاطمة، لكنه شعر عبر الرابطة التي تجمعهما أنه بخير. كان الوحش قريباً بما يكفي من السطح لمواجهة التيارات العاتية، إلا أن قوته الهائلة جعلت تلك العوائق تبدو وكأنها لا شيء، فكان يشق عباب الماء كالسيف الصارم.
دوى صوت الرعد في الأرجاء عقب وميض برق خاطف. كانت السماء قد أظلمت تماماً الآن، لكن ذلك الوميض جعلها تبدو وكأنها في رابعة النهار، وكاد الرعد بزمجرتيه أن يمزق طبلتي أذني ساريث.
قطب ساريث جبينه متسائلاً: هل كان صوت الرعد دائماً بهذا الصخب؟ لا يبدو الأمر كذلك. راودته فكرة عابرة عما إذا كان "الأثير" يزيد من ضراوة عواصف الأرض وعنفها، قبل أن ينقبض قلبه فجأة؛ ففي الأفق البعيد نحو يمينه، وبالجهة المقابلة للساحل الذي كان يحاذيه، بدأت موجة عملاقة في التشكل.
انقبض فك ساريث إدراكاً منه أن "التحريك الذهني" لن يجدي نفعاً هذه المرة أمام هذا الطوفان. اتخذ قراراً سريعاً وتواصل مع ملك الباسيليسك، وبلمحة بصر، أعاده إلى "عالم السبات".
انحرف القارب جانباً، وشعر ساريث بترنح عنيف كاد يفقده توازنه، فانحنى بسرعة ليستعيد ثباته. تشبث بحافة القارب ثم قفز منه في اللحظة الأخيرة، وفي لمحة خاطفة تمكن من تخزين القارب في "مفتاح الجنون" قبل أن تبتلعه الموجة التي ناهز ارتفاعها خمسة أمتار.
ورغم حرج الموقف، لم يتملك الذعر من ساريث؛ فبفضل بنيته الجسدية الخارقة، لن يشكل حبس أنفاسه لعدة دقائق أي معضلة، وكان الأمر مجرد اختبار لمهارته في السباحة للنجاة من هذا اليم.
"وزني أصبح أخف في الماء..."
خطرت هذه الفكرة ببال ساريث فور انغماسه في الماء. دفع بقدميه بقوة مستخدماً قدرة التحريك الذهني ليعطي نفسه دفعة، وفي الوقت ذاته، استل "بذرة الشراهة" وسبح نحو الأعلى بضربات قوية وواثقة.
بعد لحظات، اندفع ساريث خارجاً من باطن الماء. ولشدة القوة التي دفع بها نفسه، ارتقى في الهواء لمسافة مترين فوق السطح، ثم هبط بقوة، لكن "الأثير" الذي يتخلل جسده أبقاه منتصباً فوق الماء.
ولسوء حظه، لم ينل حتى فرصة لالتقاط أنفاسه أو الاحتفال بنجاته، قبل أن تلوح فوق رأسه موجة طاغية بلغ ارتفاعها عشرين متراً.