الفصل 360: الفصل 328: خمس سنوات منذ وفاتي
مضت ثلاثة أشهر في هدوء ، وإذا بـ "لي تشنج هونغ " تطلُّ عليهم ممتطيةً صهوة الريح ، وقد تجلّبت بدرعٍ من اليشم. حيث كانت لا تزال تحتفظ بمظهر امرأةٍ في مقتبل العشرينيات ؛ رمحها في يدها نصلٌ صقيل ، ودرعها اليشمي يتلألأ ببريقٍ بلوري تزدان به نقوشٌ دقيقة ، وهو من أدوات "تنفس الجنين " السحرية.
تُعدّ الدروع من العتاد السحري الباهظ ، ولا تقلّ ندرةً عن أفران الحبوب السحرية ؛ وقد عُثر على هذه المجموعة حينما اقتحموا جبل "اليشم الملكي ". أرسلتها "تونغيا " إلى "لي تشنج هونغ " التي ما لبثت أن سلّمتها بدورها إلى "لي يوانبينغ ". رفض "يوانبينغ " قبولها وأمر "لي شيهونغ " بإعادتها إلى جبل اليشم الملكي لصاحبتها ، مما أثار شفقة "شيهونغ " الذي ظل يتردد بين الجبلين حتى أضناه التعب.
خطت "لي تشنج هونغ " خطوتين داخل القاعة الكبرى ؛ ورفع "لي يوانبينغ " رأسه ليجد تلك المرأة الوثابة تقف أمامه برمحها ودرعها اليشمي الخاطف للأبصار. نهض سريعاً وقال مبتسماً:
"تشنج هونغ. "
بادلتْه "لي تشنج هونغ " الابتسام بابتسامةٍ مثلها وخطت نحو الأمام ، وعيناها تلمعان ببريقٍ بنفسجي ، تأملت "لي يوانبينغ " للحظةٍ قبل أن تنطق بصوتٍ جليّ:
"مستوى تدريبك يكاد يلحق به ’شيتشي‘! "
ضحك "لي يوانبينغ " ضحكةً خافتة ، وفي تلك الأثناء اقترب "لي شيمينغ " وانحنى قائلاً:
"شيمينغ يحيي عمته! "
"ها قد جاء كيميائيُّ عائلتنا. "
ابتسم "لي شيمينغ " خجلاً من تعليقها ، بينما لاحظ "لي شيبينغ " حالة "لي تشنج هونغ " المتقدمة في الزراعة ، وأنها بلغت الطبقة الخامسة من تدريب التشي منذ فترة ، فتنهد قائلاً:
"إن سرعة تدريبك أنتِ و’يوانجياو‘ مذهلة حقاً. و في سالف الأيام كان يُنظر إلى ’يو موجيان‘ على أنه موهوبٌ فذ لبلوغه زراعة التشي في سن الثلاثين. أما أنتما فلم تبلغا الثلاثين بعد ، ومع ذلك فقد وصل أحدكما للطبقة الخامسة والآخر للسادسة من زراعة التشي ؛ إنه لأمرٌ عجيب. "
ضحكت "لي تشنج هونغ " بخفة وقالت بجدية:
"وهناك ’آن جينغ مينغ‘ الذي بلغ الطبقة الثامنة من تدريب التشي في سن العشرين ، لذا فلا وجه للمقارنة هنا. "
أومأ "لي يوانبينغ " برأسه وأخذ يسرد الأحداث الأخيرة. استمعت "لي تشنج هونغ " بإنصات ، وتفكرت قليلاً ثم قالت:
"لقد أمضيتُ بعض الوقت مع عشيرة ’فاي‘ وأنا على دراية بالأخوين ’فاي تونغيو‘ و’فاي تونغشياو‘. "
ومع توهج الضوء البنفسجي في عينيها ، تابعت بهدوء:
"’فاي تونغيو‘ وسيمٌ ومهذّب ، لطيفٌ وودود ، لكنه يفتقر إلى الحزم ؛ هو يتبع مجرى الأحداث ولا يستطيع الصمود أمام النوائب. أما ’فاي تونغشياو‘ فلديه الشجاعة والبأس ، وهو وفِيٌّ لقلبه ، ولن يتقاعس عن رد الجميل لعائلتنا. "
نادراً ما سمع "لي يوانبينغ " شيئاً عن هذين الرجلين ، فاستمع إليهما وكأنه ينال كنزاً ثميناً ، يحفظ كل كلمة في ذاكرته. ثم رأى "لي تشنج هونغ " تبتسم قائلةً:
"إذا انضم أفراد عشيرة ’فاي‘ إلى الطائفة حقاً ، فسيكون من الصعب حتى على هذين الاثنين اتخاذ قرارٍ ضد عائلتنا. و في أسوأ الأحوال ، سيتذبذبان ويحاولان إرضاء الطرفين ، فلا داعي للقلق! "
بعد تبادل الحديث ، وحين تذكروا أحداث اليوم ، خيّم الجلال على وجوههم. دخل "لي يوانجياو " و "لي شوانشوان " إلى القاعة ، وكان "شوانشوان " عائداً للتو على عجلٍ من السوق.
كان قد تجاوز الخمسين ، وقد غزا الشيب صدغيه ، ولم يكن من النوع الذي يكثر من لغو الحديث. سارع أفراد العائلة الصغار لتحيته ، وتبادل الأربعة -وقد ارتدوا جميعاً ملابس بيضاء- نظرةً صامتة ، ثم قال "يوانجياو ":
"إلى الجبل. "
————
اكتشف "لي شيانغبينغ " قصر الكهف في قمة "ميتشي " واقتحمه مع "تونغيا " باستخدام "نور تايين العميق ". ومنذ ذلك الحين ، أُجيريت عليه إصلاحاتٌ عديدة ؛ فصُقل الحجر الأزرق ، وتداخلت أنماط المصفوفات السحرية ، وزُيّن بأسدين حجريين مهيبين.
عند وصولهم إلى المنصة أمام مدخل قصر الكهف ، بدأ "لي يوانجياو " في إلقاء تعويذة ، لكن باب القصر ظل ساكناً لا يتزحزح. عقد حاجبيه قليلاً وقال:
"إنه مغلقٌ من الداخل. "
بمجرد سماع ذلك اتجهت أنظار الثلاثة نحو "لي تشنج هونغ ". كانت بارعة في فنون الرمح ، وأتقنت تقنيات الزراعة الرعدية ، وكانت خبيرةً في التدمير. شبّك "لي يوانبينغ " يديه وقال:
"أستأذنكِ يا أختي الكبرى. "
سمعت "لي تشنج هونغ " كلماته ، وطلبت الغفران في سرّها ، ثم لوّحت برمحها نحو البوابة الحجرية. و تدفق الرعد من سلاحها وتجمع عند طرفه بفيضٍ لا ينقطع.
"ها! "
تأهبت "لي تشنج هونغ " وأدارت رمحها في دائرةٍ كاملة ، موجهةً زخم جسدها في ضربةٍ قوية ، وبرزت من نصل الرمح هالةٌ أرجوانية كثيفة تحولت إلى شكل تنينٍ هائجٍ كاشفاً عن أنيابه ومخالبه ، ليصطدم بالباب الحجري.
كانت هذه تقنية "ظل التنين السابح " التي أرسلتها عشيرة "فاي " قبل خمس سنوات ، وهي تقنيةٌ تليق بكسر المصفوفات وصرع الأعداء. ولأن "لي تشنج هونغ " تدربت عليها لسنوات وأتقنت أساسياتها ، فقد كانت الضربة في محلها تماماً.
"بوم! "
كانت التشكيلة الموجودة على الباب الحجري مخصصةً أساساً لحبس الأنفاس وتجميع الأرواح ، لكنها أضاءت فجأةً ثم انفجرت مدويةً. أما "لي يوانجياو " و "لي شوانشوان " اللذان كانا على أهبة الاستعداد ، فقد وضعا أيديهما على الجدار لتبديد الآثار الجانبية ، مستخدمين طاقتهما (المانا) لحماية الباب الحجري نفسه.
لمّا تلاشت آخر خيوط البرق الأرجواني ، أطلق "لي يوانجياو " زفرةً وفتح الباب الحجري ببطء.
"هووو— "
هبّت نسمةٌ باردة جليدية من وراء الباب ، وتلاشت نحو الأفق. دخل الثلاثة بحذرٍ إلى الدرج معاً.
فوق السرير الحجري كان يرقد شابٌ بملابس بيضاء ، يسند ذقنه بيده ، وسيفٌ يستقر على ركبتيه. و عيناه مغلقتان بإحكام ، وشعره الأسود مبعثر ، والأرضية غارقةٌ في ماءٍ سماويٍّ متوهج ، بينما كان الندى يتساقط متلألئاً من الطاولة الحجرية بجانب الباب.
تسمّر الأربعة في أماكنهم ناظرين بذهولٍ إلى الشاب على السرير ، انحنوا له إجلالاً ، ثم رأوا الشاب ذي الملابس البيضاء يتحول فجأةً إلى مياه روحية سماوية متوهجة ، مخلفاً وراءه كومةً من المرجان ، والزجاج الملون ، والميكا ، والصخور السوداء.
تقدم "لي يوانجياو " ليرى كتابةً على الطاولة الحجرية كانت محفورةً بعمق في الحجر ، بخطٍ يجمع بين قوة التنانين ورقة طيور العنقاء:
"خمس سنوات منذ وفاتي ، تحولت عيناي إلى زجاجٍ ملون. ضعوهما في صندوق وادفناهما نيابةً عني. أما لحمي وعظامي فقد استحالا ميكا وصخوراً سوداء ، آمل من نسلي أن يلقوا بها في جداول الجبل ، لعل الحرفيين يجدونها ويستخدمونها في الأساسات أو كدعامات. "
"استحالت أحشائي مياهاً سماوية صافية ، فألقوها في الأنهار العظيمة ، لكي أشهد مناظر العالم. أما ما تبقى فقد صار مرجاناً وتالكاً ، لتتشتت في الغابات ، وتُستخدم في الأدوية ، أو في الرسم ، أو في تجميل النساء. "
"هنا ينهي 'لي تونغيا ' ، من نسل عائلة لي و كلماته. "
في الغرفة ، ساد صمتٌ مهيبٌ والجميع في ذهول ، بانت على وجوههم تعابير متباينة. حيث مدّ "لي شوانشوان " يده ليمسح على الطاولة الحجرية ، بينما أخرج "لي يوانجياو " صندوقاً من اليشم ، والتقط بقطعتي الزجاج الملون بعنايةٍ ووضعهما بالداخل.
ثم أنزل سيف "المسطرة الخضراء " عن السرير ، وضمه إلى صدره ، والتفت إلى "لي تشنج هونغ " قائلاً:
"أرجوكِ يا أختي الصغيرة ، اجمعي هذه الصخور السوداء والميكا ، واجمعي المياه الروحية ، وابحثي عن جدولٍ جبليٍّ ونهرٍ عظيم. سأعيد عمنا الأكبر أولاً إلى قاعة الأسلاف. "
أخفضت "لي تشنج هونغ " رأسها ، وجثت أمام السرير ، غارقةً في شرودٍ ذهنيٍّ عميق. وبعد لحظات ، أجابت:
"حسناً. "
أخرجت صندوق اليشم والتقطت الأغراض الروحية السوداء والبيضاء المتلألئة واحداً تلو الآخر ، ثم ألقت تعويذةً لتجميع المياه الروحية السماوية المتوهجة في كرةٍ واحدة ، وحملتها بين يديها قبل أن تنطلق ممتطيةً الريح.
غادرت "لي تشنج هونغ " جبل "ليجينغ " بحركاتٍ وئيدة ، وحلقت بصمتٍ لبعض الوقت ، تبحث هنا وهناك حتى وجدت أخيراً جدولاً جبلياً.
مع خرير نبع الجبل وصوت "دينغ-دونغ " لم تكن هناك قريةٌ بعيدة ، مما بدا موافقاً لرغبات "لي تونغيا ". ومن ثم أخرجت الميكا والصخور السوداء من صندوق اليشم وألقت بها في ماء النبع واحداً تلو الآخر.
وبعد أن انتهت من ذلك جلست "لي تشنج هونغ " بالقرب من النبع ، تسند ذقنها بيديها وتنظر بتأمل.
"هوه هوه… هوه هوه… "
فزعت للحظة ، ثم التفتت بعيونٍ محمرة. ورأت في النهاية ثعلباً أحمر الفرو يجلس بجانب الجدول ، يئنُّ بصوتٍ عالٍ.
ترددت "لي تشنج هونغ " قليلاً ، ثم نهضت بحذر وقالت باحترام:
"الأصغر لي تشنج هونغ ، تحيي السلف! "
"تباً. "
شتم الثعلب ونظر إلى "لي تشنج هونغ " ثم بصق عشبةً روحية ، متذمراً:
"لقد ختم 'لي تونغيا ' العلامة التي تركتها عليه ، والآن اكتشفت للتو أن هذا الرجل قد مات ، ولقد بحثت في الجبال عن أعشابٍ طبية له دون جدوى ، يا للخسارة! "
ورغم شتائمه ، أطرق الثعلب رأسه ، ونظر إليها بفتور ، والتقط قطعة ميكا من النهر ، ثم ألقى العشبة في فمه مجدداً وصاح:
"جئتُ لأبحث عن 'لي تونغيا ' ، وصادفتكم تدفنونه بالصدفة ، فقلت ألقي نظرةً وأنا في طريقي. "
ثم ركب ريح الشياطين محلقاً في الجو ، واختفى في الأفق مثل هبة ريحٍ سوداء ، متوجهاً إلى أعماق جبل "دا لي ".
تسمّرت "لي تشنج هونغ " في مكانها ، ثم انحنت ببطء في الاتجاه الذي رحل فيه ، وركبت الريح لتبحث عن النهر العظيم.
عاد الجدول الجبلي البارد إلى سكينته ، والندى يقطر قطرةً قطرة ، وخرير مياه النبع يتردد "دينغ-دينغ دونغ-دونغ ". وبعد مضي وقتٍ طويل ، تجسّد شخصٌ ببطءٍ من "العدم العظيم ".
كان يرتدي ملابس بيضاء ، بعباءةٍ فضفاضة وحزام ، ويتدلى من خصره قلادةٌ من اليشم الأخضر ، بملامح وجهٍ غير واضحة ، وسيفه يتدلى بجانبه ، يقف ويداه خلف ظهره.
نظر إلى الميكا والصخور السوداء في الجدول ، ورفع حذاءه القماشي الأبيض ، وركل حجراً برفق ، فتدحرج الحجر "قرقعة قرقعة " داخل الجدول.
"لي تونغيا. "