**الفصل 534: مصيرُهما المحتوم**
لم تكتفِ "صوفيا " بإخضاع وحشٍ بجبروت "فينرير " —الذي كان ترويضه ليتطلب تضافر قوى العديد من الكائنات في ذروة المرحلة الرابعة— بينما كانت هي ذاتها لا تزال في ذروة المرحلة الثانية فحسب ؛ بل حولت خلود "وحش راجناروك " إلى لعنةٍ تطارده ، إذ ذاق من خلالها أشد أنواع العذاب تكراراً.
ناهيك عن أن طبيعة سحر "الإشعاع " الفريدة التي تمتلكها ، تجعل من الصعب حتى على كائنٍ في المرحلة السادسة إدراك كيفية طرد هذا العنصر بفعالية. وبفضل قوتها الغاشمة التي لا تُقهر ، أثبتت "صوفيا إيفركريست " للعالم أجمع لماذا كُتب على "الأمازونيه " أن يكنّ الأقوى.
غير آبهة بنظرات الريبة والترقب التي رمقها بها عدد لا يحصى من الأقوياء ، انزلقت "صوفيا " ببطء نحو الأسفل ، واضعةً يدها فوق جسد "الذئب الخالد ". استشعرت القوة الكامنة داخل ذلك الكائن الأسطوري ، فبرقت عيناها طمعاً ، وتمتمت قائلةً "تغلغل الظلام الشامل ".
انساح الظلام من باطن كفيها ، متسرباً عبر جسد الذئب الأحمر الذي يضاهي الجبل في ضخامته ، سارٍ في أعضائه وأوعيته الدموية ومسارات طاقته دون استثناء. وفي كل خلية لامستها ظلالها ، بدأ ذلك الظلام يمتص حيوية الذئب الخالد التي تكاد لا تنضب. حيث كان امتصاص قوة الحياة إحدى السمات الأساسية لظلامها الشامل ، وهي سمة كامنة تعمل بخفاء ، وتسمح لها بالتداوي باستنزاف حياة أعدائها في خضم المعركة.
لكنها الآن كانت تركز بكامل طاقتها على تضخيم هذه السمة. لمعت عيناها حماسةً ؛ إذ كان فيض طاقة الحياة الممتصة عظيماً لدرجة أنه بدأ يتدفق إلى أعماق كيانها الروحي بطريقة غامضة. وبدأ ذلك الشرخ في "حرمها الروحي " —الذي كان نتاج فجوة في ذكرياتها ومصدر قلقها الدائم— بالتعافي تدريجياً.
نما في قلبها بصيص من الإدراك ؛ فهناك رابط أثيري يربط "فينرير " بمكانٍ ما آخر ، ربما خارج حدود هذا العالم ، وعبر هذا الرابط كانت طاقة الحياة تتدفق باستمرار إلى هذا الكائن. وللأسف كان لا بد من القضاء على الوحش ، ولم تكن هناك وسيلة لتقييده أو حبسه في مساحة منفصلة وهو ما زال حياً. لولا ذلك لفضلت "صوفيا " إبقاء "فينرير " على قيد الحياة لتستمر في امتصاص طاقته بلا انقطاع.
لم تملك إلا أن تطلق زفرة خافتة ، وزادت من وتيرة الامتصاص إلى الحد الذي أجبر الرابط الأثيري لنقل الطاقة على الانقطاع. و أدركت "صوفيا " سبب استعصاء هذا الذئب على الموت ؛ فالسبيل الوحيد للقضاء عليه كان تدمير كل خلية في جسده في غضون ثوانٍ بضربة ساحقة ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا كائنات المرحلة الخامسة.
وأخيراً ، بعد خمس دقائق طوال ، وبعد أن امتصت "صوفيا " كل قطرة من طاقة الحياة القوية التي يختزنها الذئب ، بدأ جسده الضخم يتقلص وينكمش كبالونٍ يفرغ من هوائه ، ولم يبقَ منه سوى الجلد والعظم. وقف الجميع في ذهول تام.
وفي الوقت ذاته ، تعالت هتافات النصر من معسكر جيش المملكة العظيمة ، وتردد صداها في أرجاء ساحة المعركة ؛ فقد استعادت قوات المرحلة الثالثة التي فرت سابقاً من رعب "أوزيريس " روحها المعنوية بفضل صنيع هذه "الأمازونيه ". لكنهم لم يعلموا أن "فينرير " لم يكن سوى مخلوقٍ استحضره "إنريك سامارتان " وأن العدو قد استخدمه سلاحاً ضدهم.
لقد قتلت "صوفيا " وحش "راجناروك " الذي لا يقهر —والذي كان من المحال على من هم دون المرحلة الخامسة القضاء عليه— بهذه السهولة. لم تصب "الأمازونيه " بخدشٍ واحد ، بل جعلت الأمر يبدو وكأنه نزهة.
بأمرٍ عقلي ، أودعت الجثة الضامرة في مساحة تخزينها ، ثم حولت أنظارها نحو "أوزيريس ". كان "أكسل " يضع كفه على الأرض ، ممتصاً كل الظلام وأرواح الموتى الهائمة في ساحة المعركة. ومنذ اللحظة التي بدأت فيها "صوفيا " قتالها كان ذلك "الشيطان " غارقاً في هذا الفعل.
ضيقت "صوفيا " عينيها ؛ لم تستطع فهم ما يفعله هذا الشيطان بالضبط ، لكنها استشعرت بوضوح ضئيل أن جزءاً من الظلام المنتشر في ساحة الحرب يُسحب نحوه ، كأنما هو غبار معدني ينجذب إلى مغناطيس قوي. فلم يكن الظلام نفسه هو ما يُسحب ، بل شيئاً يشبهه ، أو ربما جزءاً منه لا تدركه حواسها ، فأثار ذلك فضولها.
وبينما كانت على وشك تفعيل "عين الظلام " لتكشف عما يخطط له ، رنّ في أذنيها صوت "هيلين " الآمر "آنسة صوفيا ، اقضي على 'دودة الموت ' أولاً ، فقد قتلت بالفعل أكثر من عشرة من مقاتلي المرحلة الرابعة ، واثنان منهم من 'صن كريست ' ". وعلى الرغم من أن تلك الكائنة في ذروة المرحلة الخامسة صاغت كلماتها بأدب إلا أن نبرتها كانت نبرة سيدة تأمر خادمتها.
لم تجد "صوفيا " بُداً من ابتلاع غضبها والانصياع للأمر تماماً ككلبٍ مطيع. صرفت نظرها عن الشيطان ، وتلاشت صورتها لتظهر مباشرة فوق "دودة الموت " العملاقة التي كانت تعيث فساداً. هتفت ببرود "تبديل المظهر ".
[تم تبديل مظهرك إلى القديسة]
[لقب المظهر: قديسة الفناء ، قيد التفعيل]
[طاقة مظهر القديسة (قوة القديسة) متاحة الآن]
تمتمت "صوفيا " بلا أي تغيير في تعابير وجهها "نصل الظلام الشامل ". رفعت يديها عالياً ، فتشكلت قوة القديسة الممزوجة بالظلام لتغدو سيفاً بطول يزيد عن أربعمائة متر. حينها فقط تنبهت "دودة الموت " إلى شبح الموت المحلق فوق رأسها ، وسقط ظل الشفرة الجبار فوق جسدها المتطاول ، مما جعلها ترتجف ذعراً.
رغم أن الكائن تمكن من قتل بعض أعدائه الذين هاجموه إلا أنه كان مصاباً بجروح بليغة. تراجع مقاتلو المرحلة الرابعة بذعر ؛ فلم يعد أي منهم في حالة مثالية بعد صمودهم الطويل أمام تلك الدودة الملعونة. والأهم من ذلك لم تبدُ "الأمازونيه " مهتمة بالتأكد مما إذا كان هؤلاء المقاتلون خارج نطاق هجومها أم لا ؛ فقد كان جل همها القضاء على الدودة.
بالنسبة لـ "صوفيا " لم تكن تبالي بسقوط ضحايا جراء ضربتها ، فما عليها سوى تنفيذ الأوامر ، بل في الحقيقة كان يسعدها رؤية جنود مملكة "صن كريست " العظيمة يموتون على يد الشيطان.
في اللحظة التي هوت فيها بالشفرة الذي يبلغ طوله نصف كيلومتر ، والذي بدا شامخاً كجبلٍ صغير ، أطلقت الدودة صرخة رعب جنونية ، مستشعرةً هلاكها المحتوم. لم تتوانَ الدودة عن استخدام كل ذرة من طاقة الموت في جعبتها ، وأطلقت انفجاراً تدميرياً من طاقات الموت ممزوجة بكل الطاقة الشيطانية الكامنة بداخلها.
من منظور المراقب ، بدا الأمر وكأن ثعباناً شيطانياً يزأر بأصفى أنواع الظلام من أعماق الجحيم ، صابغاً السماء بالسواد. و لكن نصل "صوفيا " المتجسد من قوتها المقدسة والمعزز بسمة ظلامها الشامل ، اخترق شعاع الموت الذي يحجب السماء في منتصفه تماماً كسكين حامٍ يغوص في الزبد.
(صليل!! انفجار!!)
لم يتوقف نصلها ، بل استمر في اختراق "دودة الموت " الشاهقة عمودياً ، شاطراً الكائن إلى نصفين.
(التحطيم!!)
هزت الأرضَ رجفتان قويتان مع ارتطام نصفي جسد الدودة بالأرض. (دوي!!)
انتشرت الدماء الفاسدة والأحشاء المقززة للدودة العملاقة في كل أرجاء الساحة ، ملطخةً الأرض المكسوة بالجثث بسواد دمائها الملوثة. تلاشت الشفرة العملاقة ، وبقيت "صوفيا " بملامحها الباردة تحوم في السماء الحمراء كأنها نجم مظلم متلألئ ، دون أن يلحق بها أي أذى.
ماتت الدودة على يديها بضربة واحدة ، بسهولة تفوق حتى "فينرير " ؛ وإن كان هناك سبب لذلك وهو أن الدودة كانت مصابة بالفعل ، كما أنها تفتقر إلى التنوع في القتال والسرعة مقارنةً مستذئب. ومع ذلك فإن هذا الفعل ترك في قلوب البشر من الصدمة والرهبة ما لا يوصف. و في الوقت ذاته كان جيش الأشباح ينظر إليها بمشاعر متناقضة: ريبة وحقد.
غير مبالية بمشاعر جيش الأشباح أو البشر ، طارت "صوفيا " نحو الشيطان الذي ما زال يمارس طقوسه. فلم يكن الشكل المقنع قد غادر ساحة المعركة ، بل بقي عند أطرافها ، في نفس وضعيته السابقة ، واضعاً كفه على الأرض. تعالت صرخات من خلفها تحذرها من التقدم ، لكن "صوفيا " لم تتوقف ، بل زادت من سرعتها. ورغم اقترابها من معسكر جيش الأشباح ، ظلت بلا خوف ؛ فحتى لو تعرضت لكمين كانت ترغب في قتال "أوزيريس ".
ولأسبابٍ لم تدركها قط ، منذ لحظة ظهور ذلك الشيطان في ساحة المعركة كان جزءٌ من أفكارها يعود إليه دائماً ، كأن قوة خفية تجذبهما نحو بعضهما. حتى لو مُحيت ذكريات أحد الطرفين ، ومُحيت مشاعر الآخر ، وحتى لو لم يعرف أحدهما الآخر ، وظل متنكراً ؛ فإنهما —كقطبي مغناطيس متنافرين— مقدر لهما اللقاء أبداً.
ليتواجها ، وليحبا ، وليكرها.
فذلك... كان مصيرُهما المحتوم.
تلك كانت... نهايتهما.