الفصل 1491: الفصل 1489: أين التعزيزات ؟
"دويٌّ... دويٌّ... دويٌّ! "
الأرض ترتجف ، والسماء تتصدع.
على خط الدفاع ، انطلقت أسلحةٌ لا تُحصى مطلقةً حزماً ضوئية في آنٍ واحد ، فأضاءت العالم الكئيب فجأة ، وتلتها إبادةٌ جماعية لعدد لا يُعد من المخلوقات المسخ التي كانت تقترب.
وفي اللحظة ذاتها تقريباً ، أُطلقت نيران القبضات الفولاذية المحمولة على الأكتاف ، لتخترق حزمٌ طاقية بسماكة الذراع تشكيلات تلك المخلوقات بجسارة ، مُحيلةً أجسادها إلى أشلاء.
كما بدأت مدافع الرونز السحرية تُبرز قوتها ؛ إذ توالت القذائفُ انطلاقاً من فوهاتها اللاهبة ، لتسقط بكثافة وسط جيش المخلوقات المسخ الزاحف ، مُنظفةً كل شبرٍ تلمسه كما لو أنها رياح الموت التي لا تُبقي ولا تذر.
وبطبيعة الحال لم تكن تلك المخلوقات المسخ لتُذبح صاغرة ؛ فبعد أن دفعت طلائعُها ثمناً باهظاً ، نجحت فلولها في الوصول إلى خط الدفاع ، منقضةً عليه بضراوة.
اضطر بعض الجنود إلى تفعيل الشفرات الهوائية المثبتة على أسلحتهم ، ليبدأ القتال المباشر. وانضم "جورينج " وفريقه الذين لم يمضِ على عودتهم إلى خلف خط الدفاع وقتٌ طويل للراحة ، إلى المعركة مجدداً.
قتالٌ ، قتالٌ ، معركةٌ محتدمة تتأجج نيرانها...
سواءٌ أكانوا بشراً أم مخلوقاتٍ مسخاً ، فالجميع يقاتل بكل ما أوتي من قوة ؛ فالبقاء رهنٌ بالفناء ، ولا نجاة إلا بسحق الآخر.
في خضم هذه العملية ، تغدو الحياة ضئيلة الشأن ؛ فالموتُ حقٌّ لا مفر منه ، والنجاةُ لا تستحق الاحتفاء ، إذ قد يأتيك الأجل في أي لحظة.
دماءٌ تُسفك داخل خط الدفاع وخارجه ، وجثثٌ تتراكم في أرجاء متفرقة ، وأنفاسٌ لاهثة وزئيرٌ يملأ كل زاوية ، مشهدٌ فوضوي بامتياز... ومع ذلك وبالتدقيق في النظر ، يجد المرءُ أنَّ ثمة نظاماً أساسياً لم ينهِر وسط تلك الفوضى: إنها الأوامر العسكرية.
"الفرقة الثامنة ، توجهوا لدعم خط الدفاع الخامس! "
"الفرقة الاحتياطية السادسة ، استبدلوا الفريق الاحتياطي الثالث! "
"غطّوا المنطقة 23 بنيران المدفعية... "
"... "
مع كل صرخةٍ من "جورينج " أو غيره من الضباط كانت تحدث تغيراتٌ دقيقة على خط الدفاع ، وهي التغيرات التي مكنت الجنود من إطلاق طاقاتهم القتالية إلى أقصى حد ، والذودِ عن دفاعإندفع أمام هجمات المخلوقات المسخ بصلابة.
ورغم أن خط المعركة كانت يترنح صعوداً وهبوطاً إلا أن أفراد مجموعة "الببغاء الرمادي " للتعزيزات تمكنوا في النهاية من ترجيح كفة الميزان لصالحهم.
"دويٌّ... دويٌّ... دويٌّ! "
إلى جانب جولةٍ أخرى من قصف مدافع الرونز السحرية التي غطت أكثر مناطق المخلوقات المسخ كثافةً وأوقعت في صفوفها خسائر فادحة ، سُمع صراخٌ حادٌّ من خلف جيش الأعداء ، وفي اللحظة التالية ، تراجعت كل المخلوقات وكأنها تلقت أمراً بالانسحاب.
انتهت موجة الهجوم الثانية ، وعاد الهدوء إلى خط الدفاع.
تحركت فرق الدعم إلى الخطوط الأمامية لتباشر عملها ، بينما اغتنم الجنود فرصة الراحة ؛ فقد أثبتت التجربة أن أمامهم عشرين دقيقة ثمينة لاستعادة قوتهم قبل وصول الموجة التالية ؛ ففي نهاية المطاف ، تلك المخلوقات ليست مصنوعةً من حديد ، هي الأخرى تتعب وتحتاج للراحة ، ومع الخسائر الفادحة كان لزاماً عليهم إعادة ترتيب صفوفهم لاستجماع قواهم القتالية.
"شهيقٌ... زفيرٌ... "
استلقى العديد من الجنود على ظهورهم ، يلهثون بعمق.
وبجانبهم كان بعض المجندين الجدد الذين لم يألفوا مثل هذه الحروب بعد ، يتقيأون.
أما قدامى المحاربين ، فكانوا بجوارهم ، يرتشفون الماء من قواريرهم بوجوهٍ خاليةٍ من التعابير.
وعلاوة على ذلك كانت فرق تنظيف أرض المعركة تشهر أسلحتها ، وتُجهز على بقايا المخلوقات التي لم تمت بعدُ خارج خط الدفاع ، بينما كان المدفعيون يتفقدون عتادهم بدقة ، مقدرين عدد القذائف المتبقية ، والضباط يصرخون مُحصين خسائر وحداتهم...
مضى "جورينج " برفقة عشرة من السحرة الناجين ، يمشون نحو ساحةٍ مفتوحة للراحة.
بصوتٍ مكتوم ، غرس "جورينج " سيف الرونز السحري المتهالك في التراب أمامه ، وعلّق خوذته الملطخة بالدماء فوقه.
تنهد بعمق ، ثم أشار لضباطه بالاقتراب ، مستفسراً عن إجمالي الخسائر قبل أن يُعلن بصوتٍ مبحوحٍ عن التمركزات الجديدة.
"القوة النارية لخط الدفاع الثاني ضعيفةٌ قليلاً ، أرسلوا خمسة مدافع رونز سحرية إلى هناك لاحقاً... "
"الفريق الاحتياطي الثالث تكبد خسائر فادحة هذه المرة ، أخشى أنهم لن يستعيدوا قوتهم القتالية على المدى القريب ، ولا وقت لدينا لانتظارهم ، ادمجوهم مباشرةً مع الفريق الاحتياطي الثاني... "
"نقاط النيران في الشرق بارزةٌ أكثر من اللازم ، وقد تحملت العديد من الصدمات مسبقاً ، يجب علينا التعلم من هذا ، تراجعوا قليلاً إلى الخلف... "
كان "جورينج " يتحدث بسرعة ، والضباط المحيطون به يومئون ويحفظون الأوامر.
"وأيضاً... " استطرد "جورينج " لكنه توقف في منتصف جملته حين لمح شيئاً ما ، فالتفت برأسه بحدة خارج خط الدفاع.
تبعته أعين أحد الضباط غريزياً ، ثم اتسعت عيناه ذهولاً.
لقد رأوا جيش المخلوقات المسخ الذي كان قد تراجع لمئات الأمتار وهو يجر أذيال الخيبة ، يتوقف فجأة ؛ وبعد ثوانٍ ، وكأنهم تلقوا أمراً جديداً ، اندفعوا عائدين نحو خط الدفاع بعواءٍ هائج.
كان هذا هجوماً مباغتاً بكل المقاييس! ، خرقَ النمط المعتاد ، وكاد أن يباغت مجموعة "الببغاء الرمادي " على حين غرة.
لكن بفضل فطنة "جورينج " وإدراكه تمكنوا من الرد في الوقت المناسب.
"استعدوا للقتال! استعدوا للقتال فوراً! "
صاح "جورينج " ملوحاً بيده بقوة.
تفرق الضباط من حوله مسرعين نحو وحداتهم.
الجنود الذين كانوا مستلقين وثبوا واقفين ، والمجندون الجدد استقاموا في وقفتهم ، والمحاربون القدامى وضعوا قوارير المياه جانباً وقبضوا على أسلحتهم... بينما وجّه عمال تنظيف أرض المعركة أسلحتهم نحو المخلوقات القادمة ، وبدأ المدفعيون في حشو القذائف وتعديل زوايا المدافع...
وفي لحظة.
"دويٌّ! "
مع انطلاق قذيفةٍ وسقوطها وانفجارها ، بدأت الموجة الثالثة رسمياً.
وكما في الموجة الثانية ، تحمل جيش المخلوقات الخسائر ، ودفع ثمناً باهظاً قبل أن يصل مجدداً إلى خط الدفاع ، باحثاً باستمرار عن ثغراتٍ لاختراق الدفاع بالكامل.
كان "جورينج " يوجه الفريق لتعديل تمركزاتهم باستمرار ، دافعاً هجمات المخلوقات جولةً تلو الأخرى. وعندما كانت الأمور تشتد خطورةً كان يرتدي خوذته ، ويقبض على سيف الرونز ، ويقود السحرة إلى قلب المعركة الأكثر ضراوة ، ليقلب الموازين لصالح فريقه.
خلال المعركة كان "جورينج " في حيرة من أمره ؛ فلم يفهم لماذا هاجم جيش المخلوقات هذه المرة بكسر الروتين ، هل كان ذلك مجرد غارة ؟
ومع ذلك حتى لو لم يكتشف هو الغارة ، فما دام هناك جنديٌ يقظٌ قد لمحها ، فإن تكتيكهم سيفشل ؛ لقد كان الأمر بدائياً للغاية وغير منطقي.
إذاً ، ما السبب الحقيقي ؟
"خمش! "
مستخدماً سيفه ، شق "جورينج " جسد جرذٍ عملاق يشبه الدب ، ونظر بلا وعي نحو مؤخرة جيش المخلوقات ، وعندها توقف تنفسه.
في البداية ، مع الخسائر الفادحة في صفوفهم ، بدأت المناطق الخلفية لجيش المخلوقات تظهر فيها فراغات ، وكان تقديره أنه بالاستمرار في القتال ستنتصر مجموعة "الببغاء الرمادي " في النهاية.
لكن في هذه اللحظة ، رأى أن تلك الفراغات امتلأت فجأة بمخلوقاتٍ جديدة ، والمزيد منها يتدفق من الأفق.
هذا...
أدرك "جورينج " فجأةً السبب: لماذا كسر جيش المخلوقات الروتين وهاجم في وقت الراحة ؟ لم يكن ذلك لغارة ، بل لأنهم حصلوا على تعزيزات.
امتلاكُ قواتٍ جديدة يعني أن القوات الحالية لم تعد بذات الأهمية ، فإذا أدت غرضها يمكنها أن تفنى ، وبذلك تحل القوات الجديدة محلها في الخطوط الأمامية.
إذن ، وصلت التعزيزات... لم يستطع "جورينج " إلا أن يبتسم بمرارة... لقد وصلت تعزيزات جيش المخلوقات ، ولكن أين هي تعزيزاته هو ؟