الفصل 1277: الفصل 1275: غضب المشرفين
خارج القارة الرئيسية، وفي أعماق المحيط اللامتناهي.
غطت الغيوم القاتمة السماء، وتلاطمت أمواج عاتية على سطح البحر، وفي خضم تلك العاصفة الهوجاء، ظهر رجل يرتدي رداءً أحمر قانياً.
كان هو "فين فينغ"، مشرف أحد أطواق "جمعية الحقيقة الملونة".
كان يخوض في تلك اللحظة معركة ضارية، وكان خصمه عملاقاً يبلغ طوله مئة متر.
امتلك العملاق جلداً حجرياً بلون أزرق داكن، وكان يتحرك ببطء كأنه تمثال دبّت فيه الحياة، لكنه كان يتمتع بقوة غاشمة؛ فكل ضربة منه كانت تجعل الهواء المحيط يرتجف وتؤدي إلى انفجار سطح البحر من شدة الضغط.
وبالاعتماد على ميزة سرعته الفائقة، ظل "فين فينغ" يدور حول العملاق باستمرار لشن هجمات خاطفة من الخلف، مما أثار حنق العملاق وأفقده صوابه.
وفي ذروة غضب العملاق، انتهز "فين فينغ" الفرصة السانحة، محولاً جسده بالكامل إلى كرة مستعرة من اللهب، وانطلق بسرعة البرق نحو فم العملاق المفتوح، لينفذ من مؤخرة رأسه.
"ووش!"
انفجرت ألسنة اللهب من عيني العملاق وأنفه وأذنيه. أمسك العملاق وجهه بكلتا يديه، وكافح للحظات في نزاع مرير، ثم تصلب جسده وفقد كل قواه الحيوية، ولم يعد قادراً على الطفو فوق سطح الماء.
ولم يستطع البحر أن يحمل جثة العملاق الضخمة؛ فبصوت تحطم مدوٍّ، انشق سطح الماء، وغرق العملاق بسرعة متجهاً إلى قاع المحيط.
ظهرت دوامة عنيفة على السطح، ثم ما لبثت أن هدأت بعد وقت قصير.
تمتم "فين فينغ" قائلاً: "أوف، أخيراً انتهى الأمر!"، ثم ألقى نظرة خاطفة وتحدث بصوت مرتفع: "أخيراً تم التعامل مع هدف الاحتواء الفاشل، آمل أن يكون هذا هو الأخير، أجل، أتمنى ذلك..."
وفي منتصف حديثه، أدار رأسه فجأة نحو القارة، وتغيرت ملامح وجهه بشكل جذري، وقال في حالة من الذهول وعدم التصديق: "هذا الشعور... هل يعقل؟"
وفي مكان ما في القارة الرئيسية، داخل هيكل ضخم تحت الأرض، كان يقبع قصر مهيب.
امتد القصر على مساحة تزيد عن خمسين متراً في القطر، وكان فسيحاً للغاية، ويضم عشرات الأعمدة المضاءة بالمشاعل. وفي وسط القصر كانت هناك طاولة مصنوعة من عظام رمادية بيضاء يزيد طولها عن ثلاثة أمتار، وخلفها كرسي عظمي من المادة نفسها.
جلس رجل يرتدي رداءً أسود على ذلك الكرسي، يراجع بعض الوثائق بدقة.
كان هو "الضباب الرمادي"، أحد مشرفي أطواق "جمعية الحقيقة الملونة".
وعلى الطرف الآخر من الطاولة، أمام "الضباب الرمادي"، وقف عضو من الجمعية ممتلئ الجسد يشبه اليقطينة، يُدعى "غورلوف"، وكان يقدم تقريراً عن بعض الشؤون التنظيمية باحترام جم.
"سويش، سويش، سويش..."
"قبل ثلاثة أيام، اكتشفت المنظمة نوعاً غريباً جديداً، يتواجد في..."
كان أحدهما يراجع الأوراق والآخر يدلي بتقريره، ولم يبدُ أن أيّاً منهما تأثر بوجود الآخر.
فجأة، بدا أن "الضباب الرمادي" قد تلقى أنباءً غير سارة، فتوقف بغتة عن القراءة، ورفع رأسه ليحدق في "غورلوف".
فوجئ "غورلوف" بهذا التصرف، وسأل بتردد: "صاحب السعادة، هل هناك خطب ما؟"
ظل "الضباب الرمادي" صامتاً، ولم يشح بنظره عن "غورلوف"، بل ضيق عينيه بنظرة حادة كالنصل. انتشر ضغط خفي بدا وكأنه يتضاعف في أرجاء القصر فجأة، مما تسبب في خفوت ألسنة اللهب فوق أعمدة المصابيح حتى كادت تنطفئ.
أصبح القصر مظلماً بشكل ملحوظ، وساد جو خانق للغاية، شعر به "غورلوف" بكل جوارحه تحت وطأة تلك النظرات. شعر "غورلوف" وكأن جبلاً جثَم على صدره، مما جعل التنفس عسيراً عليه. تصبب العرق منه حتى بلل ملابسه، وشعر أن ركبتيه قد تخونانه في أي لحظة.
في تلك اللحظة، ارتجف قلبه رعباً، وعجز تماماً عن فهم السبب الذي أثار غضب المشرف "الضباب الرمادي"؛ فقد كان التقرير روتينياً كالمعتاد، ولا تشوبه شائبة.
هل من الممكن أن يكون المشرف "الضباب الرمادي" قد كشف بعض تجاوزاته أو أفعاله المشينة؟
كان ذهن "غورلوف" يتسابق، مستعرضاً كل الهفوات التي قد تؤدي إلى هلاكه.
مرت ثانية، ثم ثانيتان، فثلاث...
وبعد أن حدق به "الضباب الرمادي" لنصف دقيقة كاملة، أصبح الضغط النفسي على "غورلوف" فوق الاحتمال، وكان على وشك الانهيار والاعتراف بكل شيء طلباً للرحمة، حين سمع فجأة صوت "الضباب الرمادي" العميق يقول: "لقد هلك 'البحر الميت'".
"آه؟" رفع "غورلوف" رأسه مذهولاً من وقع الخبر.
وفي مكان آخر داخل المدينة.
في غرفة دراسة تابعة لعقار نبيل، كان رجل عجوز غطت التجاعيد وجهه يقرأ كتاباً على ضوء مصباح خافت.
كان يرتدي رداءً رمادياً فاتحاً، وكان شعره ولحيته بياضهما كالثلج، مما يضفي عليه هالة من الوقار والتعالي.
كان هو المشرف "القمر الأحمر"، أحد قادة أطواق "جمعية الحقيقة الملونة".
كان يقرأ بتمهل وعناية، وتتتبع أصابعه السطور بينما يتمتم بالكلمات بصوت خفيض.
وفي منتصف القراءة، توقفت سبابته فجأة، ونظر إلى الأعلى في دهشة، وقال: "'البحر الميت'... هل لقى حتفه فعلاً؟"
"همم—"
أغلق الكتاب بصوت مسموع، ثم نهض وسار نحو النافذة وحاجباه معقودان من شدة التفكير، وقال لنفسه: "هل وصل الخصم إلى هذا المستوى من القوة؟ حتى 'البحر الميت' لم ينجُ منهم؟ يبدو أن علينا وضع النقاط على الحروف وأخذ الأمر بمنتهى الجدية، فلا يمكن الاستهانة بهذا التهديد بعد الآن".
وبعد قوله هذا، وصل الرجل العجوز إلى النافذة، وفتحها، وأطال النظر في سماء الليل.
كان الهلال يتربع عالياً في السماء، مشبهاً خطافاً فضياً براقاً.
حدق الرجل العجوز في القمر لفترة طويلة، حتى تراءت له لمحة من اللون الأحمر الدموي تصبغ سطح القمر بخفة.
بعد يومين، وفي جنح الليل.
في سهل قاحل قلما تطأه أقدام البشر، كان هناك مجمع معماري ينتصب بوضوح في الأفق.
خارج المجمع، بُنيت ثلاثة أسوار من الجدران الحصينة، مع قيام مفارز من الجنود بدوريات مستمرة في الداخل والخارج، يراقبون السماء ليلاً بين الفينة والأخرى، بينما خضع كل من يدخل أو يخرج لعمليات تفتيش دقيقة وصارمة، مما جعل مستوى الدفاعات في أقصى درجات التأهب.
داخل المجمع، وفي غرفة صغيرة متواضعة، كان رجل ذو وجه مربع يجلس على كرسي خشبي، يحدق في شمعة تذوب على طاولة أمامه، وقد غرق في لجة أفكاره.
بدا أن الوقت يمر دون أن يشعر به، ومع صوت صرير الباب، انفتح مدخل الغرفة ودخل جندي قائلاً باحترام: "سيدي، لقد حان الوقت، الحرفيون جميعهم على أهبة الاستعداد، وينتظرون إشارتكم".
"همم، علمت بالأمر." عاد الرجل ذو الوجه المربع إلى أرض الواقع، وأومأ برأسه، ثم أخذ نفساً عميقاً، وغادر الغرفة صامتاً، وسار مع الجندي عبر ممر معقد يشبه المتاهة.
بعد سلسلة من المنعطفات والالتواءات، دخل الرجل ذو الوجه المربع قاعة كبيرة، واسعة لدرجة أنها تشبه المستودعات الضخمة.
في الداخل، كان هناك جمع غفير ينتظر منذ مدة، يتقدمهم رجل مسن يرتدي نظارة أحادية العدسة، وكان يبدو عليه الجد الصارم وعيناه تلمعان بذكاء حاد.
نظر إليه الرجل ذو الوجه المربع بشيء من التبجيل وسأله: "أيها السيد 'آمُون'، كيف تجري الأمور؟"
أجاب الرجل العجوز المعروف باسم "آمُون": "كل شيء جاهز وفي وضعه الطبيعي، يمكننا البدء في أي لحظة".
"حسناً، فلنشرع في العمل إذاً."
"موافق." أومأ "آمُون" برأسه، وأصدر تعليماته لبقية الحرفيين بالبدء، بينما أشار للرجل ذي الوجه المربع بالتوجه إلى زاوية محددة.
تحرك الرجل ذو الوجه المربع بمرونة وتعاون، ملاحظاً أن الأرضية والجدران المحيطة قد خضعت لتدعيم خاص، يبدو أنه صُمم للحيلولة دون وقوع حوادث غير متوقعة أثناء الاختبار.
وقف بثبات وخلع ملابسه طواعية، وبعد فترة وجيزة، اقترب "آمُون" مع مجموعة من الحرفيين، يحمل كل منهم صندوقاً، وعند فتحها كشفوا عن قطع مصنوعة من الكريستال النقي.
تنوعت أشكال القطع الكريستالية؛ فمنها المخروطي، والكروي، والأسطواني، وتراوحت أحجامها ما بين حجم التفاحة وحجم نواة المشمش. وما كان يجمع بينها هو تلك النقوش السحرية المعقدة والمحفورة بدقة على أسطحها، مما جعلها أدوات سحرية لا تقدر بثمن.