الفصل 105: الفصل 104: اقتلوهم جميعاً
في فناءٍ بمديرية "ووان " كان الليلُ قد أرخى سدوله وساد سكونٌ مطبق.
كان "مينغ ليانغيو " مسجىً على فراشٍ دافئ ، وقد لُفَّ جسده بالضمادات من رأسه حتى أخمص قدميه حتى بدا وكأنه قطعة قماش ملفوفة (زونغزي) ، يشعر بلسعاتِ الجراحِ الحارقة التي تأبى عليه النوم. وبجانبه كان الرجلُ العجوز السمين يغطُّ في نومه.
تحامل "مينغ ليانغيو " على نفسه ، وتصبب عرقاً غزيراً وهو يجزُّ على أسنانه حتى أصدرت صريراً مسموعاً. وبعد هنيهة ، تقلب العجوز السمين ، ورمق "مينغ ليانغيو " بنظرة ، وقد ومض في عينيه الصغيرتين بريقٌ خافت وسط الظلام.
- "يا سيدي ، ما.. ما الخطب ؟ "
شعر "مينغ ليانغيو " بضيقٍ من نظراته المحدقة ، فأشاح بوجهه ، متحملاً أوجاعه المبرحة ، ونطق بكلماتٍ متقطعةٍ عبر أسنانه:
- "لقد تخلصتُ للتو من شخصٍ يشخر ، والآن يأتيني آخر يصرُّ بأسنانه. أأنتما هنا لتعذيبِي ؟ "
ضمَّ العجوز السمين يديه المكتنزتين ، وبدا عليه الضيقُ والامتعاض:
- "لـ.. لم أقصد ذلك. "
توقف "مينغ ليانغيو " على الفور عن صرير أسنانه ، لكن الألم الشديد في جسده كان فوق طاقته ، فأخذ يتنفس بعمقٍ في هواء الليل البارد.
قال العجوز السمين "لا داعي للكبت ، إن أردتَ أن تصرخ فاصرح ، وإن أردتَ أن تعوي فافعل ، فعلى أية حال لن أستطيع النوم لبعض الوقت. "
أجابه "مينغ ليانغيو " شاكراً "شكراً لك يا سيدي. "
في تلك اللحظة ، تحركت أذنا العجوز السمين قليلاً ، كأنه استشعر شيئاً ، فعقد حاجبيه.
*طقطقة!*
جاء صوتٌ خافت من بوابة الفناء.
تأهب "مينغ ليانغيو " على الفور وقال بسرعة "سيدي ، هل سمعتَ ذلك ؟ "
تظاهر العجوز السمين بأنه لا يعلم شيئاً ، وسأل "سمعتُ ماذا ؟ "
أردف "مينغ ليانغيو " "بدا لي أنه صوت انكسار مزلاج الباب للتو! "
رد العجوز السمين ببرود دون أن يهمَّ بالنهوض "ربما. "
وفوراً ، تعالت أصوات خطواتٍ متلاحقة في الفناء ، كأنها لأكثر من عشرة أشخاص. ذُعر "مينغ ليانغيو " فقد كان واضحاً أن هؤلاء القادمين لا يضمرون خيراً!
نظر بغريزته إلى العجوز السمين الذي كان ما زال مستلقياً على الفراش ، وكأنه لم يسمع شيئاً.
انطلق صوتٌ في الفناء يحمل نبرة سخرية "اسمي شي زوتشنج ، وجئتُ لأدعو الآنسة "تشين " لتتمشى معنا. فالسيد "هوو " يقيم مأدبة في "برج بايهوا " وينتظر حضوركم. "
عمَّ الصمتُ أرجاء الغرفة التي تقيم فيها "تشنجمو " ولم يأتِ منها أي رد.
تحامل "مينغ ليانغيو " على نفسه ونهض من الفراش ، محاولاً الخروج.
زمَّ العجوز السمين شفتيه وقال "لا تكلف نفسك عناءً. أنت مصابٌ بهذا الشكل ، أستسعى للموت بقدميك ؟ "
همس "مينغ ليانغيو " "يا سيدي ، هؤلاء القوم جاؤوا بنوايا سيئة. سأبذل قصارى جهدي لأشغلهم ، خُذ الآنسة "تشين " و "تشيوي " واهربا ، واذهبا للبحث عن الأخ "تشين ". "
لقد كان منهكاً من جراحه ، وعقله مشوش ، وفقد ذلك الهدوء المعهود عنه.
في هذه الأثناء ، تحدث "شي زوتشنج " مجدداً "لا بد أنكم تنتظرون عودة "تشين تانغ ". أقولها لكم صراحة "تشين تانغ " قد مات ولن يعود. "
ارتجف "مينغ ليانغيو " من هول الخبر ، وشعر ببرودةٍ تسري في أطرافه. هؤلاء القوم من عائلة "هوو "! والقوة التي تقف خلف "دوان تشاو " هي عائلة "هوو " ذاتها! و لم يتوقع أبداً أن يكون سبباً في مقتل الأخ "تشين تانغ "!
استجمع "مينغ ليانغيو " قوةً لا يدري من أين أتت ، ووثب من الفراش. تعثر وهو يلتقط السكين الطويلة التي وضعها "تشين تانغ " على الرف ، ثم دفع الباب ، ونظر إلى الجمع الذي يملأ الفناء ، وصاح بأعلى صوته "لكل دينٍ صاحب ، ولكل مظلمةٍ طالب. "دوان تشاو " مات بسببٍ مني ، ولا علاقة للآخرين بالأمر! إن كنتم تريدون شيئاً ، فاجعلوا حسابكم معي! "
- "يا لللعنة ، شبح! "
- "ما هذا الجحيم! "
- "من أنت ؟ "
ذُهل مرافقو عائلة "هوو " حين رأوا "مينغ ليانغيو " الموشح بالضمادات. وبعد أن أمعنوا النظر ، أدركوا أنه بشر.
- "القائد "شي " ماذا نفعل بهذا ؟ "
قال "شي زوتشنج " باستهانة دون أن يرى في "مينغ ليانغيو " أي تهديد "اقتلوه ، فقط تخلصوا من الجثة. "
وتابع حديثه "يا آنسة "تشين " هذا حظٌ وافر ، فكثيرون يحلمون بمصاهرة عائلة "هوو " ويتنافسون للوصول إلى مخدع سيدِنا الشاب. و هذه فرصةٌ يجب أن تغتنميها. "
"إذا كانت الآنسة "تشين " تعرف كيف تخدم الناس وتُرضي سيدَنا الشاب ، فربما يجد والدك فرصةً للبقاء حياً. "
تقدم أحد مرافقي عائلة "هوو " حاملاً سكيناً طويلاً نحو "مينغ ليانغيو " ناوياً قتله أولاً. و في تلك اللحظة كان "مينغ ليانغيو " يجد صعوبةً حتى في الوقوف ، ناهيك عن القتال.
وعندما طال غياب الرد من الداخل ، تهجم وجه "شي زوتشنج " وقال "إن كانت الآنسة "تشين " بهذا التعنت ، فلا تلومونا إن استخدمنا القوة! "
لوح "شي زوتشنج " بيده "اقبضوا عليهم! "
وفجأة ، جاء صوتٌ أنثوي غير متوقع من الغرفة التي كانت هادئة:
- "اقتلوهم جميعاً. "
"هاه ؟ "
تسمر مرافقو عائلة "هوو " في أماكنهم للحظة. وبمجرد نطق تلك الكلمات ، ظهرت ظلالٌ فجأة فوق أسوار الفناء كانت تحمل أقواساً ونشّابات ، وقد سددت سهامها نحو أفراد عائلة "هوو " بالأسفل.
*وش ، وش ، وش!*
في اللحظة التالية ، انطلقت نبالٌ سوداء خارقة للهواء ، ووصلت في لمح البصر!
تغير وجه "شي زوتشنج " ذعراً! من أين جاء هؤلاء ؟ لم يستشعر وجودهم أبداً. والأهم من ذلك أنهم يحملون نشّابات!
تعد النشّابات أسلحةً محظورة في بلاد "تشيان ". ولا يحق لأحد استخدامها سوى الجيش وبعض الأجهزة الخاصة ، لأن تشغيلها سهلٌ ومداها قاتل يفوق الأقواس العادية ، بل إن قوة بعضها تتجاوز أقواس الخمس والست درجات.
ليس من المبالغة القول إن مَن يمتلك نشّابة ، كأنما يمتلك سلاحاً فتاكاً ؛ فبإمكان شخصٍ عادي أن يصرع بها مبارزاً من الدرجة التاسعة أو الثامنة!
ظهر أكثر من عشرة أشخاص فوق السور ، وكانت النشّابات التي في أيديهم تعني الهلاك المحقق.
*تخ ، تخ ، تخ!*
اخترقت النبالُ أجساد حراس عائلة "هوو " وتناثرت الدماء في كل مكان. حيث كان بين هؤلاء الحراس مبارزون من الدرجة التاسعة ، لكن سرعة النبال كانت مذهلة ، فلم يستطع أحد منهم رد الفعل ، وسقطوا صرعى قبل أن يتمكنوا من سحب سيوفهم!
كان "شي زوتشنج " من الدرجة الثامنة ، وكان الأسرع في رد الفعل ، إذ تفادى الرشقة الأولى بالكاد ، وهمَّ بالفرار.
*وش ، وش ، وش!*
وصلت الرشقة الثانية في طرفة عين!
"ماذا! "
ذُعر "شي زوتشنج " واتسعت حدقتا عينيه! و لم تكن تلك نشّاباتٍ عادية ، بل نشّابات آلية سريعة الإطلاق! و لم يكن هناك فاصلٌ زمني بين الرشقة الأولى والثانية.
مَن هؤلاء الذين عادينَاهم ؟ لقد أهلكني السيد الشاب!
*تخ ، تخ ، تخ!*
لم يجد "شي زوتشنج " فسحةً للتنفس أو مجالاً للمراوغة ، فقد اخترقت جسده خمس أو ست نبالٍ دفعة واحدة ، وسقط ميتاً وعيناه شاخصتان في الفراغ.
وقف "مينغ ليانغيو " عند الباب ممسكاً بسكينه ، مشدوهاً تماماً. و في غمضة عين ، أُبيد أكثر من عشرة من مرافقي عائلة "هوو "! و لم يستغرق الأمر برمته منذ ظهور هؤلاء المهاجمين وحتى نهايتهم أقل من نفسٍ واحد.
لقد قفز هؤلاء إلى الفناء من فوق السور بخفةٍ ورشاقة غير عادية ، وكان مستوى مهارتهم القتالية يفوق مستواه بكثير.
ظهرت امرأة في الثلاثينيات من عمرها عند المدخل ، بملامح هادئة وغير مبالية بالمشهد ، وأمرت قائلة "نظفوا المكان جيداً ، ولا تتركوا أثراً للدماء قد يؤذي الأعين. "
أجابها الجمعُ بإيماءهٍ صامتة ، ثم باشروا العمل. حمل البعضُ الجثث ، ونظف الآخرون بقع الدماء المتبقية على الثلوج ، بينما جمع بعضهم النبال التي استُخدمت.
كان كل شيءٍ منظماً ويسير وفق تقسيمٍ دقيق للعمل. و بالنسبة لـ "مينغ ليانغيو " كان هؤلاء يقومون بعملٍ روتيني ، فالتخلص من القتلى والتعامل مع الجثث أمرٌ مألوف لديهم ككنس الأرض أو طهي الطعام.
في وقت قصير ، أصبح الفناء نظيفاً تماماً ، ولم يتبقَ أي أثر. انتهت المهمة بدقة متناهية ، ثم تسلق هؤلاء السور بصمت ، واختفوا في ظلام الليل ، وكأنهم لم يكونوا يوماً هنا.
اقتربت المرأة ذات الثلاثين عاماً من غرفة "تشنجمو " وضمّت يديها قائلة "بخصوص النوايا الخبيثة للسيد الثالث "هوو " هل نقتله ؟ "
جاء صوت "تشنجمو " من الداخل ، عذباً ومريحاً للأذن ، لكنه حمل في أذني "مينغ ليانغيو " هذه المرة هيبةً لا تُوصف "انسَ الأمر ، فقط لقّنه درساً لترهيبه قليلاً. "
وبينما كانت المرأة تستعد للانصراف ، سألتها "تشنجمو " فجأة "أهو مَن استبدل الأقواس في ساحة التدريب ؟ "
أجابت المرأة "أجل. "
قالت "تشنجمو " ببرود "أوه ، إذاً اقتله. "
أجابت المرأة "كما تأمرين. "
رحلت المرأة لتنفيذ الأمر دون تردد ، ولم تلتفت بصرها نحو "مينغ ليانغيو " ولو لمرة.
حتى بعد رحيلها وإغلاق باب الفناء ، عاد الهدوء إلى المكان ، لكن "مينغ ليانغيو " ظل غارقاً في حيرته. و في تصوره السابق كان لقريبتي "تشين تانغ " بعض المهارات ، لكن الأمر كان محدوداً بهذا فقط. أما المشهد الذي رآه للتو فقد حطّم كل تصوراته.
من هو "تشين تانغ " حقاً ؟ وهل والده مجرد صيادٍ عادي ؟ هل يمكن أن يكون ابناً غير شرعي لأحد النبلاء أو المسؤولين ، وأن "تشين دا آن " ليس سوى والدٍ بالتبني ؟ لا ، لا.. حتى النبلاء أو المسؤولون لا يمكنهم حشد مثل هذه القوة المرعبة. لا بد أنهم من سلالة ملكية ، نعم "تشين تانغ " على الأرجح هو ابنٌ غير شرعي لأحد ذوي القربى الملكيين!
أيها الأخ "تشين " لقد أخفيت هويتك جيداً.
نقَر "مينغ ليانغيو " بلسانه مذهولاً ، بينما شردت مخيلته في أفكار لا تنتهي. عاد إلى غرفته وهو في حالةٍ من الذهول ، تاركاً سيفه جانباً. وبعد هذه الحادثة ، اشتعلت روح الفضول (الأغرام الثمانية) في أعماقه ، مما خفف قليلاً من أوجاعه. وبحكم هيئة العجوز السمين كان من الواضح أنه كان يتوقع حدوث هذا منذ البداية....
خرج "كاي يين " من قاعة القائد متوجهاً نحو إسطبل التنين الأزرق.
"كاي ، ما الذي حدث ؟ " كان "وي تشون " و "وانغ يانلي " قد أعادا خيولهما للتو وكانا يستعدان للاستراحة حين رأيا "كاي يين " يهرع نحوهما فسألاه فوراً.
امتطى "كاي يين " جواده وقال "تعالوا معي! "تشين تانغ " في خطر! "
عند سماع ذلك شعر "وي تشون " و "وانغ يانلي " ببرودةٍ في أوصالهما ، فامتطيا خيولهما دون تردد ولحقا بـ "كاي يين " خارجاً.
على الطريق ، سأل "وي تشون " وهو يعقد حاجبيه "كاي ، ما القصة ؟ "
قال "كاي يين " بجدية "لقد كنت مهملاً "دوان تشاو " قد مات ، وقد يُقدم "هان لانغ " وعائلة "هوو " على استهداف "تشين تانغ "! "
رفع "وانغ يانلي " حاجبيه قائلاً "أيجروؤون على إيذاء حارسٍ من حراس التنين الأزرق ؟ "
أجاب "كاي يين " "قد لا يكون الأمر مرتبطاً برجالهم حصراً. و علاوة على ذلك من الناحية النظرية لم يصبح "تشين تانغ " حارساً في التنين الأزرق بعد. "
انطلق الثلاثة بجيادهم يركضون بكل ما أوتوا من قوة على الطريق الذي سلكه "تشين تانغ " عائداً إلى منزله. وسرعان ما انعطفوا إلى أحد الشوارع ، فشدّوا لجام خيولهم فجأة ، وبدت على وجوههم علامات الغرابة وهم ينظرون إلى الأمام.
كان الشارع مفروشاً بالجثث المتناثرة ، زهاء عشرين جثة و كلهم قتلى دون استثناء!
وكان هناك شابٌ فارع الطول يرتدي درع التنين الأزرق ، ينحني وسط ضوء النجوم الخافت ، يفتش في ثياب الجثث.
لقد عثر للتو على بضع أونصاتٍ من الفضة ، ودسّها عرضاً في جيبه.
"إحم... "
وقف الثلاثة "كاي يين " عاجزين عن الكلام.
التفت "تشين تانغ " حين سمع وقع الحوافر خلفه ، ورأى الثلاثة ، فلوح بيده ونادى "يا لها من صدفة ؟ "