**الفصل 521: مسابقة موبيوس**
بدت طائفة "موبيوس " خاوية على عروشها بعد رحيل جميع ذوي "رتبة النجوم ". ورغم بقاء حفنة منهم إلا أن أعداد أصحاب "مستوى السماء " في ذروة قوتهم كانت هائلة.
عاد "ليند " إلى مكتبه ؛ إذ تبلورت في ذهنه فكرة مختلفة ، لا تقتصر على تجاوز عقباته الخاصة فحسب ، بل تمتد لتساعد طائفة عريضة من سادة الإنتاج. حيث كان قد تسلم الجزء الأكبر من شحناته التي أرسلتها السيدة "إستيل " وانهمك في دراسة الخرائط.
- "تبدو أكثر نشاطاً اليوم. " قالت "كيسين " وهي تدخل الغرفة فجأة. ابتسم لها وهي تراه ينهض ، بينما تتابعه مجموعة من الشيوخ.
- "أعتقد أن الوقت قد حان لنرد الجميل للجزر العائمة. " تملك الحيرة شيوخ الطائفة ؛ إذ كانت هناك حركة تجارية منتظمة بالفعل بين طائفة "موبيوس " وبيت "ستارفاير " تهدف لتوريد الإكسير ، والمصنوعات الحديدية ، وموارد الزراعة الأساسية.
- "ما الذي تعنيه بذلك يا سيد الطائفة ؟ " تساءل بعض الشيوخ الذين انضموا للطائفة في غياب "ليند " وتساءلوا في قرارة أنفسهم عما إذا كان قادراً على إدارة الطائفة بنفس الازدهار السابق بعد عودته.
- "الأمر بسيط ، سنقيم مسابقة لأفضل سادة الإنتاج في جميع المجالات ؛ من سادة التعاويذ ، وسادة المصفوفات ، وغيرهم. و كما سنقدم محاضرات خلال المسابقة يلقيها علماؤنا ، ونفسح المجال لتلاميذنا لاستعراض مهاراتهم. " تهللت بعض الوجوه ، بينما قطب آخرون جباههم.
- "رغم أن الفكرة ليست سيئة ، ولكن أين سنقيم حدثاً كهذا ؟ " كانت جزيرة "القلب الجامح " برية غير مروضة بنسبة تزيد عن 99%. إقامة مسابقة كهذه لا تتطلب ساحة فحسب ، بل منشآت لإيواء المرافقين وتوفير سبل الراحة لهم بين الجولات. و كما احتاجوا إلى توفير الجوائز ، والموارد اللازمة للفعاليات ، والطعام والشراب للحضور والمشاركين.
كان أمراً جللاً ، لكن "ليند " اكتفى بابتسامة ولوح بيده ، فاستقرت لفافات يشم أمام كل شيخ.
- "ستخصص القاعات مستوياتٍ ثلاثة للتلاميذ ليختاروا من بينها ؛ فالمبتدئون الواعدون ليعرضوا إمكاناتهم طالما وصلوا إلى المستوى الثالث ، ثم أفضل "المستوى الفاني " وأخيراً أفضل "مستوى السماء ". " استمر "ليند " في الشرح بينما كان الشيوخ يتفحصون اللفافات حتى إن عيني "كيسين " اتسعتا ذهولاً مما احتوته من معلومات.
لم يكن مخططاً غامضاً ، بل مهاماً محددة ، وتوزيعاً للموارد ، وجداول زمنية صارمة. انضم إليه بعض الشيوخ القلقين ، بينما ظل قلة منهم متذمرين من حجم العمل المطلوب. حيث كان أحدهم شيخ "قاعة الكنوز ".
كان بشرياً من سكان الجزر العائمة ، ترقى في الطائفة لكونه صاحب عناصر خمسة ، وقد قطع شوطاً كبيراً ليصبح في الرتبة التاسعة من "مستوى السماء " بعد قرون من الكفاح. حيث كان شعره ذهبياً داكناً وعيناه بلون بحرٍ ثاقب ، عُرف بصرامته الشديدة في إدارة "قاعة الكنوز ". لقد جعلها فعالة ، لكن الحصول على مكافآت سخية منها كان أشبه بنزع الضرس. حيث كانت المكافآت تُفحص بدقة ، وغالباً ما كان يجادل لتقليل خسائر الطائفة.
كان اسمه "فاريس ".
كان "فاريس " مقرباً من بعض الشيوخ حتى إنهم لم يجدوا غضاضة في تصرفاته لعدم تسجيل أي مورد باسم القاعة ، لكن "فاريس " أراد معرفة مصدر هذه الموارد التي تخرج عن سيطرته.
- "سيد الطائفة ، هذه كميات هائلة من الموارد. أعلم أن بعضها في خزائننا ، ولكن حسب علمي ، نحن لا نملك حتى نصف هذا. " عبس العديد من الشيوخ الذين يعرفون أسلوب "ليند " لكن "ليند " ابتسم وألقى لفافة باتجاه "فاريس ".
بدت لامبالاته في التصرف وكأنها تستفز "فاريس ".
- "شيخ فاريس ، يجب أن تحتوي لفافتك على نفس الملاحظة ؛ فسيد الطائفة يوفر كل شيء من مخزونه الشخصي. " كان صوت "كيسين " جليدياً ، لكن "فاريس " سخر منها علانية. فقد كان يتفوق عليها في "الزراعة " في تلك اللحظة ، وكان يرى أن كونها شيخة هو مجرد صدفة لكونها شيطانة ذات ستة عناصر.
- "وهذا مربط الفرس. سيد الطائفة يجعلها مسابقته الشخصية دون النظر للمستقبل. ماذا لو أقمنا المزيد من المسابقات ؟ كيف سنمولها ؟ " كان قلقاً مشروعاً لم يُجب عنه ، لكن "كيسين " كانت تعرف "ليند " جيداً ؛ فهو لم يكن أبداً ممن يُؤخذون على حين غرة.
بدلاً من الكلام ، أضاء حجر تواصل على مكتب "ليند ".
- "آه جيد ، لقد وصلوا. " وقبل أن يسأل الشيوخ عن هويتهم ، شعروا بضغط هائل يغمر الغرفة ، ثم سُمع صوتان.
- "وجدتك ، أيها الجرو! " اقتحمت طفلة أثيرية من رتبة "النجم " تملك قوى الضوء والظلام ، الغرفة وعانقت "ليند " بقوة. ابتسم هو وعانقها بينما كانت طفلة أثيرية أخرى من رتبة "النجم " ذات قوى النار والأرض ، تنظر إليهما بإحباط.
- "اقتربتِ من رتبة القمر وما زلتِ تتصرفين كطفلة! " وبخت "هوو " زميلتها "أزيليا " وكلتاهما ترتديان أثواباً فضية وزرقاء خاصة بشيوخ نقابة "بابل ". تجمد قلب "فاريس " حين أدرك نوع الاجتماع الذي يحضره.
لم يكن اجتماعاً للموافقة ، ولا مكاناً لجني المنافع. و لقد أُبلغوا بما سيحدث ، وكان دورهم هو تنظيم التلاميذ ومهامهم! شعر بغضب يتصاعد قبل أن تلتفت السيدتان نحوه. أحس "فاريس " بضغط يكاد يسحقه على كرسيه ، قبل أن تغطيه شعلة زمردية تحرره.
- "إنه الشيخ المسؤول عن قاعة الكنوز ، وبالتالي مسؤول عن نفقاتنا. لو كنتما في الوقت المحدد ، لسار الاجتماع بشكل مختلف. " ذُهل جميع الشيوخ حول الطاولة الطويلة لرؤية سيدتين من رتبة "النجم " تحمران خجلاً وتعتذران لشيخ في الرتبة الثامنة من "مستوى السماء "!
تذكرت "كيسين " إحدى القصص التي سمعتها:
- "هل هما الاثنتان اللتان اعتمدتا طائفة موبيوس ؟ " أدرك الجميع الحقيقة ، فنهض الشيوخ بسرعة للانحناء ، بينما كانت السيدتان تبتسمان. لاحظ "ليند " أن "فاريس " ما زال يرمقه بنظرات حادة ، لكن سؤاله كان منطقياً.
- "هل وجد قائد النقابة اقتراحي مقبولاً ؟ " لاحظ الشيوخ كلمات "ليند " ؛ فارتبك بعضهم وتأهب الآخرون. أصبحت السيدتان من رتبة "النجم " جداياتان وأخرجتا لفافة مختومة بهالة شعر بها الجميع.
بصمة روح! هدية فريدة لا تُمنح إلا بالوصول إلى رتبة "الشمس "!
جرح "ليند " إصبعه ولامس دمه الختم ، ثم فُتحت اللفافة وقرأ محتواها. عبر عبس وجهه ، سرعان ما تبعه ابتسامة.
- "أرى ذلك حسناً يمكنني قبول هذا. " تنفست السيدتان الصعداء ، وتساءل الشيوخ عما يدور ، وفجأة وجد "فاريس " اللفافة في يديه!
[السيد فراي. اقتراحك له قيمة كبيرة. و لقد نقلتُ طلبك وقُوبل باهتمام بالغ. صوت المبعوثون من النقابات المعنية ، وسنعتمد طائفتك في "مستوى السماء " بشرط.]
شعر "فاريس " بأطرافه تتخدر. حيث كانت أسطورة اعتماد "ليند " من قبل نقابة "بابل " تُروى للأطفال كقصص ما قبل النوم! حتى الشياطين تحترم هذه الخطوة الجريئة من بشري! والآن ، جعل قوى "مستوى السماء " تنشئ فرعاً جديداً له بالفعل ؟!
نظر إلى "سيد الطائفة " الذي أومأ له بالمتابعة. حيث كانت اللفافة أطول بكثير ، لكنه رأى ما أثار عبس "ليند ":
[طلبك للاستقلال مرفوض ، لكن يمكن تحويل قوتك إلى طائفة داعمة ، مع الاحتفاظ بخبراتك تحت سيطرتك. وبما أن سادة الإكسير والمصنوعات الحديدية أكثر شيوعاً هنا ، فستحتاج للتفاوض مع النقابات القائمة بشأن أي تداخل.]
[ومع ذلك فإن التصميم الذي قدمته فريد ؛ ولا أعتقد أنه يمكن تقليده بسهولة كما تدعي ، وهذا وحده يؤهل طائفتك لتجاوز المتطلبات المعتادة.]
[نتوقع شحنة بمجرد إعداد خطوط الإمداد. أما الآن ، فقد قُبل اقتراحك بشأن المسابقة كحل لمشاكل الاستقرار في مستواك. ستمول نقابة "بابل " أول 100 مسابقة على مدى الألف عام القادمة.]
كاد "فاريس " ينهار في مكانه! حيث كانت هناك ملاحق أخرى وشروط تجارية ، لكنه أدرك أنها عادلة وموثقة بأختام النقابة. و إذا مولت نقابة "بابل " المسابقة ، فلن تتأثر عمليات طائفة "موبيوس " اليومية على الإطلاق. وبناءً على الصياغة ، ستقام المسابقة كل 100 عام! ورغم أن هذه المدة قصيرة نسبياً إلا أنها يكفى لجمع الموارد وإشراك القوى الأخرى أيضاً!
- "هل لديك اعتراضات أخرى يا شيخ فاريس ؟ " طُرح سؤال "ليند " بتوقع ألا يكون هناك شيء ، وشعر "فاريس " بغضبه يتبخر ؛ إذ خُيّل إليه فجأة أنه ليس أمام رجل ، بل أمام وحش هائل يحدق به.
- "لا شيء آخر ، سيد الطائفة. " كان "فاريس " شاحباً ، وكبحت "كيسين " رغبتها في الضحك بينما كان بقية الشيوخ يراجعون العقد.
راقب "ليند " الوضع ، لكن عينيه صارتا باردتين وهو ينظر إلى "فاريس ". وبينما كان يعلم أن "إيثري " كانت قائدة جيدة لدمج الوحوش والمزارعين إلا أنها لم تكن تكترث للإدارة. حيث كانت "ليسانا " تحب الكفاءة فغضت الطرف عن سلبيات "فاريس " لكن "ليند " كان ينظر للصورة الأكبر.
إن الكفاءة الباردة قد تكون أخطر بكثير من الأخطاء حسنة النية ؛ فالأولى قد تخفي ظلاماً يتفشى ، بينما الثانية رغم خطورتها ، تظل ظاهرة للعيان. عقد "ليند " العزم على مراقبة "فاريس " والآخرين. فقبل أن يغادر الجزر العائمة يوماً ما ، عليه أن يضمن نوع الإرث الذي سيتركه خلفه.