الفصل 433: صعود المنسيين
ارتفعت الصرخات من البحيرة السوداء كالدخان المتصاعد من دم قديم يغلي. بدأت خافتة، كأنين أشباح منسية، ثم ازدادت كثافة وثقلاً وعمقاً حتى تردد صدى القبو بأكمله بعويل عذاب ألف روح ملعونة.
لم يتردد العالم السفلي. كان وجهه صارماً. تقدم خطوة إلى الأمام، وأرديته تجرّ كظلال على الحجر.
أصبح الهواء الآن مريراً ومعدنياً، كما لو أن الجدران تعرف وتتذكر ما تم ختمه هنا.
بدأ سطح البحيرة يضطرب بشدة، وأمواج سوداء كالحبر تتقلب بعنف كما لو كانت تحاول الهروب من قبضة إرادة العالم السفلي.
كانت يده الممدودة تتوهج بلهيب شاحب ملعون، ليس مقدساً ولا جهنمياً، بل شيء أقدم. قوة مدفونة حتى عن الآلهة.
انكسرت وصلة الحبر المائية.
شيء ما تحتها تحرك، ليس كأرواح تائهة في حزن، بل كوحوش تستيقظ من قرون من القيود.
ظهروا واحداً تلو الآخر.
لم يعودوا بشراً أو فانين. لقد كانوا بقايا مهجورة من عوالم عديدة. أرواحٌ أصبحت أصداءً مشوهة لكائنات قديمة كانت تُبجّل، لكنها الآن مُحيت من التاريخ وسُجنت بأمر من العالم السفلي نفسه.
كان هناك:
أمراء الحرب من الجان، لا تزال أشكالهم الشبحية ترتدي دروعاً ملطخة بالدماء مصنوعة من الخشب الفاتح والفضة، وعيونهم تتوهج بجنون الخيانة.
ملوك الأقزام المتوحشون والغاضبون الذين دفنوا جبالاً بأكملها في انتقام منصهر وختموا عشائرهم في الحجر للتحدي.
جنرالات الأورك الذين كانت صرخاتهم الحربية تغرق الأنهار لم يعد لهم الآن سوى العظام والأرواح والنار السوداء، يشقون طريقهم إلى السطح.
العمالقة، المتوحشون والمتشبعون بالخطيئة الذين التهم جوعهم إمبراطورياتهم وعوالمهم بأكملها.
جيلان الماكر والمخادع الذي كان يتاجر بأرواح أمثاله كالعملة مقابل السلطة حتى أن العالم السفلي نفسه لفظهم.
وهناك المزيد منهم. مخلوقات ضاعت في غياهب الزمن، أرواح أجناس منسية ارتكبت فظائع متنوعة لم تعد الآن سوى ندوب محفورة في نسيج العالم حتى قبل أن تبدأ مرحلة الاختيار في عالمهم.
راقب العالم السفلي وهم يتحررون واحداً تلو الآخر، ويرتفعون كالتماثيل من البحيرة، وأشكالهم تقطر حبراً وظلالاً.
زحف بعضهم. ومشى آخرون منتصبين بغطرسة السلطة القديمة.
جميعهم كانوا يحملون آثار السجن مثل الأطراف المقيدة بالسلاسل، والصدور الموشومة، والعيون الغائرة.
لقد حبسهم هنا وأقسم أنهم لن ينهضوا مرة أخرى.
ترددت كلمات قسمه خافتة، ليس من القبو، بل من ذاكرة العالم السفلي نفسه. عهد محفور في القانون الإلهيّ، ومختوم بدمه.
لكن ذلك كان قبل كلايد.
قبل ظهور هذا الشذوذ – هذا الشيء الذي لم يكن ينتمي إلى أي عالم.
لقد تم تجاوز الخط الآن، وبات بقاؤهم على قيد الحياة يتطلب المزيد من القوة.
أنزل العالم السفلي يده ببطء، فسكنت البحيرة. فظهر آخر الملعونين، والآن أمامه جحافل من الكوابيس، تقف في تشكيل مرعب.
لم يتكلموا. ولكنهم تذكروا كراهيتهم وقوتهم.
وفي الصمت، تكلم العالم السفلي أخيراً. كان صوته يتردد بأمر مطلق.
"أنتم مخلوقات لا تستحقون شيئاً. أنتم غير مرغوب فيكم بحكم القانون. ولكنكم ملكي."
مدّ ذراعيه الآن، وانطلقت ألسنة اللهب السوداء عبر الصفوف. ارتجفت الأرواح وهي تُقيّد بهدفٍ ما.
"سنخوض حرباً. ستتغذون جميعاً على الفساد الذي ابتليت به الممالك، وستلتهمون جميعاً أعداءنا."
اشتعلت عيناه وصرخ المنسيون مرة أخرى ليس من الألم، بل من الولادة الجديدة.
استدار العالم السفلي دون أن ينبس ببنت شفة.
خفت اللهب الأسود المحيط بذراعيه، متراجعاً إلى داخل جلده كالدخان الذي ابتلعته العاصفة.
خلفه، وقف المنسيون ساكنين، صامتين كالقبور، ينتظرون أمر من أيقظهم.
بمجرد تفكير، استدعى العالم السفلي جزءاً من الفيلق ليتبعه. تحرك مئة منهم.
أما الآخرون فبقوا حيث كانوا في الوقت الحالي، يذوبون عائدين إلى ظلال القبو، لكنهم لا يعودون إلى البحيرة السوداء.
سيأتي دورهم لاحقاً. ولكن في الوقت الراهن لم يتبعهم سوى المئة المختارين.
كانوا يتحركون بلا صوت أو نفس، ولم تلامس أقدامهم الأرض قط. بعضهم ما زال مشتعلاً بنار إرادة العالم السفلي السوداء، والبعض الآخر كان ملفوفاً بهالاته الملتوية الخاصة – دخان، سم، صقيع، أو ظل – أصداء لقوى منسية كانوا يمتلكونها في حياتهم.
صعد العالم السفلي عبر القاعات المتعرجة لمملكته، وانزلق الملعونون خلفه مثل موجة من الموت تذكرت كيف تمشي.
وأخيراً، عاد إلى سطح مملكته.
في اللحظة التي دخل فيها العالم السفلي قصره على سطح الأرض، انخفضت درجة الحرارة. وأصبح الهواء خانقاً.
ثم جاؤوا.
انتشر المنسيون في الممر خلفه، صفوف تلو صفوف من المسوخ، وأنصاف الأرواح، وأمراء الحرب الملعونين، والأرواح غير الطاهرة تسير في صمت غير طبيعي.
كان حراس العالم السفلي – محاربو العالم السفلي المختارون من مرحلة الاختيار – مستعدين برماح من البرونز الأسود ودروع. ولكن لم يرفع أي منهم سلاحه.
لم يكن بوسعهم إلا التحديق. واتسعت العيون خلف الخوذات. تراجع بعضهم غريزياً. أسقط أحدهم رمحه بصوت مدوٍّ، تردد صداه كجرس جنازة.
لقد رأى هؤلاء الجنود أهوالاً لا تُحصى تجوب هذه القاعات، لكنهم لم يروا مثل هذا قط. لم يسمعوا إلا عن المنسيين.
إلههم، العالم السفلي، يسير بهدوء في مقدمتهم كراعٍ للملعونين.
لم تخمد النيران السوداء التي كانت تلتصق به، بل كانت تنبض بإيقاع غير طبيعي. كان تعبيره صارماً، ونظراته مثبتة أمامه مباشرة.
لم يخاطب الجنود بشأن ماذا يجري. فلم يكن بحاجة إلى ذلك.
أدرك الجنود أن الحرب قد تغيرت. و لقد ارتفعت المخاطر. والآن حتى العالم السفلي قد نكث بعهده.
اهتز العالم السفلي. ولكن الآن العالم السفلي مستعد.
لم يستطع نسيان الإهانة التي شعر بها حين واجه كلايد. وفي ذلك الوقت كان هو وجبرائيل متعادلين مع كلايد، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه قد يخسر في أي لحظة. لذا لن يسمح بتكرار ذلك.