الفصل 844: مقدمة: ليلة حمراء كالدماء_4
وقف هناك شارد الذهن لفترة طويلة، وكأن قوة غامضة تدفعه وتغويه. وبدافع لا يُفسر، خطا الصبي خطوة إلى الأمام وانعطف نحو الممر العميق.
تسارعت خطوات الصبي أكثر فأكثر؛ فقد عرف هذا المكان جيداً، إنها أرض والده المحرمة، حيث لا يُسمح لأحد بالاقتراب، ولا حتى لأبنائه. كانت تُحرس بشدة في العادة، ولكن بعد سبعة أيام من الاحتفالات، نُحي جميع الجنود عن ركيزة السلطة الملكية، تاركين هذا المكان مكشوفاً دون أي حواجز تعيقه.
كان فضولٌ لا يُسبر غوره هو ما يدفع الصبي.. لا، بل كان أشبه بقوةٍ شريرةٍ ممسوسة، تُشوش عقله وتُغريه بالانزلاق في مسارٍ يجانب القدر.
ازدادت الأجواء ظلمة، وسرعان ما أبصر الصبي مصعداً معلقاً في غياهب الظلام، محاطاً بقضبان فولاذية متداخلة تشبه قفصاً مليئاً بالمسامير.
كان باب القفص مفتوحاً على مصراعيه، وكأنه يرحب بالفتى للدخول.
وبينما كان الصبي على وشك ولوج القفص، اتضحت ملامح وجهه الشاردة للحظة، وشعر بالجنون والشر ينبعثان من الظلام؛ فلم يكن يعلم إلى أين سيقوده هذا المصعد، لكنه استشعر رعب ذلك المكان.
عزم على الفرار، لكن قوة ما دفعته من الخلف، وكأن شخصاً ما دفعه بصمت، مما ألقى به داخل القفص المظلم.
سقط الصبي داخل القفص، ثم استدار عائداً بلهفة، لكنه لم يرَ أحداً في الطريق الذي أتى منه. أراد الهرب، بيد أن القفص انغلق عليه فوراً، وهبط به مباشرة إلى أعماق الظلام.
دوى صوتُ ارتطامٍ هائل..
وكأن الجبل بأكمله قد نُحت من الداخل، ازداد الهواء حرارةً كلما هبط المصعد، وانبعثت رائحة دم نفاذة تزكم الأنوف. جثا الصبي على ركبتيه، وأخذ يتقيأ حتى توقف المصعد عن النزول بعد عدة دقائق.
خرج الصبي من القفص، ليجد نفسه واقفاً في كهف هائل، حيث كانت الصخور الصلبة السوداء مغطاة بطبقة قرمزية تشبه البساط الفطري. أما الأرض فكانت رخوة أيضاً، مكسوة بالكامل بطبقة قرمزية تتدلى منها أجزاء تشبه الأمعاء، وتبدو كقضبان حمراء زاهية.
في وسط الكهف، كانت هناك بحيرة دماء لا نهاية لها، وشخصية مألوفة راكعة على شاطئها، تتمتم لنفسها.
كان الصبي يسمع صوته بوضوح:
"سقط هاربر صريعاً، وقُطع رأس ناكو، وقمتُ بتثبيت ليناتا على الحائط..."
تمتم الرجل وهو يعد على أصابعه، وبدا عقله وكأنه يغرق في لجة الجنون. ومهما حاول الحساب، كان دائماً ينقصه واحد.
"من هو المفقود تحديداً؟"
وبينما كان الرجل غارقاً في حيرته، شعر الصبي بألم حاد في ساقه؛ فمن هناك، من الأرض الرخوة، نبتت خيوط قرمزية اللون والتفت حول ساقه تمتص دمه كالعلقات.
استل الصبي سيفه ولوح به بحزم ليقطع تلك الخيوط، وبهذه الضربة، لفت انتباه الرجل. نهض الرجل، واستدار، وسدد نظره نحو الصبي.
كان هذا المشهد محفوراً في أعماق روح الصبي، حقيقة مروعة صدمت عقله، وكأن ذاكرته تتغير لتنقذ وعيه من الانهيار.
في تلك اللحظة، أدرك حقيقة الوحش الذي دمر ركيزة السلطة الملكية، متسبباً في مذبحة لا تُحصى.
لم يكن وحشاً، بل كان...
"أبي!"
نظر الصبي بذهول إلى الرجل الذي أمامه؛ فقد كان صدره عارياً، وطبقات من الدم متجمدة على جلده مثل درع زرد قرمزي، وشعره أشعث يعلوه تاج ملطخ بالدماء يكاد يكون منغرزاً في رأسه، والدم ينزف باستمرار من أطرافه.
"أوه.. أنت من كنت أفتقده."
قال الرجل وهو يسحب سيفه الحاد من خصره، وينادي اسم ابنه بحنان:
"شيلين كاغادير."
انهار شيلين وجلس على الأرض حتى أفلت سيفه الخفي من يده. لم يستطع استيعاب سبب حدوث هذا، ولا لماذا يفعل والده ذلك؛ فقد كاد أن يقضي على جميع أفراد العائلة المالكة، والآن هو هنا ليقتله ويقطع آخر سلالة دموية.
سار الرجل، بخطوات حزينة وموحشة، نحو شيلين، بينما كان نصل سيفه يجر على الأرض، ويشق طريقه عبر بقع من الخيوط القرمزية.
"لا! هل جُننت؟ ستدفن مستقبل الإمبراطورية بهذا الفعل!" صرخ شيلين بيأس.
توقف الرجل فجأة، وهو يزمجر بصوت منخفض، ثم عاد يتحدث إلى نفسه صارخاً: "اخرس! أيها الطفيلي اللعين!"
لم يستطع شيلين رؤية وجه الرجل بوضوح؛ فقد بدا الدم الملوث وكأنه قناع يغطيه.
"هذا ليس مستقبل الإمبراطورية، ولا مستقبل عائلة كاغادير!" وبخه الرجل بغضب: "كل ما يهمك هو مستقبلك أنت فحسب!"
بدا الرجل وكأنه استعاد السيطرة على هياجه، وعاد إلى هدوئه. اقترب من شيلين الذي لم يعد يتعرف حتى على والده؛ فقد بدا أشبه بإله شيطاني، وكأن والده الحقيقي قد فارق الحياة منذ زمن.
استجمع شيلين شجاعته ليرفع رأسه وسط ذلك البحر القرمزي، لكنه رأى زوجاً من العيون الوديعة. ظن شيلين أنه يتوهم؛ فمنذ لحظة ولادته، لم ينظر إليه والده بمثل هذه النظرة قط.
"أنت تشبهها حقاً يا شيلين."
قال الرجل وهو يمد يده ويداعب خد شيلين برفق: "تماماً مثلها."
"لقد سلب مني ذلك الوغد حياتي، وعائلتي.. لقد أخذ كل شيء مني، ومع ذلك يريد أن يأخذ المزيد."
نطق الرجل بكلمات لم يفهمها شيلين؛ كلمات مثقلة بالحزن الدفين. ثم رفع الشفرة التي أزهقت أرواحاً لا حصر لها.
"لم يتبقَّ سوى القليل من الوقت."