الفصل 840: الخاتمة 3
تناقش "بالمر" و"بولوج" في هذه المسائل ذات مرة، وانتهيا إلى قناعةٍ مشتركةٍ بأنه لا طائل من الخوض في مثل هذه الأمور مجدداً.
أهدى "إيوين" قصصه للجميع، غير أنه استأثر لنفسه بالجزء الأجمل منها؛ تلك الساعات الست عشرة التي قلبت موازين حياته.
كان ذلك سراً يخص "إيوين" وحده، كـ "تنينٍ" جشعٍ في أسطورةٍ قديمةٍ يحرس كنزه في أعماق مستنقعٍ آسن.
لم تكن ظنون الآخرين وتكهناتهم الجامحة تثير في "بولوج" سوى نوعٍ من الاشمئزاز من فضولهم المتلصص؛ فقد رفض أن يُدنّس قدسية ذكرى "إيوين"، حتى وإن كانت تلك القداسة مرتبطةً بـ "شيطان"، وحتى لو لم يبقَ من يتذكر تلك الساعات الست عشرة سوى ذلك الشيطان.
لا شيء يهم.
يكفينا أن نعلم أنها كانت برهةً من الزمن تتجلى فيها الروعة.
انبعث صوت غناءٍ خافتٍ من غرفة المعيشة، كانت الأغنية تتردد أصداؤها...
"يا بني، عليك أن تتجلد وتصبر على هذا كله".
طرق "بالمر" الباب، ثم دفعه على مصراعيه، فاستبانت كلمات الأغنية ووضحت نبراتها.
استحضر "بولوج" هذه الأغنية في ذهنه؛ فقد كان "إيوين" يهمهم بها في خفوتٍ بينما كان يراقص "أسموديوس". لقد علقت تلك الأغنية بذاكرة "بالمر" بشكلٍ مذهل، حتى إنه نبش عنها بين أكوام التسجيلات حتى وجدها، مما جعل "بولوج" يقف مذهولاً أمام صبر "بالمر" ونفاذ بصيرته وأذنه الموسيقية المرهفة.
استمرت الأغنية في الصدح:
"يجب أن تصمد أمام كل هذا، مهما طال الأمد".
لمح "بالمر" المذكرات التي كان يدونها "بولوج"، ثم وقع بصره على كتاب "إيوين" الجديد. ارتمى بثقله على سرير "بولوج" وهو يتساءل بلهجةٍ مازحة: "أراك تمارس تدريبات استيعاب المقروء مع كتابه؟"
أجاب "بولوج": "كنت أتصفحها فحسب، ولكن ماذا عنك؟ هل أوجدتَ حلاً لذلك السؤال؟"
منذ أن وضعت كارثة "انهيار الواقع" أوزارها، ظل "بالمر" أسير تساؤلٍ وحيد: ما الذي كان يبتغيه "إيوين" حقاً؟ لقد تلاعب بهم ذلك الكاتب المراوغ مراراً وتكراراً، وحتى في الرمق الأخير، ظل الشك يساور "بالمر" تجاه نوايا "إيوين"، شاعراً أن وراء الأكمة ما وراءها.
غير أن "إيوين" قد توارى عن الأنظار، وانغمس في ثنايا القصة، ولم يعد ثمة من يجيب "بالمر" على حيرته. وبعد أن أبصر كتابه الجديد النور، انكب "بالمر" يقلب صفحاته المرة تلو الأخرى، يحدوه الأمل في العثور على خيطٍ يقوده في متاهة القصة إلى جوهر أمنية "إيوين" الحقيقية.
"كلا، ما زلتُ عاجزاً عن سبر أغوار هذا اللغز".
استلقى "بالمر" ممدداً، فعبث بالملاءات التي كان "بولوج" قد رتبها بعنايةٍ فائقة.
أخذ "بالمر" يتمتم: "أن يستعيد إلهامه، وأن يدرك ماهية قيمته الذاتية، وأن... يتحدى الشيطان. لا أستطيع استيعاب ما كان يدور في خلده، فالأمرُ شائكٌ ومعقدٌ للغاية".
رفع "بالمر" رأسه موجهاً نظره نحو "بولوج" وقال: "لقد استسلمتُ تماماً، فلتفصح لي عن الإجابة، فلا ريب أنك قد فككت شفرتها".
أطبق "بولوج" مذكراته وأدار كرسيه نحوه قائلاً: "لقد كان إيوين شخصاً نبيلاً لم يكذب أبداً... أتذكر بماذا أجاب حين سألناه للمرة الأولى عن أمنيته؟"
"الخلود... من أجل الخلود فحسب".
استقام "بالمر" في جلسته وقال: "لقد ذكرتَ أنه أراد الخلود، ولكنه في الحقيقة..."
هز "بولوج" رأسه، وشرع يشرح لـ "بالمر" كنه تلك الرغبة التي حققها "إيوين" بالفعل:
"لقد جُبلت جميع الخلائق على فطرة ترك أثرٍ عميقٍ أو سطحي في هذا العالم".
لقد خلّد "إيوين" نفسه بين دفتي القصة؛ وسيظل حياً نابضاً فيها إلى الأبد، مفعماً بروح الحياة، ومتجاوزاً قيود قدره المحتوم، حتى وإن كان "إيوين" في ذلك الحين قد وهن العظم منه أو غيبه الموت.
تناول "بولوج" الكتاب الجديد ووجهه شطر "بالمر"، وقال بابتهاج:
"انظر يا بالمر، لقد غدا الراوي الآن جزءاً لا يتجزأ من الحكاية، وسينال خلوده المنشود في عالم قصته الخاصة".
كانت تلك القصة تتلألأ ببراعةٍ فذة، وتستعصي على النسيان.
احتضن "بولوج" الكتاب بين ذراعيه، ومسح غلافه برفقٍ وحنو، بينما كانت أنامله تداعب العنوان المذهب، وقد استبد به الإعجاب بذلك العنوان الشعري الأخاذ.
راح يلقي الكلمات بصوتٍ خفيض:
"قصيدةٌ لا تنتهي".