هوى نصلُ "العضة المؤلمة" فجأةً، ليشقَّ جمجمة "شيطان التهام الخوف"، ثم نفذ إلى رقبته وتجويف صدره، وصولاً إلى فقراته القطنية، حتى كاد "بولوج" يغرز السيف بالكامل في جسد الشيطان قبل أن يتوقف. وبضربةٍ أفقيةٍ خاطفة، أطاح بجزء كبير من الجسد الذي سقط بسلاسة، وكأن جراحاً ماهراً قد بتره، كاشفاً عن مقطعٍ عرضي دقيق للجذع.
شرع "بولوج" بعد ذلك في حصد حشود الشياطين بمنجله العملاق؛ قبض على مقبضه بيد واحدة، ولوّح به بكلّ قوّته وهو يدور حول نفسه، فكانت حافّته القاتلة تطيح بكل شيطانٍ يقترب، شاطرةً إياهم الواحد تلو الآخر. ثم أفلت المجل، فهوى السلاح الضخم على مجموعة كبيرة من الشياطين، مخلفاً وراءه أشلاءً ممزقة ومضرجة بالدماء.
كان يلهثُ بجَهْدٍ جهيد، ودرجة حرارة جسده قد ارتفعت إلى حدٍّ مثير للقلق، حيث اختلط عرقه بدمائه وتبخر، مشكلاً سحابة كثيفة من البخار الساخن حوله.
على الجانب الآخر، كان الصيادون قد دكّوا أكثر من نصف ساحة المعركة؛ فلقد خبروا أهوالاً أشدّ وطأة من هذه، وفي تلك اللحظة لم يكن للتردد مكان، إذ سار كل شيء وفق نظامٍ صارم: القضاء على الأعداء، السيطرة على الأرض، ثم انتظار جولة أخرى من القصف. هاجموا كجنودٍ بواسل، وتحركوا بانتظام جيشٍ لجب.
واصل "إيوين" خُطى رقصته الخرقاء، لكن وتيرته تباطأت بشكل ملحوظ مقارنةً بنشاطه السابق. طبعت آثار أقدامه الملطخة بالغبار على طاولة العمل واحدة تلو الأخرى، يتبعها تقاطرُ الدماء.
تفرّس "أسموديوس" في وجه "إيوين" الشاحب المنهك والمخضب بالدماء، ثم أداره حول نفسه، ومع كل دورة كانت الجدران العالية تنهار والأبراج تتهاوى. بدا المشهد كرقصةٍ جنائزيةٍ في نهاية العالم، حيث دُمّرت "قلعة ديزي" بالكامل تقريباً، وطمر حطام الآجرّ الثقيل كل الشياطين الغازية؛ وربما حين يتوقف "إيوين" عن الحركة، سيسدل الستار على كل شيء.
تحدث "أسموديوس" فجأة قائلاً: "أنت حقاً شخص أناني، أليس كذلك؟ تزعم أنك لا تبالي بشيء، لكنك تفعل كل هذا لإرضاء غريزتك، ولتحقيق نشوة الذات وخلود الإلهام".
ابتسم "إيوين" ابتسامةً فاترة ولم ينبس ببنت شفة، بل اكتفى بتذوق نشوة ما بعد الإنجاز.
تباطأت ضربات "بولوج" المسعورة تدريجياً، وفي تلك اللحظة، هبط "بالمر" و"أيمو" من أطلال المكتبة العظيمة، وشقّا طريقاً إلى الخطوط الأمامية لصد هجوم الشياطين بكل ضراوة.
كان لزاماً عليهم الصمود حتى يتقدم الصيادون بخط المعركة، لكن الشياطين لم تكن تنوي الاستسلام بسهولة، أو بالأحرى، لم يكن "أسموديوس" ليرضى بالهزيمة.
تجمعت القوى الهائجة في ساحة المعركة، وتجسد الظلام في هيئةٍ مادية، متصاعداً من بين أكوام الجثث التي تراكمت كالجبال. توقف الصيادون بحذر، بينما كانت الشياطين تئن وتفرّ يمنة ويسرة، لكن قبل أن يبتعدوا، اجتاحتهم قوة جذبٍ هائلة.
في قلب ساحة المعركة، ظهر ما يشبه الثقباً أسود من العدم، منبثقاً من لجّة الزهور المتقدة، جاذباً كل ما حوله. تدافعت الشياطين البشعة طبقةً فوق طبقة، وتحت وطأة تلك القوة المرعبة، التوت أجسادهم وانحنت بشكلٍ مسخ، وتداخلت وجوههم، لتتحول في نهاية المطاف إلى "بيضة سوداء" شاهقة الارتفاع.
انحسر طوفان الشياطين المرعب فوراً؛ إذ ابتلعت تلك البيضة معظمهم، ولم يتبقَّ سوى قلةٍ شاردة في الميدان لم تعد تشكل خطراً يُذكر.
بعد أن قضى "بولوج" على آخر شيطانٍ يعترض طريقه، وقع نظره على تلك البيضة الشاهقة. كان سطحها يشبه جداريةً منحوتةً بصورٍ شتى من المسوخ والغرائب، وقد تغطت الأرض حولها باللحم الحي، فبدت وكأنها "مسلة" من اللحم نبتت من أعماق الأرض.
لم يطمئن "بولوج" لهذا المشهد؛ فقد أحاطت بالبيضة السوداء هالة من الزهور المحترقة، وبدا الضوء البرتقالي المحمر المنعكس عليها وكأنها في قلب أتونٍ مستعر، في إشارةٍ واضحة لطقوس تضحيةٍ شيطانية.
كان الصيادون أول من بادر بالهجوم على البيضة؛ فانطلقت الرصاصات لترتطم بقشرتها محدثةً شراراتٍ متطايرة، إذ كان سطحها صلداً كالمعدن. وحتى قذائف مدافع القطارات وطلقات "الثيرمايت" الحارقة تحطمت على غلافها دون أن تزحزحها.
انقبض قلب "بولوج"؛ فقد ظن أن المعركة تضع أوزارها، لكن يبدو أن الفصل الأصعب لم يبدأ بعد.
دوى وجيبُ قلبٍ خافت من داخل البيضة السوداء، ثم استحال سطحها المعتم شفافاً، وتوهج جوفها بذات الضوء البرتقالي المحمر، وكأن نيراناً مستعرة تحترق في أحشائها لتصهر كل ما يحيط بها.
تسللت نقوشٌ قرمزية على طول الزخارف الملتوية للشياطين على السطح، وازداد التوهج حدةً حتى ذابت القشرة الصلبة بفعل الحرارة العالية، لتنفجر أخيراً محدثةً دوياً زلزل الأركان.
تحت تلك القشرة، ظهرت مجموعة من الأشكال المتداخلة التي ترتفع لعدة أمتار، تشبه "زهرة لوتس" عملاقة. ومع تفتح بتلاتها التي طاولت عنان السماء كالأبراج، استمر حجمها في التضخم حتى كادت بتلاتها البيضاء الناصعة أن تظلل ساحة المعركة برمتها.
كان كياناً ضخماً للغاية، ومع ذلك اتسم بخفةٍ مهيبة، كقطعٍ من السحب البيضاء المتراكمة التي تتمايل مع النسمات.
انبعث أريج بخورٍ عذب طغى على رائحة الموت والعفن المنتشرة في الأرجاء. استنشق "بولوج" الهواء برفق، فغمره إحساسٌ مريح أنعش ذهنه المكدود.
لكن قبل أن يستوعب الأمر، انطلق سديمٌ أسود من جذور "اللوتس" العملاقة، غمر الجثث بصمتٍ كالموج المتلاطم. فبرد ميدان المعركة المستعر بسرعة خاطفة، وتجمدت التربة المجبولة بالدماء واللحم على الفور، وغطت طبقاتٌ من الصقيع الصلد تلك الأشلاء الرخوة.
تملك الذهولُ "بولوج"؛ فمهما جمح به الخيال، لم يتوقع أن يتمخضت تلك البيضة عن شيءٍ كهذا. وما إن استرخى قليلاً حتى تفتحت زهرة اللوتس بالكامل، وبسطت بتلاتها ببهجةٍ غامضة حجبت سماء الليل، وفي تلك اللحظة، انطلق في الجو صريرٌ حاد، كإبرٍ فولاذية تخترق طبلة الأذن وتكوي الأعصاب.