Switch Mode

ديون لا نهاية لها 813

حياة مملة وكئيبة


الفصل 813: الفصل 267: حياة مملة وكئيبة

وكأنها ساحة المعركة الأبدية بين الآلهة والشياطين في الأساطير؛ لم يتوقف قصف المدافع، حيث كانت القذائف تصطدم بالأرض وتنثر شظايا لا حصر لها، تشق طريقها عبر كل شيء. امتلأت الخنادق بأكوام من الجثث النتنة، وفقد الجنود هيئتهم البشرية تدريجياً، وكأن قوة شريرة قد مسختهم، فباتوا يزأرون ويلوحون بالحراب كالموتى السائرين بلا أرواح.

هبت رياح عاتية، محملة بسحب من الرمال الصفراء. ومن خلف ستائر الرمل، دوى أزيز خافت خانق فوق ساحة المعركة. وحلّقت أسراب من الذباب الأسود كأنها النسور التي تحوم حول الفريسة، زاحفةً نحو الجثث، تاركةً وراءها أعداداً لا حصر لها من اليرقات المتلوية.

من منظور علوي، بدت الأرض المحروقة وكأن الجنود فوقها نمل لا يُحصى، يلوحون بأطرافهم المشوهة، ويشنون هجوماً على ذلك العدو الوحيد، ليتم سحقهم في طريقهم بواسطة النصل الأسود؛ تماماً كما يُفرم اللحم في آلة الطحن ويتحول إلى نسيج مفروم ناعم.

لم يبالِ الجنود بجثث رفاقهم المنهكة أو حتى بوهن أجسادهم. بل على العكس، واصلوا الاندفاع متجاوزين الجثث المتساقطة، تصحبهم صيحات عبثية وتضحيات لا طائل منها. وأخيراً، تمكن جندي واحد من الاقتراب من العدو الحقيقي.

لمعت الحربة ببريقٍ خاطفٍ حين بذل الجندي كل قوته لطعن العدو، ومع ذلك، فإن ذاك الهجوم الذي حصد أرواحاً لا تُحصى، لم يُحدث سوى خدشٍ طفيفٍ في جلد الرجل. ثم، بلمحة بصر، شُطر الجندي إلى نصفين بنصلٍ أسود.

استمرت دورة التضحية والموت في تكرار نفسها بلا نهاية.

وفي لحظة الموت الحقيقي، حدّق الجندي بغضب في خصمه. لقد كان الجنود قد فقدوا عقولهم، بل إن بقاءهم في عداد البشر صار أمراً مشكوكاً فيه. وتحت وطأة تلك القوة الشريرة، ازدادوا تشوّهاً، حتى صاروا كوحوش الأساطير.

تحت قشرة أجسادهم الفارغة، لعب الجنود دور الجلادين في هذا العذاب الطويل. ولكن، لو كانت لديهم عقول تعي ما يحدث، لغرقوا في يأس أعمق من يأس الضحايا أنفسهم.

نعم، في لحظة ما، انقلبت الآية؛ أصبح الجنود هم المحكوم عليهم بالإعدام، محاصرين مع ذلك الوحش المجنون في فضاء شبه أزلي.

لم يتمكنوا من قتل الوحش، وقام الوحش بدوره بتعذيبهم في دوامة زمنية لا تنتهي.

"هذا اختبار."

تردد صدى صوتٍ خاشعٍ أشبه بالابتهال بين صفوف الجنود. أثارت الشفرة السوداء عاصفةً هوجاء، وشقّ حدها الحاد أجساداً لا تُحصى، ناثراً بقعاً واسعةً من الدماء في الهواء، تحولت إلى مطرٍ قانٍ يهطل بلا هوادة.

تغلغل الدم في الأرض، حتى تحولت التربة -التي صُبغت بالدماء مرات لا تُعد- إلى لون قرمزي داكن منذ أمد بعيد. وبالنظر إلى الأفق، كانت ساحة المعركة بأكملها قد استحالت إلى أرض قرمزية.

وسط كومة الجثث المتهالكة، برزت هيئة مترنحة. كانت ملابسه ممزقة، بالكاد تواري جسده. أما جلده المكشوف فكان مغطى بالندوب؛ بعضها قد التأم، وبعضها ما زال ينزف، بينما تجمد الكثير من الدم المتراكم ليصبح قشوراً جافة.

اتكأ على سيفه، ونظر إلى الجنود الراكضين نحوه مجدداً. كان من الصعب الجزم بما إذا كان يصح وصفهم بالجنود بعد الآن. فبين طيات بزاتهم المألوفة اختبأت أجساد مشوهة، لكنه لم يُلقِ بالاً للأمر، بل واجههم بنظرة جامدة، وكأنه يؤدي عملاً روتينياً مكرراً، يقضي على كل من يجرؤ على الاقتراب.

بين الفينة والأخرى، كان بعض الجنود يطلقون النار عليه، لكن هؤلاء كانوا قلة قليلة، تماماً كأولئك الذين يشغلون المدافع أو يقودون الدبابات. فاستخدام هذه الأدوات لم يكن بالمهمة اليسيرة لمن تحولوا إلى مسوخ.

في بعض الأحيان كان يشعر بومضة من الحظ؛ لأن ذلك خفف عنه وطأة الضغط الذي يواجهه بشكل كبير.

تناثر الدم الدافئ على خده. لعق شفتيه المتشققتين مستمتعاً بمذاق السائل الدافئ. ففي هذا العذاب السرمدي، كانت تلك هي وسيلته الوحيدة لإطفاء ظمئه.

"بالوغ... بالوغ لعازر."

ردد اسمه بصوت مسموع ليضمن ألا يفقده وسط ضجيج المذبحة. استعادت عيناه المنهكتان شيئاً من بريقهما. انقض بالوغ جانباً، قاطعاً رأس جندي، ثم حمل الجثة كدرع على ظهره وانطلق للأمام.

بدا جسده النحيل وكأنه يختزن قوة جبارة. شقّ بالوغ طريقه بسهولة عبر الحشود المتدفقة. انهمر الرصاص على الجثة التي يتترس بها، وبينما كان يقفز فوق خندق آخر غصّ بالجثث، ألقى بتلك الجثة جانباً واخترق جسد الجندي الذي كان يصوب سلاحه نحوه.

أحاط به المزيد من الجنود، والتحمت حراب بنادقهم بأجسادهم. أطلقوا زئيراً مخيفاً، بينما شرع بالوغ -كما فعل مئات أو آلاف المرات من قبل- في ذبحهم جميعاً، مخلفاً وراءه ساحة تعج بالأشلاء.

تراكمت الجثث عالياً حتى غدت كعرش عملاق، فجلس بالوغ في ذروة ذاك الركام. وباستثناء طنين الذباب المتواصل، خيّم على ساحة المعركة صمت مريب.

كانت تلك هي لحظات السكينة النادرة التي يقتنصها بالوغ وسط هذا العذاب الطويل. لسعت أشعة الشمس الحارقة جسده، مرسلةً موجات من الألم الطفيف في أوصاله. ومنذ أن وطأت قدماه هذا الجحيم، لم تأفل تلك الشمس قط؛ بل ظلت تراقبه بلا رحمة، كعين إلهية سماوية لا تغفل.

حاول بالوغ البحث عن بقعة من الظل، لكن معظم الخنادق كانت محشوة بالجثث أو تعج بالديدان. وحتى في هذه الحالة المزرية، تشبث بالوغ ببقايا كرامته، متجنباً أن تزحف تلك اليرقات المقززة على جسده.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط