Switch Mode
تم اطلاق التطبيق على متجر بلاي للاختبار 14 يوم لمن يرغب في الانضمام الى الاختبار ليتمكن من تحميل التطبيق إرسال الايميل الخاص به الى الادمن

ديون لا نهاية لها 797

خطة الاستكشاف 258


الفصل 797: خطة الاستكشاف

لا ينتمي "الأثير" إلى هذا العالم؛ بل هو قوةٌ خارقة للطبيعة انبثقت فجأة في حقبةٍ غابرة، وهبها إياه "المصدر السري" لهذا العالم. ولكن، هل كانت تلك الهبة نعمةً تُرتجى أم نقمةً تُتقى؟

كان هذا السؤال كعاصفةٍ هوجاء تضرب أركان عقل "بولوك"، فبعثرت أفكاره وحولتها إلى فوضى عارمة، وتقطعت أعصابه المرهفة والمضطربة إلى شظايا لا حصر لها.

أدرك "بولوك" فجأةً أمراً آخر: إذا كانت تلك الأرواح المزعومة قد خُلقت بتدخلٍ من "الأثير"، فماذا عن الشياطين التي تقتات على هذه الأرواح وتستهدفها؟ هل وصلت تلك الشياطين -تماماً مثل المصدر السري- إلى هذا العالم معاً في غياهب الماضي؟

داهم "بولوك" شعورٌ بالهوان والعجز حين انهار أمامه العالمُ الذي كان يظن أنه يألفه، ليستحيل إلى وجهٍ غريب تماماً، ما جعله يشعر وكأنه غريبُ الدار، لا يربطه بهذا المكان رابطُ انتماء.

قال "مامو": "نحن نتأهب لاستكمال الأبحاث التي بدأها الملك سليمان و(تيدا)".
سأله "بولوك" مستفسراً: "وكيف السبيل إلى ذلك؟"
أجاب "دووا" بحماسٍ جليّ: "الأمر يسير؛ سنقوم بتقسيم (الكيان البدائي)، بحيث نحتفظ بجزءٍ منه في فراغ الأثير، ونغمر الجزء الآخر داخل الأثير نفسه. حينها قد نعاين بأعيننا عملية تفاعل الأثير مع المادة، أو ربما نشهد ولادة روحٍ من العدم".

استنشق "بولوك" نفساً عميقاً، وتراجع إلى الوراء بخطواتٍ متمايلة كالثمل، ثم جلس على درجات السلم مطرقاً رأسه إلى الأرض. كان بحاجةٍ ماسة إلى وقتٍ يتدبر فيه هذا الكم الهائل من المعلومات وهذه الرؤية الكونية التي قُلبت رأساً على عقب. ضحك في قرارة نفسه بمرارة؛ فقد كان وقعُ هذا التأثير عليه أشد وطأةً من اليوم الذي أثقلت فيه الديون كاهله.

"هل تنوي نشر هذا البحث؟"
هز "مامو" رأسه نفياً وقال: "كلا، سيُجرى هذا البحث في طي الكتمان داخل (قاعة العلماء) فقط".
أردف "دووا" ضاحكاً: "سينضم (نظام الحقيقة) إلينا هذه المرة أيضاً؛ سنتعمق في الأمر بالتعاون بين قاعة العلماء ومكتب النظام".
عقب "بولوك": "قد يثير هذا الاكتشاف زوبعةً من الجدل، وربما يؤدي بصدمته إلى انهيار العديد من المتعصبين".
هز "مامو" رأسه قائلاً: "العالم يعج بالفوضى بما يكفي الآن، وإذا كان بوسعنا تثبيت أركانه، فعلينا أن نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على استقراره".

وافق "بولوك" "مامو" الرأي، لكنه اعتقد في نفسه أن رفض "مامو" للإعلان لم يكن لهذا السبب فحسب؛ فإذا ما تم سبر أغوار هذا الأمر بعمق، فقد يقود "مكتب النظام" الجميع في رحلة لاستكشاف "المصدر السري". ومن شأن ذلك أن يمهد الطريق للنصر في صراعات الشياطين الوشيكة؛ فالحرب قد دُقت طبولها، والكل يتأهب للنزال.

قال "نيسانيل": "بعدما عاين مكتب النظام القيمة العظيمة للكيان البدائي، أبدى اهتماماً بالغاً بإرث الملك سليمان. وبعد مداولاتٍ وجيزة، عزمنا على التحقيق في (المكان المهجور)".
أدرك "بولوك" أن "نيسانيل" لا يعني "المكان المهجور" فحسب، بل يرمي أيضاً إلى أطلال "المدينة المقدسة" الموؤودة في أحشائه. سأل "بولوك": "ألم تشرعوا في استكشاف المكان المهجور من قبل؟"

أجاب "نيسانيل": "بلى، قد فعلنا، لكن ذلك كان في الأيام الأولى لتأسيس (مكتب الأوامر)، ناهيك عن أن المكان أضحى يزداد خطورةً يوماً بعد يوم. وفي ظل هذا الوضع العصيب، حتى (المدافعون) قد يلقون حتفهم إن لم يتذرعوا بالحذر الشديد".

يقع "المكان المهجور" خلف خط دفاع "السكينة"، قابعاً في فراغٍ أثيري مطلق، حيث تنهشه كوارث هذا العالم ونوره المتوهج. لقد وطئت قدما "بولوك" ذلك المكان من قبل، ويعلم يقيناً أن حتى "الموتى الأحياء" لا يملكون فيه ناقةً ولا جملاً. فالرماد والموت جعلا من ذلك المكان وجهةً تقشعر لها الأبدان.

"على الرغم من هلاك الملك سليمان، إلا أن المكان المهجور لا يزال يرزح تحت وطأة كوارث شتى، ولا تزال بعض معجزات (عالم الفراغ) تعمل هناك، مما يعيق تقدمنا. ونظراً لهذه التعقيدات، لم نضع استكشاف هذا المكان على رأس أولوياتنا".

من منظور "نيسانيل"، فإن مجرد ختم كوارث هذا العالم والنور المحترق معاً يمثل تحدياً جسيماً، أما استكشاف المدينة المقدسة فهو أمرٌ بعيد المنال.
"في حال وقوع أي خطأ، أو تسرُّب أي شيء، فلن تحصد مدينة (أوبوس) سوى الدمار الشامل الذي سيأتي على الأخضر واليابس".

تخيل "بولوك" سيناريو انعتاق الكارثة وانطلاق الضوء الحارق، وتصور تلك المخلوقات اللحمية القرمزية البشعة وهي تملأ "الصدع العظيم"، تفيض كالسائل المنسكب وتمد أطرافاً لا حصر لها، محطمةً كل ما تقع عليه أيديها. الأثير، واللحم، والمعدن، والصخر... لقد عاين "بولوك" بنفسه نهم ذلك المخلوق؛ إذ كان يلتهم كل شيء، ولا يذر خلفه أثراً.

وبالمثل، تمثل أمام عيني "بولوك" النيران وهي تهطل مرة أخرى على العالم؛ فقبل ستين عاماً، استجمع الملك سليمان قوة "النور المحترق" لإبادة الخصوم الذين تجرأوا على غزو المدينة المقدسة، فجعلهم قرباناً هو ونفسه للشمس الحارقة، محولاً المكان إلى قاعٍ صفصف تنبعث منه رائحة الكبريت.

لطم "بولوك" خديه بقوة محاولاً استجماع شتات نفسه واستعادة رباطة جأشه، وشعر بقلقٍ مبهم يسري في عروقه، ما أدى إلى تسارع نبضات قلبه. تمتم "بولوك" في نفسه: "لماذا؟ لماذا تُطلعني على كل هذا؟"

انبثق سؤال جديد في ذهنه؛ فبالنظر إلى رتبة منصبه، لم يكن من المفترض أن تصله مثل هذه المعلومات السيادية والحساسة، ومع ذلك، كشف له "باحثو المجد" عن كل شيء وكأنه أمرٌ عارض.

قال "نيسانيل" مبتسماً ابتسامةً تحمل في طياتها الكثير: "السبب هو شيءٌ ذكرتَه أنت أثناء الطريق".
أثارت تلك الكلمات قشعريرةً في جسد "بولوك"؛ فقد فهم مغزى إفصاح "نيسانيل" عن هذه الأسرار. فبمعرفته لهذه الحقائق، سيُدرج حتماً في "قائمةٍ ما"، وسيُزج به في طليعة الأحداث المتعلقة بهذا الشأن.

بدا وكأن "بولوك" قد سُير إلى هذا القدر تسييراً؛ مصفوفة الكيمياء الخاصة بالسيد "شيلين"، الدين الأبدي، رائد الفضاء المختار...
قال "نيسانيل": "يبدو أنك بحاجةٍ إلى قسطٍ من الراحة يا بولوك".
فأجاب "بولوك" موانئاً برأسه: "أحتاج إلى الراحة حقاً".

فمن الناحية الفعلية، لم يمضِ سوى ساعات قليلة منذ أن فر من "الحديقة المبهجة"، وانسل من فراشه الدافئ ليبلغ مكتب النظام بكل شيء، ثم توالت عليه الأحداث تباعاً.
"هل من شيءٍ آخر؟"
نهض "بولوك" عن الدرج، ولم يكن يرجو في تلك اللحظة سوى العودة إلى منزله والارتماء على سريره لبعض الوقت.
أجاب "نيسانيل": "لا شيء في الوقت الراهن".
قال "بولوك": "إذن، سأنصرف".

استدار "بولوك" وغادر المكان بحزم، دون أن يلتفت وراءه بذرّة حنين، فرغم هدوئه الظاهري، إلا أن عقله كان لا يزال يمور بالاضطرابات. الشياطين، المصدر السري، مد وجذر الأثير... فجأة، انتابه دافعٌ قوي: إذا كان الشياطين والمصدر السري قد وصلا معاً، فلا بد أن الشياطين تدرك حقيقة العالم. أخذ فضولٌ حارق ينهش قلبه كأظفار قطة، لدرجة أنه فكر في مقايضة الشياطين للحصول على الحقيقة.

لحسن الحظ، استعاد "بولوك" هدوءه بسرعة، وغادر "قاعة العلماء" متجولاً في قلب "فرن التسامي"، ثم اختار باباً عشوائياً وأدخل "مفتاح الطريق الملتوي" في ثقب القفل، ليفتح طريقاً نحو الظلام.

كانت رائحة الكحول تعبق في المكان، والصمت يطبق على الأرجاء، ولم يجد أحداً من الوجوه المألوفة. فمنذ رحيل "سيري"، صار "نادي الخالدين" خاوياً على عروشه بشكلٍ لافت، مما أثار حيرة "بولوك". خلف الحانة، وعلى غير عادته، صبّ "بولوك" لنفسه كأساً وشربه وحيداً.

طفق "بولوك" يتساءل عما إذا كان "سيري" يتجنبه؛ فبعد أن عرف ماضي "سيري" المجيد في "مرتفعات مصدر الرياح"، عقد العزم على استجوابه بدقة، ولكن عند عودته وجد "سيري" غائباً، ولم يكن له علمٌ بوجهته. ربما كان "سيري" في أحضان إحدى النساء، أو ربما يغط في نومٍ عميق في زاويةٍ ما ورائحة الكحول تفوح منه.. أما عن الاحتمالات الأخرى، فبالنظر إلى شخصية "سيري"، لم يستطع "بولوك" التكهن بالكثير.

"إمبراطورية الليل الأبدية، نزاع الشياطين، خيانة سيري... لا بد أنك تخفي الكثير من الأسرار في جعبتك أيضاً يا سيري".
تأمل "بولوك" حاله وهو يتكئ على الحانة، ثم استسلم للإرهاق وغط في سباتٍ عميق.

بعد بضع دقائق، انبعث توهجٌ خافت عند باب "نادي الخالدين"، وقام شخصٌ يتسلل في خفية بدفع الباب وفتحه، ثم رمق الحانة من الداخل بنظراتٍ حذرة. بدا وكأنه عاد لتوه من عطلةٍ في جزيرة استوائية؛ إذ كان يرتدي قميصاً مزركشاً بالزهور وسروالاً قصيراً، ويضع نظارةً شمسية، وطوقاً من الزهور الطبيعية يحيط بعنقه.

لا أحد يدري كيف استطاع تدبير أمره، فبشرته الشاحبة استحالت الآن برونزية، وكان يحمل مظلةً شمسية ثقيلة على كتفه. وبينما كان "سيري" يتهيأ للاحتفاء بعودته، لمحت عيناه "بولوك" نائماً على الحانة، فكتم صوته لئلا يوقظه. لم يكن "سيري" مستعداً لمواجهة "بولوك" في هذا التوقيت؛ خشية أن ينهال عليه بوابلٍ من الأسئلة. ليس لأنه يرفض الإفصاح، بل لأن استحضار ذكريات ماضيه المظلم كان يسبب له حرجاً كبيراً.

تجاوز "سيري" "بولوك" بحذرٍ شديد كأنه لص، وصعد الدرج وعاد إلى غرفته بصمتٍ مطبق. وبينما كان "سيري" يتنفس الصعداء، مزهواً بحركاته الرشيقة، التقت عيناه بعينين تشبهان عيون القطط في غياهب الظلام؛ إذ خرجت قطةٌ سوداء تمشي بوقار من بين الظلال.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط