الفصل 1152: الفصل الخامس عشر: حلم
سيري فيليريز الذي كان يوماً سيد "عرق الليل " بات الآن نادلاً وراقصاً على العمود في "نادي الخالدين ".
كان جيفري يعرف سيري منذ سنوات طوال ، ولكن لم يزعم قط إدراكه التام للعالم الداخلي لهذا السيد إلا أنه كان يستطيع -إلى حد ما- تبين تقلباته العاطفية.
كان وجه سيري دائماً ما يحمل تعبيرات مألوفة: ابتسامة متبلدة لا مبالية ، أو نظرة غارقة في الفراغ كأنما يعذبها الضياع ، أو أحياناً تقاسيم مخمورة مشوهة.
أما الآن ، فقد شهد جيفري عاطفة دفنها سيري في أعماقه ، عاطفة كاد هو نفسه أن ينساها.
الغضب.
كانت "أوليفيا " أشبه باسمٍ مُحرّم ؛ ففي اللحظة التي تفوه بها جيفري ، استشاط سيري غضباً.
استشعر جيفري بوضوح نية القتل الطاغية التي تحيط به ؛ هالة عنيفة كادت تتجسد مادياً ، لتتحول إلى أجنحة حمراء قانية تتفرد خلف ظهر سيري ، وتتساقط ريشاتها لتغرس في الجلد كأنها نصل سيوفٍ قاطعة.
"لا يمكنك فعل هذا يا جيفري ، إياك! "
ارتفع صوت سيري وهو يندفع نحو جيفري. ورغم إدراك جيفري لغضب سيري وقدرته التدميرية المرعبة ، ظل واقفاً لا يحرك ساكناً.
رفع سيري يده ؛ كانت كفه شاحبة كالموت ، خاوية من الحياة ، باردة ومجردة من دماء ، وقد برزت تحت الجلد عروق زرقاء كأنها ديدان أرض مقززة ، مما يبعث الرعب في الناظر إليها.
تلاشت سمات النبل من وجهه في لمح البصر ، وحل محلها كابوسٌ مفزع.
استطالت أظافره ، غدت حادة وقوية ، وبدت وكأنها مصطفة بأسنان شفرات حلاقة ، تأهباً لتمزيق أي عقبة في طريقها.
تشوه وجه سيري بصورة بشعة ، وأصبح جلده جافاً للغاية وغير متسق ، يملؤه التجاعيد والغؤور ، وبدا خشناً ومضطرباً كأنه أثر تعرية الزمن ، خالياً من أي طاقة حياة.
مع تسلل ضوء الشمس ، استطاع جيفري رؤية تفاصيل النسيج الجلدي بوضوح ؛ بدا كأنما نقشته سكين ، بينما ارتفعت الأوعية الدموية في درجات من الأزرق والأرجواني حتى كاد المرء يرى تدفق الدماء في الداخل ، متشعبة كأنهار تشكل بحيرة واسعة و تبعهث هالة غريبة ومريبة في آن واحد.
ربما كانت هذه هي الهيئة الحقيقية لـ "عرق الليل " من الدرجة الفائقة.
تلاحقت أنفاس جيفري ؛ لم يكن خائفاً مما قد يؤول إليه الحال. فسيري مقيد بقوة "نادي الخالدين " ولا يملك إيذاء أحد ، ناهيك عن جيفري نفسه الذي ينتمي للموتي الأحياء ، فكل ما سيصيبه بضع لكمات. حيث كان جيفري مستعداً لذلك.
تقلصت المسافة بينهما بسرعة ، وبينما كادت أطراف أصابع سيري تلامس جيفري ، أشرقت الشمس ، وتسللت أشعتها عبر الفجوات بين المباني ، كخط ذهبي يشق الظلال.
فصل هذا الخط بين جيفري وسيري.
توقف سيري أمام هذا الحد الفاصل ، لكن يده المشوهة كانت قد تجاوزت الحدود.
لامست أشعة الشمس كفه ؛ فبدأ سطح الجلد يتفحم ويحترق ، وتبخرت الخلايا الميتة لتنبعث منها رائحة نفاذة كأنها لحم محترق ، متشعبة بالشقوق ، وهشة كشظايا الخزف التي توشك على الانهيار.
مع مرور الوقت ، اسودّ جلد سيري وتصلب ، متصدعاً إلى فتحات صغيرة لا حصر لها ، نافثاً عبيراً متعطشاً للدماء ، ومعبقاً الأجواء برائحة كريهة تقشعر لها الأبدان.
ثم تلا ذلك تبخر اللحم ، وانهارت القطعة بأكملها للداخل ، وانكمش الجسد باستمرار ، بينما تلاشت الدماء والخلايا ببطء ، مخلفة وراءها كومة من قشور رمادية سوداء ، تنبعث منها نيران خافتة ورائحة دم كثيفة.
أعاد الألم الناتج عن ضوء الشمس سيري إلى وعيه ؛ فسحب يده ، ونفض الرماد ، لتبدأ أنسجة جديدة في النمو بسرعة.
أمام هذا المشهد ، تذكر جيفري مشاعر انتابته عند زيارته الأولى لنادي الخالدين ؛ فسلالة سيري نبيلة للغاية ، وحتى في مواجهة أشعة الشمس القاتلة ، ما زال يمتلك قدراً من الحركة بفضل طاقته الخالدة.
"هل هدأت الآن ؟ " سأل جيفري.
"أنت وغدٌ حقاً يا جيفري. "
ألقى سيري نظرة خاطفة على جيفري ، ثم عبر حاجز ضوء الشمس مباشرة ، متوجهاً إلى نادي الخالدين خلف جيفري.
"سيري! "
"اصمت ، ودعني وشأني لبعض الوقت! " تذمر سيري.
"لا ، ما أعنيه هو أنه إذا كان هذا الأمر يزعجك كثيراً ، يمكننا تجاوز الموضوع " اعتذر جيفري "يمكننا الحديث عن شيء آخر ".
فحص سيري جيفري بعينيه ، وبرق فيهما شعور عميق بالألم ، لكنه سرعان ما واراه ، مكتفياً بجملة واحدة:
"أوليفيا ليست الحاكمة ، فالحاكم الحقيقي شخصٌ آخر. "
وعقب قوله هذا ، استدار ومشى داخل نادي الخالدين دون أن يلتفت.
سأله جيفري "لماذا أنت واثقٌ تماماً ؟ "
"لأنها وعدتني ، وأقسمت باسم أمها. "
أغلق سيري الباب بقوة ، فتردد صدى ارتطامه في الشارع الخالي....
عندما تبع جيفري سيري إلى داخل النادي لم يلمح سوى خياله وهو يمر سريعاً عبر درج السلم ، وخطواته تتلاشى تدريجياً ، ثم دوى إغلاق باب آخر بعنف.
وقف جيفري هناك ، يستوعب الكلمات التي قالها سيري للتو ، حين برز صوتٌ آخر:
"لا تكترث يا جيفري ، سيري ليس إلا في مزاج سيء هذه الأيام. "
ظهر "وي إير " من الظلال ، بفروه الأسود الحالك الذي يجعله مثالياً للتنقل بين العتمة.