كانت سماء الليل تبدو وديعةً وداعيةً ، كاحتضان الأم الحانية. نام الناس هانئين ، قريرة أعينهم ، لا يشغل بالهم همٌّ.
جلس لي تشي يي والإمبراطور شينغ بصمتٍ فوق الصخرة ، يرتقبان المعجزة القادمة.
وبعد هنيهة ، دَوَّى طنينٌ خافتٌ ، عذبٌ ، أشبه بتناثر المساحيق.
هبط نهرٌ ، تتخلله فتاتُ النجوم ولمعانُ شراراتٍ متناثرة. بدت كلُّ شرارةٍ وكأنها مملوءةٌ بماء الحياة. تنوَّعت ألوانُ جريان الماء ، فكان ذهبياً ، أخضر ، أزرق…
احتوى هذا النهرُ خلاصاتِ النجومِ وأنوارَها ، وجسيماتِ الزمنِ ، وضياءَ الحياة ، وغيرها من مآثر الشباب.
اصطدم بسخريةٍ ، وانقسم إلى جريانين. أحدث الاصطدامُ تناثرَ جسيماتٍ لا حصر لها ، شبيهةً بتصادم الزئبق.
كان هذا مشهداً أثيرياً وجميلاً ، أقرب إلى الحلم. أولئك الغارقون في هذا النهر فسيجدون أنفسهم قادرين على رؤية تحولات التاريخ ، وكيف تحوَّل المحيط إلى حقول توت.
"فرقعة! " تناثر رذاذٌ في كلِّ مكانٍ على قمة الصخرة. حملت قطراتُ الماء المتناثرة صوراً أثناء سقوطها – فينيقٌ طائر ، آلهةٌ ساجدة ، السماءُ والأرضُ بدأت تتحرك…
بدا وكأن عالماً قد انفتح عند القمة بألوانٍ خمسةٍ بهية.
"بشّ! " اشتدَّ جريانُ النهر. حملَ نقوشاً قديمةً وقوانينَ "داو " فوق مآثرٍ سابقة. و كما برزت بعضُ أعماقِ "داو ".
بدا وكأن كلَّ ما هو سحريٌّ في الوجود قد امتزج وتحوَّل إلى هذا النهر.
بدأت تتشكَّل أمواجٌ بسبب التيارِ الجارف ، مما أدَّى إلى ضجيجٍ صاخب. و شعر الاثنانِ وكأنَّ "الداو " المتعدِّدَ كان يندفعُ مارَّاً بهما.
أمكنهما رؤيةِ الجواهرِ الأساسيَّةِ التي تكوّنُ العالم ، وولادةِ "الداو " الأسمى…
ومع ذلك صمدت الصخرةُ بقوةٍ رغم الأمواجِ العاتية. بدت وكأنها خطافٌ يريدُ سحبَ النهرِ بأكمله.
وأخيراً ، بدأت سمكتانِ بالسباحةِ بمرحٍ مع التيار. حيث كانتا تجسيداً لـ "اليين " و "اليانغ ". ومن "اليين " و "اليانغ " نشأت العناصرُ الخمسة.
"رآآآ! " قفز تنينٌ نجميٌّ من النهر ، يتلألأ بوميضِ النجومِ المبهر.
وانضمَّ إليه فينيقٌ أيضاً ، حاملاً العناصرَ الخمسة. حيث تموَّج الفضاءُ حيثما ذهب ، بينما تبعته القوانينُ المتعدِّدة.
"قصف! " استمرَّ حجمُ النهرِ بالازدياد ، ليتحوَّلَ في النهايةِ إلى بحيرةٍ هائجة.
تشكَّلت المزيدُ من الظواهرِ والصور. رسمٌ إلهيٌّ يستمتعُ بعبادةِ العديدِ من الأتباع. دورانُ الشمسِ والقمر ؛ ولادةُ ألفِ نجم ؛ شجرةٌ خالدةٌ بأغصانٍ متمايلة…
مجردُ واحدٍ منها كان كافياً للصدمة ، ولم يرهُ معظمُ المتعبِّدين. و علاوةً على ذلك كانت قطرةٌ واحدةٌ من هذه البحيرةِ تحتوي على ألغازِ وغموضِ "الداو " الأسمى ، وقوةِ الزمنِ والحياة…
لم يحدث هذا إلا مرةً كلَّ ثلاثةِ ملايينِ عام. إطلاقُ اسمِ معجزةٍ عليه لن يكونَ مبالغة.
انغمسَ الإمبراطورُ المخضرمُ في هذا المنظرِ العجيب. تحوَّلت البحيرةُ في النهايةِ إلى محيط. أصبحت الظواهرُ المرئيَّةُ أروعَ وأكثرَ إثارةً للإعجاب ، مما جعلهُ يتنهَّدُ بإجلال.
ومع ذلك لم يكن المحيطُ الهائجُ كافياً لتحريكِ الصخرةِ قيدَ أنملة. قسمَ المحيطَ إلى نصفين. حدثت هذه العمليةُ في الماضي ، والحاضر ، والمستقبل.
الجلوسُ على هذه الصخرةِ يعطي انطباعاً بأنَّ المرءَ على خطافٍ أبدي. و لقد أصبحوا وجوداً ثابتاً عبرَ العصور.
دامَ هذا الرصدُ طويلاً. سمحت الصخرةُ الثابتةُ للاثنينِ بالمشاهدةِ دونَ الحاجةِ إلى القلقِ على سلامتهم.
تراجعت الأمواجُ في النهاية ، كما تراجعَ المحيطُ العظيم. عادَ كلُّ شيءٍ إلى طبيعته.
وجدت السماءُ سلاماً مرةً أخرى ؛ واتخذَ الماءُ في الأسفلِ هدوءَ المرآةِ دونَ ذبذبةٍ واحدة.
"ما أروعَ هذا " علَّقَ الإمبراطور "فـ 'الداو ' في الأصلِ لا جذورَ له. و عندما يكونُ القلبُ يحملُ 'الداو ' ، فإنهُ يتجذَّرُ فيه. "
ثمَّ حدَّقَ باتجاهِ لي تشي يي ورآه جالساً بثبات. و لقد كان هكذا طوالَ الوقت لم ينبسْ ببنتِ شفة.
فتحت قصورهُ لإخراجِ شجرتهِ البدائيَّة. تدفَّقَ الأثيرُ البدائيُّ كالماءِ المتدفِّق ، بينما ظهرت المزيدُ من الثمارِ على الأغصان.
وصلت كلُّ ثمرةٍ إلى مرحلةِ النضجِ وأصبحت ساطعة. بدت وكأنها تُحضِّرُ أسمى 'داو ' لا مثيلَ لهُ بأقصى درجاتِ الغموض – أكثرَ من كافٍ لحملِ العالمِ بأكمله.
لم تبدُ الشجرةُ وكأنها قادرةٌ على حملِ السماء ، لكنَّ كلَّ غصنٍ وورقةٍ احتوت على ألغازٍ مذهلة. و يمكنها احتواءُ الماضي بينما تفتحُ المستقبل.
يمكن لغصنٍ واحدٍ أن يدفعَ عصراً إلى الأمام ؛ ورقةٌ واحدةٌ يمكنها إطلاقُ عالمٍ جديد. بدت الشجرةُ بأكملها وكأنها عصرٌ جديد ، تُحضِّرُ عوالمَ وكائناتٍ حيةً لا حصرَ لها.
بدأ "الداو " الأسمى والطاقةُ البدائيَّةُ المنبعثةُ من الشجرةِ عصراً. حيث كان هناك نظامٌ موجودٌ هنا ، يسمحُ لسكانِهِ بتنميةِ "الداو " وتعلُّمِهِ.
وفي الوقتِ نفسه كان الرجلُ الجالسُ هناك ، لي تشي يي ، هو مصدرُ كلِّ هذا. سيخلقُ عصراً جديداً بنظامٍ جديدٍ تماماً. ستبتلعُ قوتهُ خلقه.
لم يستطع الإمبراطورُ أن يصدِّق ؛ فُتِحَ فمهُ دهشةً.
لقد التقى بالكثيرِ من الأسلاف ، بمن فيهم أعضاءٌ من قائمتهِ الخاصةِ ومن "العشرةِ الأوائل ". ومع ذلك كان كلُّ هؤلاءِ بعيدينَ كلَّ البعدِ عن المقارنةِ بهذا الرجل.
يمكن لأسلافٍ لامعينَ أن يبدؤوا عصراً جديداً ، لكنَّ لي تشي يي لم يفعلْ ذلك. حيث كان يبدأُ عصراً جديداً.
في المستقبل ، بعدَ أجيالٍ وأجيالٍ من الزراعة ، سيتأثرُ كلُّ كائنٍ حيٍّ هناك به. ستُنشأُ قوانينُ "الداو " الأسمى وقوانينُ الفضيلةِ التي لا مثيلَ لها وفقاً لقواعدهِ. سيصبحُ كياناً مشابهاً للسماءِ العليا.
عرفَ الإمبراطورُ ما كان يحاولُ فعلَهُ وهو يحدِّقُ في الشجرةِ البدائيَّة. حيث كان هذا الفعلُ مهيباً ، أعظمَ من أيِّ شيءٍ آخرَ أنجزهُ الآخرون.
لم يكن يسعى خلفَ الخلودِ أو الحياةِ الأبديَّة. و هذا تجاوزَ ذلك بكثير. لن يمرَّ وقتٌ طويلٌ حتى يأتيَ عصرٌ جديد.
بدأ الإمبراطورُ في محاولةِ فهمِ ألغازِ الشجرةِ وغموضِها. حيث كانت مواهبُهُ شبهَ لا مثيلَ لها.
لقد رأى أعقدَ "داو " وأكثرها سحراً من قبل. Y أسفاه ، أصبحت هذه الآنَ غيرَ ذاتِ أهميةٍ مقابلَ محاولةِ الخلقِ هذه.