في خضم الضجيج الذي علا في الخارج ، بلغ لي تشييه أقصى أعماق "مونيفول " وهو بُعدٌ شاسعٌ ومهيب.
لقد أمضى زمناً طويلاً وهو يهبط في درجات الظلام ، ليواجه فراغاً لا متناهياً. السقوط فيه يعني الفناء المحتم.
رمق المكان ببصرٍ ثاقب ، راغباً في اختراق حجاب كل شيء. و أخيراً ، استخرج حفنة من رمالٍ بيضاء. حيث كانت تبعث ضوءاً خافتاً ، أشبه باللآلئ في ليلٍ بهيم.
لقد عقد صفقةً مع النمل ، مبادلاً عملاتٍ بتلك الذرات الرملية. ضحك الناس عليه فعلته تلك ، لكنهم لم يدركوا قيمتها الحقيقية. وبطبيعة الحال لم يكن لعلمهم بها فائدة ، إذ لم يكن بوسعهم الوصول إلى هذا المكان.
"ففففـ… " نفخ الهواء في تلك الرمال ، فانتشرت في الفضاء اللامتناهي كأنها نسمةٌ عابرة.
بدت كاليراعات تحوم حوله ، مشهدٌ يأسر الألباب. فلم يكن وهجها ساطعاً ، لكنها كانت خير دليلٍ في هذا الظلام الدامس. كلما ابتعدت ، تخفت أضوائها شيئاً فشيئاً حتى اختفت عن الأنظار.
عاد السكون المخنوق والصمت المطبق ، كما كان دائماً. بدا هذا الصمت وكأنه إيذانٌ بشيءٍ على وشك اليقظة.
بعد فترةٍ طويلة ، سُمع صوت فرقعةٍ خافتة ، مع تموجٍ في الفضاء ، كأن شيئاً قد فُتح.
بدأ نورٌ بهيٌ يتسرب من مكانٍ ما ، كشعلةٍ تضيء عالماً جديداً. تزايد الوهج حتى بلغ حداً جعل وصفه بـ "بحرٍ " من النور قاصراً.
أصبح المكان برمته متلألئاً ، مكسواً بهذا الضوء الدافئ الذي لا يعمي الأبصار. المكان الذي كان يشع بالنور كان مليئاً بالنجوم والمجرات. اكتسى بلونٍ أزرق سماوي ، يغمر هذه المصفوفه بالحياة.
فجأة ، قُطعت هذه الروعة بصوت فرقعةٍ أخرى ، أشبه بصدى غطاءٍ يُضغط للأسفل. عاد العالم إلى ظلمته ، واختفى النور البديع دون أثر.
"عينٌ فاتنةٌ تخطف الأنفاس ، لكن للأسف ، لن يراها العالم. " ابتسم وتمتم "بالطبع ، ربما لن يكون من الجيد أن تخرج. "
استخرج أمراً ، ذلك الذي حصل عليه من المستوى الأخير من "قصر الحيرة ".
"إن لم أكن مخطئاً ، فهذا الأمر يخصك ، ووفقاً للقواعد ، يحق لي تقديم طلب. " رفعه وقهقه.
"فرقعة! " تدفق النور مجدداً ، وعاد العالم الجميل للظهور.
ولكن كان لي تشييه على حق – لقد كانت في الواقع عيناً ضخمة. النجوم والمجرات لم تكن سوى جزءٍ منها.
إذا كانت عينٌ واحدةٌ بهذا الحجم ، فما مدى ضخامة الشخص ؟ لا يمكن تخيله حقاً و ربما لم يكن المرء ليخطر بباله كيف وصل مخلوقٌ إلى هذا الحجم ، ربما هو أكبر الكائنات وجوداً.
المقولة – "أغمض عينيك فيأتي الظلام ؛ افتحهما فاستقبل الفجر " – تجسدت هنا بكل معانيها.
بدا كل وجودٍ ضئيلاً مقارنةً بها. كيف يمكن مقارنة أي شيءٍ بفسحةٍ شاسعة ؟ علاوةً على ذلك لم تكن هذه الفسحة الشاسعة سوى عينٍ واحدة. حيث كان لي تشييه أصغر من ذرة غبارٍ متناهية الصغر أمامها.
"تكلم. " بعد نظرةٍ متفحصةٍ إلى لي تشييه ، نطقت العين أخيراً بإرادتها الإلهية. فلم يكن المتلقي الأذن ، بل القلب.
لو حاول أحدهم الإصغاء ، لما سمع شيئاً. القلب وحده كان يستشعرها. فلم يكن هذا الصوت مقيداً باللغات ؛ كان بإمكانه نقل إرادته مباشرةً.
ابتسم لي تشييه "مونيفول ليست أرضاً للموت ، بل هي مجرد وعاءٍ لشيءٍ لا يمكن تصوره. "
لو اكتشف الناس الحقيقة وراء هذه الوحشية ، لطار عقلهم رعباً.
أعلن "وفقاً للقواعد عليك تلبية طلبي. "
"ماذا تريد ؟ " جاء الصوت مرةً أخرى "حبوبٌ خالدة ؟ قطعٌ أثرية ؟ تقنيات ؟ أم جسدٌ لا يُقهر ؟ "
"لا ، هذه أمورٌ شائعةٌ جداً. " هز لي تشييه رأسه "لن أكون هنا لو كانت هذه هي غايتي ، فلدينا أماكن أخرى وفيرةٌ تحققها. بالإضافة إلى ذلك ما أبتغيه حقاً ؟ لن تتمكن من توفيره على أي حال. "
تكثفت الخيوط المنبثقة من العين. و مجرد خيطٍ واحدٍ منها كفيلٌ بقتل أبديٍ أو إضاءة عالمٍ بأسره.
"ماذا تريد ؟ " بدا الصوت خالياً من أي عاطفة ؛ لم يستطع أحدٌ قراءة مزاجه.
"أرغب في استعارة عينك لألقي نظرةً ، هذا كل ما في الأمر. " أجاب.
"استعارة عيني ؟ لتنظر إلى ماذا ؟ " ردت الإرادة.
"أنت تعلم بالفعل ، بما أنني أحتاج إلى استعارة عينك لرؤيتها. ما أرغب في رؤيته ليس الحاضر ولا المستقبل ولا الماضي لهذه الأرض. أتوق لمراقبة عصرٍ أقدم ، فترةٌ مُحيت من الوجود! "
"إذا لم يكن موجوداً ، فلا يمكن رؤيته. "
تحدث لي تشييه بيقين "لا يمكن للآخرين رؤيته ، لكنك تستطيعين ، ليس لأنك تفهمينه ، بل لأنه في ذاكرتك. "
لم ترد الإرادة على الفور هذه المرة ، وبدت وكأنها تتأمل.
"لقد قلت ذات مرة أنني بحاجةٍ إلى إجابة و ربما أعرف هذه الإجابة بالفعل ، لكن قبل أن أحسم أمري ، أحتاج إلى رؤيتها بنفسي. "
"يمكنك الذهاب إلى ذلك المكان لإلقاء نظرة. " تكلمت الإرادة.
"سأفعل ، لكن قبل ذلك أحتاج إلى التعرف على هذه الفترة لأفهم أعدائي والإرهاب المطلق بشكلٍ كامل. و لهذا السبب أحتاج إلى استعارة عينك لوقتٍ قصير. " وبعد أن قال ذلك أصبحت عينا لي تشييه عميقتين بما يكفي لاختراق هذا الامتداد الشاسع ، وصولاً إلى قاع بؤبؤ العين.
أخذت الإرادة وقتها قبل أن تجيب "يمكنني رفض طلبٍ كهذا. "
قال لي تشييه "ربما ، ولكن بما أنني أقف هنا بالفعل ، فلن أقبل الرفض. لن تتمكني من الرفض! سأراها! "