الفصل 1016: الغفران ليس بالأمر الهين
كان من المستحيل عليه أن يمارس حياته دون أن يراوده في الخفاء ذلك الحنينُ الفطري لمودة والديه وعطفهما. ومع ذلك لم يعقد يوماً آمالاً على نيل ذلك الحب أو الرعاية التي يرجوها الابن من أبويه.
شعر "أديتيا " بأن المرء في هذه الحياة لا يمتلك كل شيء ؛ فكل إنسان على وجه البسيطة يفتقر إلى شيء ما. حتى أكثر الرجال ثراءً ، وإن كان بوسعه امتلاك كل ما تشتهيه نفسه بالمال ، تظل هناك أمور يستعصي عليه بلوغها.
وفي ظل وضعه الراهن لم يكن لديه أدنى نية للتصالح. فوالداه هما من نبذاه ونفياه ، ولم يكن يوماً بصدد العودة إليهما لطي صفحة الخلاف ؛ فذلك لن يجدي نفعاً ، بل إن عودته قد تُشعر والديه بأنهما قادران على الإفلات من تبعات أخطائهما مهما عظمت. فلم يكن "أديتيا " ليسمح لهما بالدخول مجدداً إلى حياته وتعكير صفو سلامه الداخلي. هكذا كان يرى الأمور من قبل ، على الأقل.
ولكن الآن ، بضع جملٍ غيرت نظرته للأمور برمتها.
"يا بني ، أرجوك سامحنا...!!! " بينما كانت تعانقه ، اعتذرت له والدته بصدقٍ جمّ. كانت هي وزوجها يعلمان أن اعتذاراً بسيطاً لن يمحو تلك الفظائع التي ارتكباها في حق وليدهما الوحيد ، لكنها آمنت بأن طريق التكفير عن الخطايا يبدأ بالاعتذار.
لم يجب "أديتيا ". كان من المحال عليه ألا يشعر بأي ضغينة تجاه والديه حتى بعد معرفة الحقيقة. فهو ليس قديساً بوسعه أن يغفر لأي كان بمجرد سماع اعتذار عابر.
حين سمع اعتذار والدته ، اعتراه صراع داخلي مرير ؛ فمن ناحية ، أراد أن ينطق بكلماتٍ طيبة يواسي بها تلك المرأة الباكية ، وهي أمه ، ومن ناحية أخرى ، غمره شعور بالتناقض أفقده القدرة على التعبير ، فاختار الصمت.
"قد لا يعرف والدك الحقيقة ، لكنني رأيتُ بعض الأمور التي قد ترتبط بالتغيرات التي طرأت علينا. "
حين سمع "ألين " ذلك مسح دموعه واقترب من زوجته وابنه.
"لماذا لم تخبريه بهذا من قبل ؟ " تساءل "ألين ". شعر أنه لو أخبرته زوجته قبل بدء كل هذا ، لربما تغير مسار حياتهما أو لندما على ضياع فصلٍ كامل من حياة ابنهما ، ولما اضطر ابنهما العزيز إلى خوض كل تلك المعاناة.
"في ذلك الوقت ، وجدت تصرفات 'رين ' غريبة بعض الشيء ، لكنني لم أعرها اهتماماً كبيراً لانشغالنا بالتحضير لمهرجان التنين السماوي. " كان مهرجان التنين السماوي حدثاً يقام في أرجاء إمبراطورية التنين السماوي مرة كل عامين ، ولأهميته التاريخية كان يحظى بمكانة رفيعة ، إذ تبدأ الاستعدادات له قبل ستة أشهر من موعده.
تنهد "ألين " ؛ فقد أدرك أنه لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب ، لكن هذا لا يعني أن يتناسوا الماضي ويمضوا قدماً وكأن شيئاً لم يكن.
"أخبريني بما رأيتِ ؟ " سأل "ألين " بنبرة جادة.
"لقد ضبطتُ 'رين ' يخرج من غرفتنا ، وبدا عليه التوتر والارتباك. فكنت مشغولة جداً حينها ، فلم أهتم للأمر ومضيت في طريقي. لا أعلم لماذا ، لكن بعد مهرجان التنين السماوي لم يخطر ذلك المشهد ببالي قط. "
"نحن نعلم أنه بعد هذا المهرجان ، ومع مرور السنوات ، بدأت شخصياتنا تتغير ، خاصة في تعاملنا مع طفلنا 'أديتيا '. لذا أشعر أن ذلك كان بداية التغيرات التي طرأت علينا بسببه. "
"لماذا أنتِ واثقة بهذا القدر أنه 'رين ' ؟ " كان لدى "أديتيا " أدلة وافرة تدين ابن عمه ، لكنه لم يفهم سبب توصل والديه لهذا الاستنتاج بهذه السرعة.
"يا 'أديتيا ' ، عندما تعيش آلاف السنين ، تتراكم تلك الخبرات وتصقل عقلك بشكل مذهل. ناهيك عن أنه بمجرد أن أصبح 'رين ' إمبراطوراً ، كفَّ تماماً عن إخفاء طبيعته الحقيقية حتى أمام أعيننا. "
"على سبيل المثال ، تلك الشخصية الوديعة التي كانت يظهرها حين نكون وحدنا تلاشت وكأنها لم تكن ، وأصبح متغطرساً ، محباً لذاته ، ومهيناً جداً. "
"السبب الأكبر لاعتقادنا بأن 'رين ' هو من دبر الأمر هو أنني في اليوم الذي وضعت فيه التاج على رأسه بنفسي كان التاج يرفضه بوضوح. "
"بالنظر إلى الوراء ، وبسبب ما فعله بنا لم أشكك حتى في أكبر علامة تحذيرية. و كما قلت سابقاً لم نشكك في أي شيء ؛ بل كنا نكتفي بهز رؤوسنا موافقين على كل ما يقوله. "
"لماذا لم يقل الآخرون شيئاً ؟ " كان لزاماً على كل دوق في الإمبراطورية أن يحضر المراسم.
"لأن المراسم ، وتحديداً الجزء الذي أضع فيه التاج على رأسه ، أقيمت أمام ضريح الأسلاف. ولم يكن حاضراً سوى أنا ، ووالدتك ، وعدد قليل من الرجال الموالين له بشدة. "
"لكن الجزء الغريب هو أنه كان قادراً على الجلوس على العرش أمام الجميع مرتدياً نسخة مطابقة تماماً. "
"لن أتفاجأ لو أنه استبدل العرش بأكمله قبل بدء المراسم. " أومأ "ألين " و "إيلينا " تأييداً لكلام "أديتيا ".
"يا صغيري ، أريد أن أعرف المزيد عنك. " أراد "إيلينا " و "ألين " سماع كل التغيرات التي حدثت خلال السنوات الخمس والنصف الماضية.
"أولاً ، دعوني أقدمهما لكم. " ظهرت "رين " و "أثينا " أمام "ألين " و "إيلينا ".
في اللحظة التي ظهرت فيها الفتاتان ، تعرف "ألين " و "إيلينا " عليهما فوراً ؛ فقد التقيا بـ "أثينا " حين ولد "أديتيا " أما "رين " فقد زارت عاصمة إمبراطورية التنين السماوي أثناء ذلك المهرجان والتقوا بها حينها.
"أثينا لم أتوقع أن تلتقي بـ 'أديتيا '. " آخر ما سمعاه هو أن "أثينا " دخلت بُعداً جيوبياً لتختبئ وتستعيد قوتها ، وكانوا هم الوحيدين الذين أخبرتهم بوجهتها.
وما أدهشهما هو أنه رغم نفيه إلى القارات الست ، وبقاء "أثينا " في بُعد جيوبي داخل القارة الرئيسية ، فقد تمكنا من العثور على بعضهما وهما الآن معاً.
عانقت "أثينا " "إيلينا " عناقاً خفيفاً. "خالتي ، القصة طويلة. و لقد طاردني نفس الأشخاص الذين كانوا وراء مقتل والديّ. ذهبت للبحث عن نصفي الآخر في القارات الست ، وحين كنت في عالم الأنفاق كان نصفي الآخر يسافر إلى القارة الرئيسية مع 'أديتيا ' للبحث عني. "
"الآن ، أشعر بفضول أكبر. " نظرت "إيلينا " إلى ابنها الصغير.
"رين ، لقد أصبحتِ أكثر جمالاً بعد كل هذه السنين. " ضمت "إيلينا " "رين " إلى صدرها ، فابتسمت "رين " برقة وبادلتها العناق. ظلت شخصية "إيلينا " كما عهدوها قبل كل تلك السنوات.
"ألفريد ، أنا آسف. " عانق "ألين " "ألفريد " صديقه المقرب ورجله الأكثر ثقة. ومع ذلك في ذلك الوقت لم يثق بـ "ألفريد ".
"جلالتك ، أرجوك لا تعتذر. لا أحمل تجاهك أي ضغينة ، وأنا سعيد جداً بلقائكما هنا. " كان لدى الرجلين الكثير ليقولاه ، لكن الوقت لم يكن مناسباً.
ثم اتجهت أنظارهم نحو "أديتيا ".
"أديتيا ، كيف عشت كل هذه السنوات ؟ هل كان الأمر صعباً يا بني ؟ "
"بالتأكيد ، لا بد أنه كان صعباً للغاية. و لكنني ووالدك نريد أن نعرف كل ما حدث في حياتك منذ أن نفيناك ظلماً. "
شعر "أديتيا " أنه بدلاً من الشرح ، سيكون من الأسهل أن يريهما كل شيء. و نظر إلى "رين " وأومأ برأسه.
أومأت "رين " موافقة ، فقد فهمت ما يريده. فرقعت بأصابعها.
فرقعة!!!
في اللحظة التالية ، تغير المشهد من حولهم تماماً. لم يعودوا واقفين على تلك الجزيرة العائمة الصغيرة ؛ بل بات الجميع معلقين في الهواء ، وتحتهم مدينة شاسعة. حيث كانوا يقفون على ارتفاع 100 متر تقريباً فوق المدينة.
كانت المدينة ضخمة حقاً ، وكان هناك عدد لا يحصى من الناس يسيرون في الشوارع.
"بناءً على حجم المدينة ، أقدر أن هناك ما بين 5 إلى 7 ملايين نسمة يعيشون هنا. " نظر والد "أديتيا " إلى مدينة "أزور " الشاسعة وقال لزوجته.
"حسناً ، تقديرك بعيد عن الواقع ببضعة ملايين. " كان عدد سكان مدينة "أزور " يتجاوز 10 ملايين نسمة ، ولم يكن هذا الرقم مبالغاً فيه ؛ ففي مرحلة ما كان عشرات الآلاف ينتقلون للعيش في هذه المدينة يومياً. ولولا سرعة البناء في هذا العالم ، لما تمكن "أديتيا " من تلبية متطلبات السكن.
لم يستطع الامبراطور السابق أن يشيح بنظره عن المدينة. و شعر أن المدينة بأكملها مخططة ومنظمة بشكل رائع.
كانت نظرة واحدة من الأعلى يكفى ليروا تخطيط الشوارع والمنازل. لم تكن المدينة تبدو مزدحمة ، ورغم حجمها الكبير كانت جميلة ، مما يبعث في النفس شعوراً بأن هذه المدينة قد تكون المكان المثالي للعيش.
كانت المدينة تزخر بالكثير ؛ إذ توجد مساحات خضراء صغيرة ومسطحات مائية زادت من جمالها.
"هذه حدائق حيث يمكن للمقيمين القدوم واللعب أو قضاء الوقت. وهذه المسطحات المائية الصغيرة هي برك بأحجام مختلفة ؛ تُستخدم معظمها لتربية الأسماك وبيعها ، لكنها تضفي أيضاً جمالاً وعمقاً للمدينة. " بصفته الخالق والمخطط ، شرح "أديتيا " كل شيء ببالٍ طويل لوالده ووالدته ، وكانت تعلو وجهه ابتسامة فخر خفيفة.
"مبهر! ببساطة مبهر. حتى عاصمة إمبراطورية التنين السماوي ليست بهذا القدر من التخطيط والتنظيم. "
"الحفاظ على مثل هذا المستوى العالي رغم وجود هذا العدد الكبير من السكان لا بد وأنه صعب للغاية. " أومأ "أديتيا " برأسه بصمت ، لكن الأمر كان يستحق كل هذا العناء.
"هذه هي عاصمة إمبراطورية إيستارين. "
"و 'أديتيا ' هو الامبراطور لإمبراطورية إيستارين. " قدمت "رين " لهما بعد ذلك شرحاً موجزاً عن ماضي إمبراطورية إيستارين والتحول المذهل الذي أحدثه "أديتيا " في الإمبراطورية خلال عامين ونصف فقط.
عند سماع ذلك بدت عليهما الصدمة والدهشة ، وفي الوقت نفسه ، شعرا بفخر عارم بابنهما. فرغم فقدانه لكل شيء لم يبقَ ابنهما عند ذلك المستوى ، بل نهض كالتنين المحلق وشيّد إمبراطورية بنفسه.
----------------
شكراً جزيلاً لكل من قدم الدعم بتذاكر ذهبية وهدايا قيمة. و آمل أن نواصل على هذا المنوال!!!