لأكون صريحاً لم يكن "وي يوان " يميلُ إطلاقاً إلى لقاء مسؤولٍ آخر ؛ فقد خشي أن يفقد أعصابه ويُقدِم على فعلٍ عنيف ، وممارسو "مؤسسة الداو " هؤلاء كانوا من الهشاشة بمكانٍ يجعلهم عاجزين عن تحمُّل أكثر من بضعِ ضربات. فلو لم يتوخَّ الحذر ، لربما أزهق روح أحدهم عن غير قصدٍ وبسهولة.
ومع ذلك أصرَّ "لي تشي " على أنَّ مسألة المؤن والأجور هي مسألة حياةٍ أو موت ، وينبغي التعامل معها بحزم. و علاوة على ذلك كان "وي يوان " يدركُ أنَّه ورفاقه من طائفة الخالدين سيغادرون المكان في نهاية المطاف ، بينما سيظل "فانغ خيتونغ " والقرويون في "تشويانغ ". ولم يكن من الممكن أن يغضَّ المسؤولون الطرف عن ثلاثمئة جندي من الميليشيا ، ناهيك عن "فانغ خيتونغ " نفسه ؛ إذ كان بإمكانهم ببساطة اختلاق أي ذريعةٍ بين الفينة والأخرى لضربهم حتى يشارفوا على الهلاك. لذا كان لزاماً عليهم إنهاء هذا الأمر بأسرع وقتٍ وأكثر الطرق سلاسة.
رأى "وي يوان " وجاهةَ ذلك فوافق على حضور المأدبة. أما "فانغ خيتونغ " فقد كان على القدر ذاته من الإحجام -إن لم يكن أكثر- لكنه وافق هو الآخر تضحيةً من أجل القرويين.
قبل المأدبة ، تبادل "لي تشي " و "وي يوان " أطراف الحديث حول تجاربهما وقصصهما الطريفة خلال سنوات ممارستهما للـ "داو ". في الماضي لم يتقبَّل "لي تشي " فكرة خسارته أمام "وي يوان " ولاحقاً استخدم علاقاته للحصول على سجل درجاتِ منافسه وإجاباته في الاختبارات ، وحينها فقط أدرك مدى القمع الذي تعرَّض له "وي يوان " خلال الاختبارين الأولين ، ناهيك عن كونه أصغر منه بعامين. ورغم ذلك تفوَّق عليه الفتى بل وسحقه في الاختبار القتالي. ومنذ ذلك الحين ، تقبَّل "لي تشي " هزيمته عن طيب خاطر.
بعد ذلك عكف "لي تشي " على دراسة "داو ملك البشر " في "أكاديميات الشيوخ الأربعة " بجدٍّ ، وصقل مؤسسة الداو الخاصة به بعد خمس سنوات ، وكانت عبارة عن "مرجل الحوامل الأربعة ". وهو الفرن القرباني الذي كان ملك البشر القديم يستخدمه لتقديم القرابين للسماء ، وكان يمتلك القدرة على تأمين ثروة البلاد ، بعبارة أخرى كانت مؤسسة خالدة.
كان "لي تشي " مثيراً للإعجاب وهو في الثامنة من عمره فقط ، وبعد عشر سنوات لم تعد رزانته وأناقته متصنعة. حيث كان يتمتع بطبيعةٍ هادئة وتأملية ، وكان الحديث معه يبعث على الانتعاش كنسمات الربيع ، كما كان وقاره وبصيرته آسرين حقاً.
حلَّ المساء ، وكانت الساحة الخلفية لمقر حاكم مقاطعة "تشويانغ " مضاءةً بوهجٍ ساطع ، حيث نُصبت مائدة طعامٍ ضخمة في وسط القاعة. جلس "لي تشي " في صدارة الطاولة ، يحيط به حاكم المقاطعة "سون " و "وي يوان " بينما جلس "فانغ خيتونغ " بجوار "وي يوان ". كما حضر المأدبة "رين يووي " مساعد الحاكم ، ورئيس السجلات ، و "وانغ ديلو " القائد العسكري ، والآخرون.
كان "فانغ خيتونغ " يحدق في المائدة المليئة بالشهية أمامه ، وقد اصفرَّ وجهه غضباً حتى إنه لم يستطع إخفاء مشاعره ، فبدا كالعنصر الغريب بين الضيوف. حافظ "وي يوان " مع ابتسامةٍ مهذبة وظل صامتاً في أغلب الوقت ، ولم يتحدث إلا عندما وُجه إليه سؤال.
أما "لي تشي " فكان الوحيد الذي تأقلم مع الأجواء "كالسمكة في الماء " وكان كل من يتحدث إليه يشعر بارتياحٍ كبير. لم يجلب "لي تشي " معه سوى فارسين ، تاركاً البقية في "قرية الرمال الطائرة " للمساعدة في الدفاع. و في الواقع كان هؤلاء الفرسان جنوداً من "تشي الجنوبية " وحراساً شخصيين لدوق "هويين " وهم أكثر نخبويةً من نظرائهم في "جين الغربية " وكانوا أكثر من قادرين على حماية القرية ؛ إذ حتى لو أرسل برابرة "لياو " ثلاث كتائب كاملة ، لما استطاعوا انتزاع روحٍ واحدة.
كانت سلامة القرية مضمونة ، وكانوا هنا لحل مسألة وضع الميليشيا ، لذا لم يشعر "وي يوان " بأي استعجال ، بل أخذ يراقب بدقة أقوال الجميع وأفعالهم ، مكرساً نفسه لتعلم طرق المسؤولين.
بعد لحظات ، دارت كؤوس النبيذ حول الطاولة. حيث كان الحاكم "سون " يقدم لضيوفه نبيذاً عالي الجودة قادراً على تعزيز ممارسة ممارسي "مؤسسة الداو " لذا كان قوياً للغاية. ثلاث كؤوسٍ فقط كانت كفيلة بجعل ممارس عادي يشعر ببعض الثمالة ، وبدأ الجميع -باستثناء لي تشي ووي يوان- يتعثرون في كلماتهم ويتصرفون بتكلُّفٍ أقل مما كان عليه الحال في البداية.
وبعد نخبٍ آخر ، فقد "فانغ خيتونغ " السيطرة أخيراً وضرب بكأسه المائدة بقوة ، مما أفزع الجميع. ورغم أنظار الحاضرين المسلطة عليه لم ينبس العالم ببنت شفة ، بينما كان صدره يعلو ويهبط ، والهواء الساخن يندفع من منخريه.
اغتنم "لي تشي " الفرصة وتحدث بابتسامة "الأخ فانغ رجلٌ يقلق على بلاده وشعبه لدرجة أنه ترك القلم وحمل السلاح ليقاتل برابرة لياو ؛ إنه قدوةٌ لكل العلماء. وبصفتي تلميذاً في أكاديميات الشيوخ الأربعة ، فأنا عالمٌ أيضاً ، وبطبيعة الحال أكنُّ احتراماً عميقاً لزميلي. إن مسألة الميليشيا المكونة من ثلاثمئة جندي ليست سوى أمرٍ تافه يا حاكم المقاطعة سون ، يمكنك إنهاؤها بإشارةٍ من يدك ، فلماذا لا تفعل ؟ "
وضع "سون تشاوين " كأس النبيذ وقال بجدية "ربما لا تعلم ذلك يا جنرال لي ، لكنها حقاً ليست مسألة تافهة ". قبل مغادرة "لي تشي " إلى ساحة المعركة ، استخدم خلفية والده ليحصل على منصب نائب جنرال في "تشي الجنوبية ". كانت الولايات التسع لـ "تشانغ العظيمة " تتشارك النظام الإداري نفسه تقريباً ، ولهذا خاطبه "سون تشاوين " بـ "الجنرال لي ".
لم يعد هناك مجال للتراجع ، لذا ألقى "سون تشاوين " بكل حذره عرض الحائط وانطلق في شكوى طويلة "أقسم ، هذا البغل العنيد… بمجرد وصوله إلى تشويانغ وسماعه بعض الشائعات حول الاختلاس عبر الوظائف الشاغرة ، وقبل حتى الحصول على أي دليلٍ حقيقي ، أرسل خطاباً مباشراً إلى مسؤول المقاطعة ، وهو عضو في عشيرة لو. وبما أنه تسلَّم منصبه قبل عامٍ واحد ، فهو عازمٌ على تغيير لقب مقاطعة بيانينغ من هسو إلى لو ".
"لقد كان مسؤول المقاطعة لو يبحث عن نقطة ضعف الجنرال لياو دون جدوى. و في ذلك الوقت كانت الحرب على وشك البدء ، وكان الجنرال لياو قد فعل كل ما يلزم لنقل نفسه إلى الخطوط الخلفية. ثم جاء أحدهم وقدم له سكيناً في لحظة حرجة. فلم يكن هناك سببٌ يجعل المسؤول لو يرفضها ، فقام بتضخيم الأمر ورفض أمر نقل الجنرال ، مسمراً إياه في الخطوط الأمامية. هل ترى الآن لماذا يكره الجنرال لياو هذا الشخص حتى النخاع ؟ "
لم ينبس "لي تشي " بكلمة ، واكتفى بالاستماع. سدَّد "سون تشاوين " نظرة غاضبة ومستاءة إلى "فانغ خيتونغ " قبل أن يتابع "بالحديث عن ذلك طلب مني هذا البغل العنيد تزويده بالأدلة بعد فشله في الحصول على إثبات لجرائم الجنرال لياو. هناك مشكلة صغيرة في هذا الطلب – أنا لا أملك أياً منها! ونتيجة لذلك كتب خطاباً آخر لمسؤول المقاطعة ونعتني بالشريك! وعلى عكس الجنرال لياو ، أنا لا أملك خلفيةً قوية ، لذا وبَّخني المسؤول بشدة وكاد يعزلني من منصبي! "
"لحسن حظي لم يعتقد في نهاية المطاف أنني جزءٌ من فصيل هسو ، وما زلت مفيداً له إلى حد ما. لذا أمرني بحراسة تشويانغ حتى الموت للتكفير عن خطاياي ، وإذا سقطت المقاطعة ، فسيكون رأسي هو الثمن ".
بينما كان "سون تشاوين " يفوح برائحة الكحول ووجهه محمرٌّ من الغضب ، أشار بإصبعه نحو أنف "فانغ خيتونغ " وبدأ يصرخ "فانغ خيتونغ! لقد كنا رفيقين في الطائفة لعقدين من الزمان ، أليس كذلك ؟ من الذي اعتنى بك عندما انضممت للأكاديمية لأول مرة ؟ من الذي سهر على راحتك لسبعة أيام وليالٍ عندما أصبت بمرضٍ شديد وأنت في العاشرة من عمرك ؟ عندما دخلت الخدمة المدنية لأول مرة ، غيرت اسمي من سون تشنجليو إلى سون تشاوين. إنها مسألة بسيطة ، ومع ذلك تجرؤ على التنديد بي من خلال مقالاتك! ثم بعد أن تمكنت أخيراً من الارتقاء في الرتب ، دمرت مسيرتي المهنية بخطابٍ واحد! عشرون عاماً من الصداقة ، أهكذا ترد الجميل ؟! "
ذهل "وي يوان " و "لي تشي " ؛ فلم يكونا يعلمان أن "سون تشاوين " و "فانغ خيتونغ " كانا رفيقين في "أكاديمية القيقب الأبيض ".
رفع "فانغ خيتونغ " رأسه وأجاب دون تردد "المعروف الصغير يجب أن يذعن لمسائل المبدأ! لقد ادعيت أنك لا تملك أدلة – ها! هل تحاول إقناعي بجدية أن أجور الموظفين المدنيين غير الموجودين لا تمر عبر مقر المقاطعة ، وأنك لا تحصل على حصة من هذا الاختلاس ؟ من تظن أنك تخدع ؟ ربما كنت قد امتنعت عن اتخاذ إجراء ، لكن هذا لا يعني أنني أحمق! لو أعطيتني الأدلة حينها ، لما تجاهلت علاقاتنا السابقة وكتبت ذلك الخطاب الثاني لمسؤول المقاطعة! "
انفجر "سون تشاوين " غاضباً "نصف المناصب فقط هي مناصب وهمية ، وتسمي ذلك اختلاساً عبر وظائف شاغرة ؟! حرفياً كل منطقة أخرى تفتقد إلى ما لا يقل عن سبعين أو ثمانين بالمئة من موظفيها المدنيين! و لماذا لا تتهمهم بدلاً مني ؟! "
– "لم أكن أعلم ، لذا لم أستطع اتخاذ إجراء ".
عندما لاحظ "لي تشي " أن النقاش بدأ يخرج عن السيطرة ، تدخل وهو يرفع كأسه "لم أكن أعلم أن الحاكم سون والأخ فانغ يعرفان بعضهما البعض! من الطبيعي للعلماء أن يختلفوا في الأيديولوجيات ، أليس كذلك ؟ حتى حكمة الشيوخ القدماء لها تفسيرات مختلفة. لا يمكننا مقارنة أنفسنا بهؤلاء الشيوخ ، لذا فإن بعض الاختلاف في الرأي أمرٌ طبيعي. ولكن مهما حدث ، فنحن جميعاً متحدون في مقاومة برابرة لياو ، أليس كذلك ؟ تعالوا ، لنشرب! "
قد يكون الأمر مقبولاً لو جاء النخب من "سون تشاوين " لكن "فانغ خيتونغ " لم يستطع رفض نخبٍ من "لي تشي ". فرغم كونه ابن دوقٍ من "تشي الجنوبية " فقد جاء هذا الشاب إلى الخطوط الأمامية لـ "جين الغربية " ليقاتل برابرة "لياو ". وهذا القرار وحده يستحق التقدير.
بعد شرب النخب ، سأل "لي تشي " "لماذا لا يحضر الجنرال لياو ؟ "
رغم أن "لياو جينغو " لم يكن متورطاً في إدارة "تشويانغ " إلا أن هذه كانت منطقته الدفاعية. وبما أن الحاكم "سون " كان يستضيف "لي تشي " فمن المنطقي أن يحضر المأدبة ، وإلا اعتبر ذلك إخلالاً باللياقة.
أجاب "سون تشاوين " دون انفعال "الجنرال لياو رجلٌ ذو مكانةٍ نبيلة ، لذا فهو عادةً لا يشرف المآدب التي يستضيفها صغار المسؤولين أمثالنا. ففي النهاية ، زوجته الأولى تحمل لقب هسو ؛ لقب عشيرة هسو المرموقة ".
"فهمت ". أومأ "لي تشي " برأسه والتفت لينظر إلى "وي يوان " "يبدو أن هناك من يزدرينا يا أخ وي! "
ما الذي كان بوسع "وي يوان " قوله ؟ فقد طُرِد أساساً من معسكر ذلك الرجل في وقت سابق من الظهيرة.