كانت الأنظارُ جميعُها شاخصةً نحو البطل ؛ ذلك الذي حاز المجد والثراء وظفر بقلب الجميلة. أما أولئك المرتزقة من الطبقات الدنيا الذين قضوا في المعارك دون أن يُذكر لهم اسمٌ أو يُحفظ لهم أثر ، فمن ذا الذي يلقي لهم بالاً أو يكترث لأمرهم ؟
لم تكن قصص الرومانسية يوماً سوى أوهامٍ لا تمتّ لواقع هؤلاء المرتزقة والمغامرين بصلة ، ولا صلة تجمع بين حياة هؤلاء وبين أبطال حكايات المنشدين الجوالين.
إنَّ السواد الأعظم من المرتزقة المغمورين كانوا إما يلقون حتفهم في غمار مهامهم ، أو تطيح برؤوسهم سيوف اللصوص المتربصين في البراري ، أو تنهش أجسادهم الوحوش الضارية ، فيغيب ذكرهم وتُنسى أسماؤهم وكأنهم لم يكونوا.
أما أكثرهم حظاً ، فكان يفلح في ادخار بعض النقود ، فيشتري بها فداناً قاحلاً في أطراف الريف ، يقضي فيه ما بقي من عمره جريحاً معلولاً ، يقتات على تعليم الناشئة أو تزكية "المتدربين " لدى فيالق المرتزقة.
هل تظن حقاً أن هؤلاء المرتزقة يتمتعون بطبيعة سخية تدفعهم لتبذير أموالهم في الحانات أو إنفاق آخر قرش في جيوبهم على غانيات الطرقات ؟
أليس سبب ذلك أن مهنتهم محفوفة بالمخاطر ؟ لا سيما أولئك الذين يعيشون حياة "يوم بيوم " ؛ حيث لا يضمن أحدهم أن يرى شروق شمس الغد. فما يكدّون في جمعه من مال يضيع سدىً قبل أن يبلغوا سن التقاعد ، فيلفظون أنفاسهم الأخيرة في مكان ناءٍ من العالم.
لذا بات الشعار المعتاد "أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب ، واسكر اليوم فغداً مجهول ".
إن حياة المرتزقة في نظرهم لم تكن يوماً قصيدةً رومانسية ، بل كانت واقعاً مريراً وقاسياً.
مع ذلك يظلُّ العمل كمرتزق أفضل حالاً بكثير من أولئك المتدربين الذين يكدّون في الحقول عاماً كاملاً ، ومع ذلك لا يجدون ما يسدُّ رمقهم. فالفلاح يضطر لتسليم سبعة أو ثمانية أعشار حصاده إلى السيد ، وحتى ما يتبقى له لا يضمن أن يملأ بطنه ، ولا في أخصب الأعوام وأغناها ؛ فأغلبهم يعيش على حافة الهلاك ، يجرّون ذيول حياةٍ شاقة.
بينما المرتزقة ، على الأقل ، يجدون خبزاً أسود يملأ بطونهم في كل وجبة ، ويظفرون ببعض اللحم من صيد البراري ، مما يضعهم في مرتبة أفضل من أغنى طبقات المتدربين.
لكنهم ينالون هذا مقابل المخاطرة بأرواحهم.
الآن ، إذا جاءهم من يخبرهم أن في بلاد الجنوب ، لا تزيد ضرائب الفلاحة عن عشر المحصول ، ويترك الباقي للمزارع ، فكيف لا تجنّ عقولهم لسماع مثل هذا الخبر ؟
وإن كان الأمر كذلك فإن إلقاء السلاح ليصبحوا من الفلاحة ويفلحوا الأرض ليس أمراً مرفوضاً ؛ فعلى الأقل سيزول ذلك القلق من أن ينتهي بهم المطاف جثثاً متعفنة في العراء.
لقد تملكت هذه الفكرة المرتزقة من الطبقات الدنيا ، ناهيك عن غيرهم ؛ فقد كان المتدربون المتجمهرون في الأطراف أكثر اضطراباً واندفاعاً.
"سيدي ، هل هذا حقيقي ؟ هل تفرض بلاد الجنوب ضريبة العشر فقط ؟ "
انطلقت صيحات التعجب داخل الحانة ، وتدافع الجميع بحماس ، يهمّون بالاقتراب من المنشد لاستقاء أخبار أكثر دقة.
ولكن في تلك اللحظة ، تعالت صرخة من خارج الحانة:
"خبرٌ مشؤوم! الملك يعلن النفير العام! يقول الملك: كلُّ رجلٍ قادرٍ على حمل السلاح ملزمٌ بالمشاركة في حملة الدفاع عن الوطن. البرلمان على وشك فرض التجنيد الإجباري في البلاد كافة ، وكل المتسكعين العاطلين في البلدات ، والمغامرين ، والمرتزقة ، وحتى المتدربين والأحرار ، مدرجون في قائمة التجنيد! "
"رجال جيش البلدة قادمون للقبض على الناس! "
ومع تلاشي أصوات النداء الممتد في الأفق ، خيم الصمت المطبق على أرجاء الحانة.
وما هي إلا لحظة حتى دوّى صخبٌ عظيم!
سرت الفوضى بين الحاضرين كأنهم ذبابٌ بلا رؤوس ، يفرّون مذعورين في كل اتجاه. أما المنشد الذي كان يجلس عند الطاولة ، فقد غادر مسرعاً مطأطئ الرأس وعليه علامات الفزع.
في الأفق ، اقترب وقع أقدامٍ متسارعة ؛ لقد كان جنود البلدة قد بدؤوا التحرك!
أكد ذلك صدق النبأ ، فصارت شوارع البلدة تضج بالذعر ، وازداد الناس اضطراباً وتشتتاً ، بينما سارع السكان لإغلاق أبوابهم ونوافذهم ، ترتجف أيديهم من شدة الخوف.
في "تنزانيا " لم يكن هذا النفير العام هو الأول من نوعه ؛ فقبل بضع سنوات ، وفي خضم الحرب الضروس ضد العدو ، مزّق ملك تنزانيا كل الأعراف والقوانين ، وشنّ عملية تجنيد واسعة النطاق شملت البلاد بأسرها.
حيث أُجبر المتدربون من أراضي النبلاء ، مسلحين بمذاري الحقول ، على التوجه إلى ميادين القتال ، بينما قُبض قسراً على المتسكعين والمشردين من المدن ، وحتى معظم المغامرين والمرتزقة ، وأُرسلوا جميعاً إلى خطوط المواجهة الأمامية.
وبعد انقشاع غبار المعركة ، تحققت الغلبة ، وهزمت دوقية تنزانيا جيش العدو في ضربة واحدة ، واستردت كافة أراضيها المحتلة.
ومع ذلك لم يعد من أولئك المجندين قسراً سوى عُشرهم أو أقل!
كانت الخسائر فادحة ، وبعد الحرب ، خيّم الحداد على كل بيت!
لقد قضى معظمهم ، وغدوا مجرد "حطبٍ لنيران الحرب " يُستهلك لسحق إمدادات العدو ، أما الناجون فلم يجرؤوا قط على تذكر تلك الحرب الكابوسية.
لقد خلف ذلك غضباً عارماً بين عامة الشعب في تنزانيا ، ومع مرور الأعوام ، تحولت ذكريات تلك الحرب في مخيلة الناس إلى مسلخٍ رهيب.
لذا وما إن سرت أنباء التجنيد الوطني مجدداً حتى اصفرّت الوجوه ، وفرّ الناس من البلدة الصغيرة التي كانت تضج بالحياة قبل قليل ، وانتشر الجنود في الشوارع ، وخلت الطرقات من المارة ، وكسدت الأسواق....
لم يقتصر التجنيد على دوقية تنزانيا فحسب.
في تلك الآونة ، وفي أي بلدٍ يتاخم الحدود أو يقع قرب "سور الحدود العظيم " المحاذي لدوقيات "فراندي " و "النسر الذهبي " و "أولان " حبست الطبقة الحاكمة أنفاسها.
كان ذلك بسبب الهجوم الخاطف لجيش "التنين الأزرق " الذي بثّ رعباً لا يوصف.
ففي غضون نصف شهر ، محا هذا الجيش ثلاث دولٍ كانت تتمتع بقوة وطنية لا يستهان بها ، مما زرع في قلوب الحكام المجاورين خوفاً عميقاً.
هذا الخوف يفوق ما قد تدركه عقول العامة.
لا سيما ملك تنزانيا الذي كان يرى في منامه جيش "التنين الأزرق " يأسره ، وذلك بمجرد سماعه للأنباء الأولى في تلك الأيام.
هذا الكابوس تحديداً هو ما دفع ملك تنزانيا لتجاهل كل الآراء المعارضة ، والمضي قدماً في إعلان نفيرٍ عامٍ جديد غير عابئٍ بأي عواقب.
أما الدول الأخرى ، وإن لم تكن ردود أفعالها بحدة دوقية تنزانيا ، فلم تكن بعيدة عن ذلك النهج.
فباستثناء دوقيةٍ معينة تعاني من تمردٍ داخلي ، اتخذت الدول الأخرى سياسات الحرب ، مواجهةً خطر الفناء ، ومستنفرةً كل موارد الدولة ، وناشرةً قواتٍ ضخمة على الحدود ، ومرسلةً جحافل من الكشافة النخبة واللصوص لمراقبة تحركات جيش مملكة "التنين الأزرق " فكانت كل حركةٍ يقوم بها الخصم تدفعهم إلى حافة الانهيار.
في الوقت ذاته كان مجلس النبلاء في العاصمة ينعقد يومياً ، والملك يجلس على عرشه غارقاً في همومه ، يسأل وزراءه عن الخطط ، ويجري لقاءات مكثفة مع السفراء الأجانب للتفاوض على شروط المعاهدات ، في محاولةٍ لمواجهة أمة "الوحوش " القادمة من الجنوب بكل جبروتها.