الفصل الثاني: الفصل الأول - اليقظة
اتكأت «يي تشيتشيو» على الجدار بلامبالاة ، وأشارت إلى «تشو شيشنغ» قائلة "هل أحضرت ما اتفقنا عليه ؟ "
سارع «تشو شيشنغ» بإخراج صرة النقود من تحت كمه وناولها إياها ؛ ورغم اضطراب قلبه ، حافظ على ثبات ملامحه قائلاً "يا مدربتي ، هذه هدية متواضعة لا تفي حق قدرك ، لكنني آمل أن تقبليها بابتسامة ".
لم تُبدِ «يي تشيتشيو» اهتماماً وهي تأخذ الصرة وتزنها بيديها ، وما إن فعلت حتى تقطّب حاجباها ، وتلاشت لذة رغيف الخبز الذي كان تمضغه في فمها "لماذا هذا القدر الضئيل فقط ؟ "
لم يكن في الصرة سوى ثمانين تيلة من "فضة الشياطين ".
قالت بضيق ونبرة تشي بصداعٍ خفيف "هذا يضعني في موقف عصيب. أنت لم تتقن فن 'سيف ملاحقة الرياح ' بعد ، ولا سبيل أمامك سوى الحصول على استثناء. و لكن حتى الاستثناء له شروط ؛ فموهبتك في السيف مقبولة ، لكن بنيتك الجسديه واهنة للغاية. وفوق ذلك لا يوجد سوى خمسين مقعداً للاستثناء ، وهناك الكثير من العيون في 'شيوشوي ' تترقب هذه الفرصة ".
بدا الحرج على وجه «تشو شيشنغ» ، وأدرك أن حجته واهية.
عادة ما كانت ثمانون تيلة من "فضة الشياطين " تكفي لتسيير أمور أكاديمية الفنون القتالية ، لكن قبل شهر تمت ترقية "قاعة شينغيانغ للفنون القتالية " لتصبح أكاديمية رسمية في مقاطعة «شيوشوي». ومنذ ذلك الحين ، أصبح بإمكان جميع التلاميذ المخلصين الذين يتخرجون الحصول مباشرة على رتبة عسكرية من الدرجة الثامنة في "جيش دانينغ ".
وبما أن "قاعة شينغيانغ " تعد فرعاً من "طائفة الإله اللامتناهي " -إحدى الطوائف الخالدة الست العظمى- فقد كانت مقاعد تلاميذ الطائفة الداخلية محدودة دائماً. والآن ، وبعد أن أُضفي عليها الطابع الرسمي ، تضاعفت تكاليف مقاعد الاستثناء وما يُعرف بـ "رسوم القواعد " بشكل جنوني.
وفي ظل ظروفه المالية الضيقة لم يجد «تشو شيشنغ» بدّاً من التملق والمراوغة "أعلم أنها قليلة ، لكنني سأقوم ببعض مهام المرافقة الإضافية الشهر القادم. أرجوكِ يا مدربتي ، سأصطحب المعلمين إلى 'نُزل التنين الثمل ' لشراب طيب. أما الآن ، فأرجو أن تقدري شدة رغبتي في التعلم ، وأن تغضي الطرف عن هذا النقص هذه المرة! "
"نُزل التنين الثمل ؟ "
بمجرد سماع هذه الكلمات الثلاث ، خُيّل لـ «يي تشيتشيو» أنها تشم رائحة الخمر القوية المنبعثة من ذلك النُزل. تلمظت بشفتيها ، وشعرت أن الخبز في فمها بات بلا طعم.
ورأت «تشو شيشنغ» ترددها ، فداخله شعور بالأمل. فقد كانت المدربة «يي» معروفة بظاهرها القاسي وقلبها الرحيم ، لذا قرر أن يبالغ قليلاً في إظهار بؤسه "يا مدربتي أنتِ تعرفين وضع عائلتي. و أنا عليل وأعيش وحيداً في مدينة «شيوشوي» ، ولدي الأخت الصغيرة أعيلها. لم أستطع جمع سوى هذا المبلغ حالياً. أرجوكِ ساعديني! أعدكِ أن أصنع اسماً لنفسي في المستقبل وأجلب لكِ الفخر! "
تمتمت «يي تشيتشيو» من بين أسنانها "وها هو يعيد الكرّة ثانية ".
ألقت ما تبقى من خبزها لكلبٍ قريب ، وأخذت تتأمل «تشو شيشنغ» من رأسه حتى أخمص قدميه. حيث كان الشاب في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره ، يرتدي ثوباً قطنياً أبيض بسيطاً ، بقامة ممشوقة وملامح وسيمة بارزة. وأكثر ما كان لا يُنسى في وجهه هو عينيه المحنتين اللتين تشبهان عيني طائر العنقاء ، واللتين تبدوان وكأنهما تحملان أثراً من المرح حتى حين لا يبتسم.
ومن الغريب أن بشرته كانت شاحبة لدرجة الشفافية ، خالية من أي احمرار. و هذا المظهر العليل لم يزدها إلا تعاطفاً معه.
انعكس في عيني «يي تشيتشيو» شيء من الذكريات ؛ فملامح «تشو شيشنغ» ذكرتها بشقيقها الأصغر الذي وافته المنية في ريعان شبابه. حدثت نفسها بأن هذا الشاب ، وإن لم يتقن فن السيف تماماً إلا أن موهبته ملفتة. وبما أن الشقيقين يعانيان من اعتلال الصحة ويكافحان لتأمين قوتهما في مدينة «شيوشوي» ، فلا بد أن «تشو شيشنغ» قد بذل كل ما يملك ليوفر مبلغ اليوم.
كبتت «يي تشيتشيو» عواطفها ، والتفتت تسير نحو الطرف الشمالي من ساحة التدريب.
"حسناً ، نظراً لأنك تجيد إنجاز الأمور وتفهم القواعد عادةً ، سأساعدك هذه المرة. سأغطي تكاليفك حالياً ، على أن تعيدها لي في غضون شهر ، ولا تنسَ وعدك بشأن 'نُزل التنين الثمل '— "
ابتسم «تشو شيشنغ» ابتسامة خفيفة وسارع للحاق بها.
وعلى طول الطريق كان العديد من المواطنين وتلاميذ الأكاديمية يحيّون «يي تشيتشيو» باحترام ، بوجوه وقورة وطباع غاية في التهذيب. فلم يكن ذلك مفاجئاً لـ «تشو شيشنغ» ؛ فـ «يي تشيتشيو» قد جاءت من "جيش السلام الشمالي " في «دانينغ» ، وقبل عام ، تقاعدت من الخدمة العسكرية بسبب إصابة لتعمل في الأكاديمية. وخلال عامها في التدريب ، نالت شهرة واسعة بفضل نزاهتها وطيبة قلبها.
فضلاً عن ذلك فإن "جيش السلام الشمالي " يحمي الأراضي الشمالية لـ «دانينغ» ، ويحافظ على انضباط صارم وسمعة مهيبة. وكان مواطنو مدينة «شيوشوي» يشعرون دائماً بالامتنان لحماية هذا الجيش ، لذا أظهروا بطبيعة الحال احتراماً كبيراً لـ «يي تشيتشيو» الحائزة على أوسمة رفيعة.
وصلوا قريباً إلى الطرف الشمالي من ساحة التدريب ، أمام منصة مرتفعة مبنية من الحجر الأخضر.
نظر «تشو شيشنغ» لأعلى ، فلم يرَ مجموعة من سادة الفنون القتالية متوسطي العمر يرتدون أثواباً حريرية على المنصة فحسب ، بل رأى أيضاً أكثر من عشرة قادة عسكريين يرتدون الدروع ، وستة مسؤولين مدنيين بملابس خضراء يجلسون إلى جانبهم.
وفي المركز ، جلس رجل في الأربعينيات من عمره ، بملامح مميزة ولحية وشعر مجعد كثيف ، على كرسي "تايشي ". كانت عيناه الحادتان تمسحان المكان كعيني نمر ، محيطاً به هيبة القائد.
"انتظر هنا! " أمرت «يي تشيتشيو» قبل أن تصعد إلى المنصة ، وتؤدي انحناءة احترام للرجل الذي يتوسط المجلس.
"يا سيد الطائفة! أرغب في ترشيح شخص للانضمام للطائفة الداخلية ، أرجو أن تمنحه استثناءً. "
"استثناء ؟ " فتح سيد "قاعة شينغيانغ للفنون القتالية " المدعو «لي يوان» ، عينيه ببطء "من هذا الشخص ؟ وما سبب الاستثناء ؟ "
رفعت «يي تشيتشيو» قبضتيها بتحية واثقة "يا سيد الطائفة ، هذا التلميذ المدعو «تشو شيشنغ» يمتلك بنية عظمية ممتازة وقدرة استيعاب استثنائية ، وهو مرشح مثالي للممارسة القتالية. و لكنه صغير السن وبدأ تدريبه متأخراً نسبياً ، ولم يتقن بعد 'سيف ملاحقة الرياح ' ، لذا لا يمكنه اجتياز اختبار التلاميذ الخارجيين. لا أريد أن أضيع مثل هذه الموهبة ، لذا أطلب منكم السماح له باستثناء. "
بعد أن استمع إليها ، ظل «لي يوان» صامتاً دون إبداء رأي "أين هذا التلميذ ؟ دعه يصعد إلى المنصة لأراه. "
في تلك اللحظة لم تتوجه أبصار سادة الفنون القتالية والمسؤولين على المنصة للأسفل فحسب ، بل اتجهت أنظار تلاميذ الأكاديمية والمارة إلى الأسفل أيضاً نحو «تشو شيشنغ».
شد «تشو شيشنغ» من عزمه وصعد إلى المنصة بثبات ، ثم انحنى أمام السيد «لي يوان» قائلاً "التلميذ يحيي سيد الطائفة! "