الفصل الثالث والعشرون: الشخص المُلَفَّف
دون الحاجة إلى توجيهٍ من "تشين وو " هز "مطر الدم " ريشه وأطلق "سهام الريش ". كانت تلك السهام بمنزلة هجومٍ واسع النطاق ؛ ورغم كونها ضرباتٍ بعيدة المدى إلا أن قوتها كانت ضئيلة نسبياً ، وهدفها الأساسي استنزاف طاقة الخصم في المعارك الجماعية. وأمام أعداءٍ يفوقون "مطر الدم " قوةً بمراحل لم تكن هذه الاستراتيجيه لتجدي نفعاً أكثر من إحداث خدوشٍ طفيفةٍ أو إنهاكٍ تدريجي لقدرة الخصم على التحمل.
لم يملك "تشين وو " في ظل غياب استراتيجية أفضل ، سوى توجيه "مطر الدم " للهجوم بحذر حتى يتقن مهارةً أكثر فتكاً من النوع الهوائي ؛ فقدرة الوحوش الشيطانية من النوع النباتي على التقييد كانت هائلةً للغاية. وإذا ما وقع المرء في شباك وحشٍ نباتي دون وسيلة هروبٍ قوية ، فغالباً ما يكون المصير محتوماً. وبما أنه كان يفضل إلحاق أقل قدرٍ من الضرر لم يرغب "تشين وو " في المخاطرة بـ "مطر الدم " عبر السماح له بالتحليق على ارتفاعٍ منخفضٍ جداً.
أما "شيطان الزهرة الوهمي " الذي كان يتخفى ساكناً في البداية ، فقد استشاط غضباً حين مزقت سهام "مطر الدم " جذوره وأحدثت ثقباً في برعمه الضخم. و انطلقت جذوره الكثيرة -التي كانت بسُمك أصابع اليد- من الأرض في هجومٍ محمومٍ نحو السماء ، لكنها لم تستطع تجاوز ستة أمتار ، فعجزت عن بلوغ "عقاب الريش الحديدي " الذي كان يحلق بحريةٍ في الأعلى. وبدلاً من ذلك صار لزاماً عليها تلقي هجمات "مطر الدم " الكاسحة ، مما أدى إلى تقطيع أجزاءٍ كبيرةٍ منها.
أمر "تشين وو " قائلاً "يا مطر الدم ، نفذ ضربة الصقر ، واستخدم المخالب الحديدية لسحق برعمه! " وذلك بعد أن أضحت الجذور ممزقةً وعجزت عن التجدد في الوقت المناسب.
غلف تدفقٌ هوائي "مطر الدم " مما ضاعف من سرعته ، فانقضّ كالرمح نحو قلب "شيطان الزهرة الوهمي ". حطمت مخالبه الحديدية الضخمة البرعم بعنف ، لتتطاير عصارةٌ خضراء كالشظايا ، وينبعث عطرٌ أقوى وأكثر حدةً جعل "مطر الدم " يترنح قليلاً. حيث كان من المعلوم أن "شيطان الزهرة الوهمي " يخزن حبوب اللقاح داخل كيس الزهرة للصيد والدفاع عن النفس ، والأهم من ذلك لتكاثر نسله. و لقد كانت ضربة "مطر الدم " بمثابة طعنةٍ نافذةٍ في مقتلٍ لهذا الكائن!
وفي نوبة غضبٍ عارمة ، راح "شيطان الزهرة الوهمي " يتخبط بجذوره الكثيفة ، محاولاً يائساً الإيقاع بمخالب "مطر الدم ".
صاح "تشين وو " "يا مطر الدم ، زِد من سرعتك! "
فاق تسارع "مطر الدم " قدرة الشيطان على الملاحقة ، خاصةً مع تعاظم قوة "ضربة الصقر ". انطلق الطائر نحو عنان السماء ، وطوال دقيقةٍ كاملةٍ من التسارع لم يتمكن "شيطان الزهرة الوهمي " حتى من ملامسة ريشه. وبغض النظر عن مدى صلابة هذا الكائن على الأرض ، فقد تفوق عليه خصمه الجوي تماماً ؛ إذ مزقت سهام الريش سيقانه إرباً ، وبعد أن فقد القدرة على الرد ، قضي عليه تماماً بهجمةٍ أخرى من "مطر الدم ".
راقب "تشين وو " الحفرة الصغيرة التي كانت تخرج منها جذور الشيطان ، وشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. فبعد اقتلاع الجذور ، تشكلت بركةٌ صغيرةٌ من الدماء ، وانبعثت منها رائحةٌ نفاذة ، وداخل تلك الدماء كان هناك هيكلٌ عظميٌ متحللٌ جزئياً وكريه الرائحة ، بدا وكأنه لحيوانٍ صغير. التقطت مخالب "مطر الدم " "جوهر بلوري " أخضر داكناً من بين الجذور ، ووضعته بحماسٍ عند قدمي "تشين وو ". لقد كان جوهراً بلورياً لوحشٍ شيطانيٍ من النوع النباتي من الدرجة الرابعة ؛ وهو كنزٌ لا يقدر بثمن! لقد بذل "مطر الدم " قصارى جهده لهزيمة هذا الوحش.
قال "تشين وو " "يا مطر الدم ، لقد أبليت بلاءً حسناً. اذهب واسترح الآن ".
أعاد "تشين وو " طائره إلى "فضاء الوحوش الشيطانية " ووضع الجوهر الكريستالي في خاتم الفراغ خاصته ، مدركاً قيمته العظيمة. وفجأةً ، لمع في ذهنه خاطر "مهلاً ، ما هذا ؟ أهو كهف ؟ ". لاحظ "تشين وو " فتحةً صغيرةً مظلمةً بارتفاع نصف قامة إنسان عند قاعدة الجرف حيث كان "شيطان الزهرة الوهمي " قابعاً ، وكانت الفتحة تمتد متعرجةً إلى أعماق الأرض.
قبض "تشين وو " على نصله الطويل واقترب بحذر ، مستعداً لإلقاء "سجن ضوء الأرض " عند أول بادرة خطر. حيث كان الكهف يمتد لثلاثة أو أربعة أمتار ، ويضم ثلاث جثثٍ بشريةٍ ملفوفةٍ بالجذور كالمومياوات ؛ ومن المرجح أنها فرائس خزنها "شيطان الزهرة الوهمي ". قطع "تشين وو " الجذور القاسية التي تغلف المومياء الأولى ، ليكشف عن جسد خنزيرٍ بريٍ سليم. والمدهش أن الخنزير كان ما زال حياً ، يلهث طلباً للهواء لكنه بلا أي رد فعل ، وكأنه خضع باستمرارٍ لمسحوق "شيطان الزهرة " المهلوس والمخدر.
أنهى "تشين وو " حياة الخنزير بضربةٍ واحدةٍ من نصله ، وبدأ الأمل يلوح في قلبه "يبدو أن شيطان الزهرة يتجنب قتل فرائسه مباشرةً ، ويفضل إغراقها في الهلوسة وتخزينها حيةً لتفادي تعفنها. وبالنظر إلى بركة الدماء الموجودة تحته ، يبدو أن الشيطان لا يعاني نقصاً في الطعام ، وهذا يفسر قدرته على إبقاء ضحاياه أحياء! فربما ما زال العم تشين على قيد الحياة! "
في غمرة حماسه ، أزاح "تشين وو " ذبيحة الخنزير جانباً ، ومضى يقطع جذور المومياء الثانية ، ليكشف عن حصانٍ بوقٍ صغير. تُعرف خيول البوق بطبيعتها الأليفة ، وهي وحوشٌ شيطانيةٌ عاشبةٌ تتمتع بقدرةٍ كبيرةٍ على التحمل لكن قدراتها القتالية محدودة ، وهي خيارٌ شائعٌ كامتطاءٍ للعربات الفاخرة لدى كبار "مدربي الوحوش الشيطانية " الذين يتباهون بترويضها. ورغم إدراكه لقيمتها ، فقد ألقى بها "تشين وو " جانباً.
أما المومياء الأخيرة ، فقد كشفت عن وجهٍ شاحبٍ كوجه الموتى ؛ إنه "تشين غوانغ "! تفحص "تشين وو " تنفسه ، فوجده ضعيفاً ولكنه موجود ؛ إنها علامة الحياة! سرعان ما قطع الجذور التي تقيد "تشين غوانغ " وأضجعه أرضاً ، ثم أطعمه حبةً للشفاء وحبةً لاستعادة القوة من خاتم الفراغ خاصته.
كان "تشين غوانغ " ضعيفاً وهزيلاً ، وبعد بعض الإسعافات الأولية تمكن من فتح عينيه قليلاً ، وتمتم "أنا... لا بد أنني أحلم... هل أنت... هل أنت الصغير وو ؟ ". غمرت المشاعر "تشين وو " فأمسك بيده بإحكامٍ وقال "أنا هو ، يا عم تشين. و لقد جئت لإنقاذك. احتفظ بقوتك ؛ سأخرجك من هنا فوراً! ".
وفي غضون ذلك كان حصان البوق قد استيقظ. ورغم حالته الضعيفة تمكن من الوقوف ، وهو ينظر إلى "تشين وو " بمزيجٍ من الخوف والحيرة. عرض "تشين وو " عليه حبةً لاستعادة القوة ، رفضها الحصان في البداية ، لكن بعد أن استدعى "تشين وو " طائره "مطر الدم " لفرض الهيمنة ، امتثل الحصان وهدأ روعه.
بعد أن استعاد بعض قوته تمكن "تشين وو " من المشي وإن كان بصعوبة. حمل "تشين غوانغ " على ظهر الحصان وربطه بحبلٍ حول عنق الحيوان. قاد "تشين وو " الحصان ، وعاد أدراجه مسرعاً نحو القرية. حيث كان "تشين وو " يدرك قصور خبرته في الأمور الطبية ، ويعلم أن سلامة "تشين غوانغ " لا يضمنها إلا صيادو القرية المهرة.
سارت رحلة العودة بسلاسة. وعند اقترابهما من بركة "تماسيح مستنقع السم " ارتجف الحصان ذعراً. وبضربةٍ سريعةٍ على مؤخرته ، حثه "تشين وو " على الركض ، ملتفاً حول البركة. ومن المثير للدهشة أن تماسيح المستنقع التي عرفت "تشين وو " امتنعت عن الظهور. و حيث بقيت غارقةً في المياه الموحلة ، مما سمح لـ "تشين وو " بإيصال عمه إلى الصيادين المنتظرين عند حافة الغابة دون أي حادثٍ يذكر.