الفصل التاسع: يومٌ جديد ، وزبونٌ جديد
بدأت خيوط الضياء الأولى ترسم في الأفق ألواناً من البرتقالي والأحمر ، وتتسلل عبر النوافذ المسحورة لـ "متجر الراحة الإلهي ". وفي الخارج كانت نسمات الصباح الباردة تتلاعب بأوراق الأشجار ، حاملةً معها همساتٍ تُبشّر بمطلعِ يومٍ جديد.
غير بعيدٍ عن مدخل المتجر ، اقتربت هيئةٌ ترتدي ثياباً رثّة أنهكها السفر. حيث كان يمشي بخطواتٍ متسارعة ، وتفوح من تقاسيم وجهه علامات التوتر ، وكأن أشباحاً تلاحقه طوال ليلته. ظلّ يلتفت خلفه بين الحين والآخر ، وكأنه يخشى أن يكون هناك من ما زال يقتفي أثره ليظفر به.
كان الرجل ، ويدعى "شوه روي " مزارعاً من المستوى المتوسط ينتمي لطائفة "الوادى القرمزي ". كان شحوب وجهه بادياً للعيان ، وأنفاسه تخرج متلاحقةً بصعوبة. وبينما كانت عيناه تجولان في المكان بارتياب ، قبض بيدٍ مرتعشة على صدره ، حيث كان ضوءٌ قرمزي خافت ينبض من تحت ثيابه ؛ لقد كان جرحاً غائراً خلّفته مهمةٌ فاشلة.
لقد باغته وحشٌ شيطانيٌّ هو ورفاقه في أعماق "الغابة السحيقة " التي لا تبعد كثيراً عن تلك المدينة الصغيرة المتواضعة الواقعة في وسط مساحةٍ مكشوفة ، حيث ظهر "متجر الراحة الإلهي " فجأةً ودون سابق إنذار. كاد "شوه روي " أن يفقد حياته ، لكن السمّ الذي كان يسري في عروقه بدأ يفتك به ، ليُتمَّ ما بدأه ذاك الوحش.
جزّ على أسنانه ، وأجبر نفسه على المضي قدماً. حيث تمتم بصوتٍ خافت ، باحثاً عن بصيص أملٍ في الشارع الذي ما زال موحشاً "يجب أن... أعثر على مداوٍ. أي شيء.. أي أحد ".
فجأةً ، وقعت عيناه على وهج "متجر الراحة الإلهي ". لم يكن يشبه أي مكانٍ رآه من قبل ؛ فمعماره بسيطٌ لكنه يتسم بالأناقة ، والهالة المحيطة به غريبةٌ لكنها تدعو للدخول. وقف المتجر في نهاية الشارع بشكلٍ غير مألوف ، إذ كان تصميمه الحديث المتلألئ يتناقض كلياً مع ما يحيط به من آثارٍ قديمة. وانبثق من أبوابه الزجاجية ضوءٌ سماوي خافت ، وتصدرت المدخل لافتةٌ نيون تألقُ باسم المتجر بحروفٍ واضحةٍ وأنيقة.
همس "شوه روي " "أي مكانٍ هذا ؟ " وتعثرت خطواته وهو يقترب من الباب. دبّ في قلبه بارقة أملٍ ضئيلة ؛ لم يدرِ ما طبيعة هذا المتجر ، لكنه حين أمعن النظر عبر النوافذ الزجاجية ، رأى أرففاً مليئةً بما يشبه الأقراص العلاجية. ومع اشتداد ألم جرحه ، جرّ "شوه روي " قدميه نحو المتجر ، آملاً أن يجد فيه خلاصاً مما يعانيه.
***
في الداخل كان "لين مو " يتكئ على المنصة ، وما زال يشعر بالخمول بعد أن أيقظه من نومه رنين التذكير بفتح المتجر الصادر عن "النظام ". كان لحسن حظه أن المتجر لا يعمل على مدار الساعة كمعظم متاجر الراحة على الأرض ، إذ تبدأ مواعيد العمل في الرابعة فجراً -أو ما يحدده لوح النظام بصفته الوقت الحالي في هذا العالم- وتُغلق أبوابه في العاشرة مساءً. وبالمحصلة لم تكن فترة راحته تتجاوز الساعات الست ، يقضي أولاها في تناول الطعام والقراءة وترتيب المتجر استعداداً لليوم التالي.
أما "ليو شياويو " فكانت بكامل نشاطها ؛ فمهارة "انعكاس السماء " لديها تجعلها مفعمة بالحيوية بشكلٍ يثير الدهشة في مثل هذا الوقت المبكر. وحين سألها "لين مو " عن سر نشاطها ، أجابته "بمجرد وصول المزارع إلى مرحلةٍ معينة ، لا يعود بحاجةٍ للنوم يا رئيس. قد أكون لا أزال بعيدةً عن هذا المستوى ، لكنني أستطيع تقليل ساعات نومي بالفعل! ".
صحيحٌ تماماً. إنها مسألة كونه ما زال بشرياً عديم القوة ، ولا يسعه إلا أن يأمل في البدء بممارسة الزراعة الروحية قريباً ، وإلا فإن "العناية السماوية " ستضيع هباءً عليه.
هتفت "ليو شياويو " بحماس وهي تقفز من أمام رفوف المعكرونة سريعة التحضير وتدفعه في جنبه "رئيس! لقد جئنا أول زبون! ".
رد "لين مو " "ممتاز. لنأمل ألا يكون هنا ليسلبنا أو يتحداني في مبارزة ".
اعتدل "لين مو " في وقفته ، ورمش بعينيه بينما كان "شوه روي " يدخل المتجر ، وعيناه غائرتان وكأنه يضع إحدى قدميه في القبر. و قال "لين مو " بنبرةٍ حيادية "مرحباً بك في متجر الراحة الإلهيّ. أعلمنا إذا كنت بحاجةٍ لأي شيء ".
اقترب "شوه روي " بحذر ، وجالت نظراته بين الرفوف ثم استقرت على الشخصين الواقفين خلف المنصة. حيث كان "لين مو " و "ليو شياويو " يرتديان زياً موحداً مخططاً وسراويل متطابقة ، مما جعلهما يبدوان أكثر غرابةً وتفرداً. و اتسعت عينا "شوه روي " وهو يتأمل تلك التشكيلة من المعروضات: تعاويذ متوهجة ، وأوعيةٌ زجاجية تحوي أقراصاً لامعة ، و... صفوفٌ من الوجبات الخفيفة الملونة في أغلفةٍ براقة!
تمتم "شوه روي " "ما... ما هذا المكان ؟ " وقد نسي ألم جرحه للحظة.
أجابه "لين مو " بابتسامة ، متذكراً أنه يجب عليه أن يبدو مرحباً بالزبائن "متجرٌ يبيع الأدوات الغامضة. و يمكنك العثور على كل ما تحتاجه هنا ". ومع ذلك لاحظ أن الرجل مصاب ، فالتزم الحذر ، فربما يكون صانع متاعب.
تناول "شوه روي " كيساً من المقرمشات بطعم البصل يحمل اسم "حلقات بصل تايهاو " وقلّبه بين يديه وكأنه قطعةٌ أثرية نادرة. سأل "وهذا... ما فائدته ؟ ".
"إنه طعام. تفتحه وتأكله. و يمكنه استعادة بعض طاقتك الحيوية ".
عقد "شوه روي " حاجبيه وقد تملكه الارتباك ، وأعاد الكيس إلى الرف وهو يواصل مسح الرفوف بعينيه "هـ-هل لديكم علاجٌ للسموم ؟ ".
تفحص "لين مو " لوح النظام الذي يعرض مخزون المتجر ، فلم يجد أي "ترياق " مدرجاً ضمن الأدوات الغامضة. و لكن مساعدته المشاكسة همست له "رئيس ، اسأله عن نوع السم الذي أصابه ".
"هاه ؟ هل لديهم علاجات مختلفة لكل سم ؟ ".
أدارت "ليو شياويو " عينيها بملل ، واقتربت تهمس بضيق "بالطبع يا رئيس. السم ليس نوعاً واحداً ؛ فهناك سموم الوحوش ، والفساد الروحي ، والسموم الناجمة عن اللعنات ، والكثير غيرها! ينبغي أن تعرف هذا إذا أردت البقاء على قيد الحياة هنا ".
"آه! يا لها من معلومةٍ قيّمة! " لم يستطع "لين مو " إلا أن يبدي إعجابه داخلياً ، ورفع إبهامه لمساعدته التي كانت مفيدةً أحياناً. مسحت "ليو شياويو " على أنفها بفخر وهي ترتسم على وجهها ابتسامة المغرور ، وكأنها تطلب منه أن يمتدحها بالكلمات بدلاً من الإيماءات.
تجاهل "لين مو " تصرفها ونادى على "شوه روي " "أيها الزبون ، ما نوع السم الذي نعالجه ؟ ".
تردد "شوه روي " وهو يضغط على صدره ، حيث نبض الضوء القرمزي مجدداً من تحت ثيابه "إنه سمُ وحشٍ شيطاني. و لقد باغتنا ثعبان الأنياب الصقيعية في الغابة السحيقة. السمّ يكبح طاقتي الروحية ويقتات على حيويتي ".
تمتم "لين مو " وهو يفتح لوح النظام "سم وحشٍ شيطاني ، إذن ؟ ". كتب بسرعةٍ في خانة البحث ، ولحسن حظه ظهرت قائمة بالمنتجات:
[العلاجات المتوفرة:
- أقراص استعادة الحيوية (درجة دنيا): تثبت الحيوية مؤقتاً. السعر: 5 أحجار روحية.
- إكسير الترياق (درجة قياسية): يبطل مفعول السموم الشائعة ، بما فيها سموم الوحوش الضعيفة. السعر: 10 أحجار روحية.
- إكسير العلاج الشامل (الأقصى): يبطل مفعول أي سمٍ أو لعنةٍ معروفة بفعالية. السعر: 50 حجراً روحياً.]
صفر "لين مو " بخفة "خمسون حجراً روحانياً للعلاج الشامل ؟ من ذا الذي يستطيع تحمل هذا السعر ؟ ".
نظرت "ليو شياويو " من فوق كتفه وقالت "رئيس ، لا تفكر حتى في اقتراح ذلك عليه ، فهو يبدو كمن فقد كل ما في حقيبته أثناء طريق العودة ".
تنحنح "لين مو " مشيراً نحو الأرفف المرتبة بعناية ، والتي تحوي أوعية الأقراص وقوارير الإكسير "لدينا بضعة خيارات ، ولكن بالنسبة لسم الوحوش الشيطانية ، فربما ستحتاج إلى إكسير الترياق. يا شياويو ، أحضري الإكسير لزبوننا ، فهو بالكاد يستطيع الوقوف ".
عبست "ليو شياويو " لكنها نفذت أمره على الفور وقفزت كأرنبٍ طليقٍ في البرية ، وانطلقت لتجلب القارورة من الرف وتعود للمنصة بجانبه.
تصلبت ملامح "شوه روي " حين نظر إلى العلبة الصغيرة التي تحتوي على ثلاث قوارير مرتبة من الإكسير ، حيث بدا السائل الأزرق الصافي وكأنه مشروبٌ غازي ملعون من الأرض ، وسأل "بكم ؟ ".
قال "لين مو " بلهجةٍ جامدة "عشرة أحجار روحية " بينما كان يرى بوضوحٍ ذعراً يحلُّ في عيني "شوه روي ".