الفصل 334: نصول عابرة السحاب
مضت الدقائق الثلاثون التالية مسرعةً في تأملٍ هادئ. وبحلول اللحظة التي ترنّ فيها جرس الباب معلناً وصول "جيانغ جيانشين " كان "لين مو " يشعر بالانتعاش ، وعقله في أوج حدته ، وروحه قد استعادت حيويتها.
خرج من "المتجر الإلهي " ليجد "جيانغ جيانشين " بانتظاره ، متسربلةً بأثواب زرقاء أنيقة تبدو وكأنها تمتص الضوء المحيط ، وقد بدت قامتها مستقيمة وشامخة كالسيف المسلول ، بينما ظلت ملامحها تحمل ذلك الوقار الأثيري المعهود.
قالت وهي تضيّق عينيها تدريجياً ، مُدركةً على الأرجح التغير الذي طرأ عليه "أيها صاحب المتجر ، هل أنت مستعد ؟ "
أومأ "لين مو " برأسه برفق وهو يقترب منها.
وفي حين كانت "يانغ كاي " تتبعه ، وقع نظر "جيانغ جيانشين " عليها أيضاً ، ظانةً أنها هي السبب وراء تطور "لين مو ". أومأت لها برأسها إيماءه خفيفة ، فردت عليها الموظفة ذات النظارات بالمثل.
في غضون ذلك اندفعت "ليو شياو يو " إلى المتجر ، فقد كانت قد عادت للتو من مرافقة "شياو يا " إلى منزلها والتحدث مع والدها وجدها. ولم تكن بمفردها ، فقد تبعها شقيقها الصغير "شياو بينغ " وعلى شفتيه ابتسامة خجولة.
ورغم مظهره ، فهو أيضاً ممارس في "مرحلة بناء الأساس " بل لقد تجاوز تلك المرحلة أسرع من "شياو يو ". ومع ذلك فعلى عكس شقيقته التي أعدت نفسها بعناية عبر كبح تقدمها عند "مرحلة تكثيف الروح " لفترة طويلة لم ينجح هو في تحقيق "الأساس المثالي ".
قالت "ليو شياو يو " بضحكة مرتبكة وهي تشير إلى الصبي "سيدي ، لقد عدت! وهذا الفتى... يريد مرافقتنا ".
أجاب "لين مو " وهو يوجه نظراته نحو "السياف الخالد " "حسناً ، لست أنا من يجب عليك سؤاله ".
تحول نظر "جيانغ جيانشين " إلى "شياو بينغ " وكانت عيناها حادتين كالفولاذ المصقول ، تقيّم الصبي بدقة مبضعٍ يختبر حدته. ورغم كونه ممارساً في مرحلة "بناء الأساس " إلا أنه انكمش قليلاً تحت وطأة نظراتها ، وتلاشت ابتسامته الخجولة أمام هيبتها ؛ فهي لم تكن حادة كالسيف فحسب ، بل كانت بجمالٍ يفتن ضعاف الأرواح من الممارسين.
سألته "شياو بينغ ، أليس كذلك ؟ تدريباتك مثيرة للإعجاب بالنسبة لعمرك ، لكن ’المراسلة‘ ليست مكاناً لغير المجربين. لماذا ترغب في الانضمام إلينا ؟ "
انتصب "شياو بينغ " واقفاً ، وقد تصلب وجهه اليافع بعزيمة "لقد سمعت عن تهديد ’العالم الخارجي‘ من شقيقتي. وإذا كان الأمر يشكل خطراً على المتجر و’السماء الأولى‘ ، فأنا أريد المساعدة. قد لا أملك ’أساساً مثالياً‘ مثل شقيقتي ، لكنني تدربت على [كتاب حافة العاصفة] الخاص بـ ’عشيرة ليو‘. يمكنني الاعتماد على نفسي ".
رفع "لين مو " حاجباً ودهش ، ثم التفت إلى "شياو يو " التي هزت كتفيها في خجل.
قالت "إنه عنيد يا سيدي. بمجرد أن يعقد العزم على شيء ، يصبح كصخرةٍ في مجرى النهر ؛ لا يتزحزح ولا يستمع حتى لشقيقته الكبرى. ثم إن والدي و... جدي طلبا مني اصطحابه لتوسيع آفاقه ".
ارتجفت زوايا شفتي "لين مو " وكاد يطلق ضحكة ساخرة ؛ فكبير العشيرة "ليو تيان فينغ " ووالده "ليو تشونغ زو " ما هما إلا ثعالب عجوزة مكارة. و لقد استخدموا حجة "توسيع الآفاق " كذريعة لزجّ موهبتهم الأخرى في قلب الأحداث ، رغم افتقاره للجسد السماوي ، آملين أن يكتسب رؤى قيّمة من "المراسلة ".
تأمل "لين مو " الأمر ثم نظر إلى "شياو بينغ " "صخرة في مجرى النهر ، هكذا تقولين ؟ وأنت لا تستمع لشقيقتك الكبرى ؟ "
نفخ "شياو بينغ " صدره وفي عينيه وميض من الفخر "شقيقتي... هي تميل للهو أحياناً. أما في مسائل التدريب والأمور الجادة ، فأنا أفضل الاعتماد على حكمي الخاص ، وأحياناً على نصيحة والدي. هه ".
زفرت "ليو شياو يو " بغضب وهي تشير إلى أخيها "أرأيت يا سيدي ؟ هذا الصغير مشاكس! "
ضحك "لين مو " خفيفة ، ثم التفت إلى "جيانغ جيانشين " "آنستي السياف الخالد ، ما قولك ؟ هل نضيف راكباً آخر إلى رحلتنا الاستكشافية ؟ "
بقي نظر "جيانغ جيانشين " معلقاً بـ "شياو بينغ " للحظة ، ثم لان ملامحها قليلاً ، فقد رأت في عينيه تصميماً وشرارة طموحٍ عرفتها من قبل. و قالت "أساسه متين ، وقد سمعت من معلمي عن قوة ’عشيرة ليو‘. حسناً ، ليكن ذلك لكنه سيتبع أوامري دون جدال. ’المراسلة‘ مكان خطر ، ولن أتسامح مع أي تهور ".
أشرقت عينا "شياو بينغ " "حاضر ، أيتها الخبيرة جيانغ! سأطيع! ".
أومأ "لين مو " برأسه راضياً "ممتاز. شياو يو ، تأكدي من أن شقيقك لديه كل المستلزمات الضرورية من المتجر. اقتطعي تكلفتها من رصيدك بالطبع ".
ألقت "شياو يو " التحية بمرح "همف ، يا بخيل. فهمت يا سيدي! "
نقره "لين مو " على جبينه مرة أخرى ، فصاحت متألمة "لا تختبري صبري أيتها الموهوبة. اذهبا واستعدا ".
بينما توجهت "ليو شياو يو " إلى الغرف ومعها "شياو بينغ " الذي كان ما زال يقهقه ، التفت "لين مو " إلى "يانغ كاي ".
"آنستي يانغ كاي ، هل ستكونين هنا عندما نعود ؟ "
"بالطبع يا صاحب المتجر ، لكن هذا إذا عدتم قبل افتتاح المتجر في الصباح ".
"حسناً ، سنترك المتجر في عهدتك. أراكِ لاحقاً ".
بإيماءه أخيرة خفية ، سارت "يانغ كاي " أيضاً نحو الغرف.
قالت "جيانغ جيانشين " وهي تخرج ثلاثة سيوف طويلة ونحيلة من اليشم المتلألئ ، يشع كل منها بطاقة روحية حادة "حسناً يا صاحب المتجر ، وسيلة انتقالنا جاهزة ".
نظر "لين مو " إلى السيوف ، ثم إليها ، ورسمت على وجهه ابتسامة ساخرة.
"حسناً. بخصوص السقوط... ألا يمكننا استخدام سفينة بدلاً من ذلك ؟ "
رفعت "جيانغ جيانشين " حاجباً رقيقاً ، وبدا أنها مستمتعة برد فعله "أيها صاحب المتجر ، لقد حطمت للتو أثراً من الدرجة السماوية بطلقة واحدة ، وواجهت ممارساً في مرحلة ’صقل الفراغ‘ دون أن يطرف لك جفن. أتقول لي إنك تخشى سقطة صغيرة ؟ "
رد "لين مو " "ليست السقطة هي ما يثير قلقي يا آنسة السياف الخالد ، بل التوقف المفاجئ في النهاية. هل يمكن لهذه السيوف الطائرة أن تضمن ألا أصبح كعكة مسطحة إذا قرر تدريبي أن يأخذ قيلولة في منتصف الطريق ؟ "
ضحكت "جيانغ جيانشين " ضحكة رخيمة نادرة ، خففت للحظة من حدة ملامحها "هذه السيوف صُنعت خصيصاً لتكون وسيلة نقل آمنة. طالما أنني أطير ، فأنت ستطير معي. إلا إذا... كنت ترغب في السقوط عمداً ؟ أو إن كان الأمر يفوق قدرتك ، يمكنك الركوب معي ".
قاطعها "لين مو " بسرعة وهو يتخيل بالفعل ابتسامة "شياو يو " المنتصرة إذا ما خاف من السيف وتمسك بـ "جيانغ جيانشين " "لا ، لا ، لن يكون ذلك ضرورياً. و أنا فقط أتحقق من الأمر ؛ السلامة أولاً يا آنسة السياف الخالد. الراحة والأمان يسيران جنباً إلى جنب ".
عادت "شياو يو " و "شياو بينغ " ومعهما حقيبة مكانية جديدة عند خصرهما ، مليئة على الأرجح بمجموعة من منتجات المتجر لرحلة الليلة.
—
خارج "المتجر الإلهي " استقبل "لين مو " نسيم ليل مدينة "فانلينغ " الهادئ والبارد. حيث كانت المدينة لا تزال مستيقظة بفضل حراس المدينة الذين كانوا يتولون الحراسة داخل الأسوار وخارجها بسبب "المراسلة " الخاملة القريبة.
مرة أخرى ، خطت "جيانغ جيانشين " خطوة للأمام وأخرجت السيوف التي عرضتها سابقاً. حيث كانت أطول من السيوف العادية ، وعريضة بما يكفي للوقوف عليها براحة ، وتصدر طنيناً بطاقة روحية ثابتة.
أوضحت "جيانغ جيانشين " بصوت هادئ "هذه تُسمى ’نصول عابرة السحاب‘. ليست سريعة كفاية للمسافات البعيدة حقاً ، لكنها ستوصلنا إلى ’المراسلة‘ بسرعة وتخفٍ. كما أنها ستحمينا من أقوى التيارات الروحية المحيطة ".
راقبها "لين مو " بحذر ، ثم نظر إلى "جيانغ جيانشين " التي جعلت ثقتها الهادئة تردده يبدو طفولياً. و في المقابل كانت "شياو يو " تقفز بحماس ، بينما كان "شياو بينغ " ينظر برهبة إلى السيوف الطافية أمامهم.
أخذ "لين مو " نفساً عميقاً ، كابحاً شعور التردد الذي ما زال يراوده ، وصعد على "نصل عابرة السحاب ". كانت الطاقة الروحية تحت قدميه تبدو صلبة بشكل مدهش ، حيث تحول السيف إلى منصة مستقرة معلقة في الهواء. ثم قام بتدوير طاقته الروحية لضمان ثباته حتى لا يبدو أحمقاً أمام "شياو يو " و "السياف الخالد ".
"لا هبوط مفاجئ يا آنسة السياف الخالد ، فقلبي ليس مصمماً لهذا النوع من الإثارة ".
رسمت شفتا "جيانغ جيانشين " ابتسامة خفيفة "ملاحظة مسجلة يا صاحب المتجر. حيث تمسك جيداً واستمر في ضخ خيط من طاقتك الروحية داخل الشفرة ، الأمر بسيط كهذا ".
في هذه الأثناء ، قفزت "ليو شياو يو " على نصلها بخفة القطة.
قالت وهي ترمي بابتسامة مشاكسة نحو "شياو بينغ " الذي كان يصعد بحذر على نصله الخاص "هيا يا سيدي! الأمر يشبه ركوب وحش روحي ، لكنه أروع بكثير! لا تسقط يا أخي الصغير ، فشقيقتك الكبرى لن تكون لطيفة بما يكفي لتنتشلك من وسط السحاب ".
رمقها "شياو بينغ " بنظرة حادة لكنه لم يقل شيئاً ، مركزاً على توجيه طاقته الروحية نحو الشفرة. طنّ السيف وارتفع به قدماً عن الأرض ، مترنحاً قليلاً قبل أن يستقر. حيث تمتم قائلاً بصوتٍ خانته فيه نبرة توتر "لقد سيطرت عليه ".
بعد أن رأتهم جميعاً ينجحون في الصعود ، أومأت "جيانغ جيانشين " برأسها ، وبأمر صامت ، طنت السيوف الطائرة وارتفعت بنعومة نحو سماء الليل. و بدأت الأرض تحتهم تتقلص بسرعة ، وأضواء المدينة تتلألأ كالجواهر المنثورة.
شعر "لين مو " بفيض من الحماس ، والرياح تداعب وجهه بينما كانوا يرتفعون.
نادت "جيانغ جيانشين " عبر الرياح المتسارعة وهي تتركها توجههم "تمسكوا جيداً. ’المراسلة‘ على بُعد عشرين دقيقة بالطيران. تقع في وادٍ منعزل يقع في أعماق ’غابة الهاوية‘ ، أقرب إلى حدود ’نطاق الهاوية الشرقي‘ منها إلى ’دائرة الهاوية الداخلية‘ ".
"مفهوم. تفضلي بالقيادة يا السياف الخالد ".