الفصل 721: الجبل الحي
قال لودفيج وهو يقترب بخطوات واثقة "لن أكون بتلك الحماقة لأخبرك " ثم أردف وهو يضع نصل سيفه بمحاذاة وجه "أكرو " "ففي النهاية ، يمكنك التكيف بسهولة. لذا... من أنت ؟ "
كان الشفرة يحوم على مسافة شعرة واحدة من وجنة الكائن. راقب لودفيج عينيه بدقة ؛ فبؤبؤا هذا الشيء لم يكونا طبيعيين ، بل كانا جامدين أكثر مما ينبغي ، ومفعمين بالثقة التي لا تليق بكائن يتظاهر بأنه فريسة جريحة.
فقال الكائن "لا شيء يحتاج أورك ميت للقلق بشأنه! " ثم انقضّ عليه.
بل كان الأمر أشبه باستطالة عنقه كأفعى متوثبة نحو وجه لودفيج ، وقد فغر فكيه باتساع كافٍ لابتلاع رأس لودفيج بالكامل في قضمة واحدة. حيث كانت الحركة مقززة ، حيث تمددت الفقرات ، وتقبض الجلد ، وتحولت الابتسامة إلى فك مفترس. انشق الهواء من حوله بفعل سرعة الهجوم.
لكن...
اندفعت يد لودفيج إلى الأمام بسرعة خاطفة فاقت كمين المخلوق. فضرب بأسفل كفه الفك السفلي للمخلوق بقوة ، مجبراً خطمه على الانغلاق ، وفي الحركة ذاتها ، أحكم قبضته بيده اليسرى على الخطم ، موصداً إياه تماماً.
هزت قوة الاصطدام ذراع لودفيج حتى الكتف ؛ فبالرغم من تراجع قدراته إلا أن قوته الجسديه كان عليها أن تقارع زخم هذا الكائن. و لكن قبضته لم تتزعزع ، فقد تغلغلت أصابعه كالملزمة. ارتجف فك المخلوق تحت كفه ، وكانت أسنانه تصطك بلا جدوى خلف شفتيه اللتين أُجبرتا على الانطباق.
كان جسد لودفيج واهناً بالفعل ، لكنه ليس بالوهن الذي يجعله لقمة سائغة لرجل سحلية كهذا.
سأله لودفيج "هل تعلم أن التمساح يمتلك أقوى قوة عض بين جميع الحيوانات... لكنه في الوقت ذاته ، لا يستطيع فتح فمه بسهولة إن تم إحكام قبضته ؟ أخبرني إذن ، كيف تشعر ؟ أليس هذا هو اليأس بعينه ؟ "
راح المخلوق يتخبط بعنف ، مخالبه تخدش ساعد لودفيج محاولةً تحرير يده ، لكن دون جدوى. و لقد انقلبت ميزته الوحيدة -فمه- إلى عبءٍ عليه. وفي اللحظة التي أدرك فيها أنه عاجز عن العض ، تحولت حركاته إلى تخبط جنوني ، وفقدت صبغتها المفترسة لتغدو حالة من الهلع.
حاول الوحش انتزاع نفسه ، لكنه فشل ؛ حاول سحب رأسه بعيداً ، فشعر وكأنه مأسور في قبضة حديدية. وحين وضع لودفيج نصل "دوراندال " تحت عنقه المستطيل ، سكن الكائن. فلم يكن ذلك السكون استسلاماً ، بل كان حساباً دقيقاً ، بحثاً عن زاوية أخرى ، أو خدعة جديدة ، أو سبيلٍ للانسلال.
نظر لودفيج إلى رجل السحلية الملقى وقال "يبدو أنك لن تخبرني الكثير. و لكن لا أظن أنني بحاجة لسماع الإجابة منك " ثم أشار بسيفه للأعلى ، قاطعاً رأس الكائن.
اخترق الفولاذ الجسد ، وسقط الرأس محدثاً صوتاً رطباً على التراب ، وتناثر الدم في الأرجاء ، وسقط رجل السحلية -أو الوحش الذي ينتحل هيئته- جثة هامدة.
لكن حتى دماءه لم تكن طبيعية ؛ فلم تتناثر كما تفعل دماء الأحياء ، بل بدت وكأنها جزء من طقس غامض.
بمجرد أن أفلت لودفيج الرأس ، لاحظ شيئاً مثيراً للريبة ؛ لم تمتص الأرضُ الدم ، بل تجمع حول جسد الوحش واندمج معه. تشكلت برك من الدم في حلقات غير طبيعية ، زاحفةً نحو الجثة وكأنها تجذبها مغناطيس ، لتتشرب في لحمٍ كان يفترض به أن يبرد.
انبثقت كرمات من باطن الجبل نفسه ، من تحت الكائن ، واخترقته مباشرة. لم تنمُ ببطء ، بل ظهرت فجأة ، وانغرست أشواكها في العضلات لتثبت الجسد في مكانه كعينة بحثية. وفي تلك اللحظة ، بدأ شكل رجل السحلية يتغير.
بدلاً من أن يبدو كـ "أكرو " البطل ، بدأ يتحول ليشبه أحد أولئك الروحانيين ، لكنه كان أصغر حجماً بكثير ، وأصغر سناً على ما يبدو. تكثف شعره ليصبح ذلك الستار الأسود ، وذاب جذعه ليتخذ ذلك الشكل المقزز ، وتوزعت أطرافه من جديد بكفاءة مرضية ، وكأن الجبل يصحح خطأ ما ويعيد الجسد إلى قالبه "الحقيقي ".
قطب لودفيج حاجبيه وقال "همم ، إذن حتى أنتم عرضة لهذا... ولكن " بخلاف الروحانيين البالغين الآخرين لم ينقسم هذا الكائن إلى اثنين حين قُطع.
كانت تلك التفاصيل عالقة في ذهنه. لا تكرار ، ولا تجدد فوري إلى تهديدين. إما لأنه أصغر وأضعف... أو لأن الكرمات كانت تؤدي وظيفة أكثر تحديداً من مجرد "العدوى ".
حدث شيء آخر أمام لودفيج ؛ بدأت الكرمات تحفر أعمق في الجسد ، ثم شرعت في سحبه نحو باطن الأرض ، مغيبةً إياه عن الأنظار.
تقبلت الأرض الجسد كما يتقبل الماء حجراً ، غاص الجسد دون مقاومة ، بينما كانت الكرمات تشتد وتجره حتى لم يبقَ سوى تربة مضطربة ، وحركة شوكية خافتة تحت السطح. تردد لودفيج للحظة ، لكنه ترك العملية تستمر حتى اختفى الأثر تماماً. فمطاردة الشيء تحت الأرض دون فهم الفخ ستكون ضرباً من الجنون ، ولم يكن لودفيج في مزاج يسمح له بأن يهدي نفسه للجبل.
التفت إلى الجانب فرأى رجلي السحلية الساقطين ؛ لقد كانا حقيقيين.
لكن الارتياح كان قصيراً ومريراً ؛ فأن يكونا "حقيقيين " لا يعني أنهما "أحيان ".
قلب أحدهما فرأى أن صدره قد تلاشى ، حيث تمزق التجويف الصدري بالكامل ونُزعت أحشاؤه. حيث كانت الضلوع متباعدة كقضبان قفص مكسور ، والداخل مفرغ تماماً. لم تكن تلك ميتة تهدف لإيقاف جسد فحسب ، بل كانت عملية حصاد.
أما الكرمات النابتة من الأرض ، فلم تتحرك لاستهلاكه.
كان ذلك الغياب مزعجاً كوجود الكرمات ذاته ؛ فالجبل لم يهتم بهذه الجثة ، أو ربما لم يتمكن من استخدامها ، أو أن هناك قواعد لما يطالب به. وضع لودفيج هذا الاحتمال في ذهنه ؛ فوجود القواعد يعني وجود ثغرات.
أما الآخر ، فكان فاقداً للوعي وينزف من مؤخرة رأسه. التفت لودفيج ولاحظ صخرة غير بعيدة عليها آثار دماء. و لقد كان اصطداماً بآلة حادة ، محاولة قتل بسيطة وبشعة ، ويبدو أن شيئاً ما قد اختار عدم إكمال المهمة ، أو قاطعه أمر ما.
نادى لودفيج رجل السحلية حين لاحظ أنه ما زال يتنفس "أوي ، استيقظ ".
رفرف رجل السحلية بجفنيه ببطء ثم فتحهما ليرى لودفيج. حيث كانت عيناه زائغتين في البداية ، ثم اتسعتا فجأة حين تعرف على الخيال المترامي فوقه.
"الـ... الرئيس... هل أنا ميت ؟ "
سأله لودفيج "لا ، ولكن أخبرني ، ماذا حدث لكم ؟ "
حافظ على قبضته محكمة بينما ساعد رجل السحلية على الجلوس ، واضعاً يده خلف كتفه كي لا يرتطم رأسه المصاب بالتراب مجدداً. تأوه رجل السحلية بقوة ، كابتاً صرخة ألم حين داهمه الوجع.
قال رجل السحلية متأوهاً وهو يضع يده على مؤخرة رأسه ويرى الدماء "لقد... لقد هاجمونا. و من العدم... الغيلان ".
ظلت عيناه تجولان في الساحة وكأنه يتوقع أن تنفتح الأشجار مجدداً وتخرج منها أيادٍ من باطن الأرض. لم يلمُه لودفيج على ذلك ؛ فقد كان هذا المكان مصمماً ليجعل جنون الارتياب أمراً منطقياً.
قال لودفيج وهو ينهضه ويضع ذراع رجل السحلية حول عنقه "أنت مصاب بجروح بالغة ، دعنا نصعد هذا المنحدر ، وتحدث معي بينما نمشي ، دعني أساعدك ".
استقر ثقل رجل السحلية بشكل غير مريح ، وكان أثقل مما ينبغي بالنسبة لهيئته ؛ فالصدمة تفعل ذلك تجعل الأجساد ككتل هامدة. عدّل لودفيج وقفته وبدأ بالمشي ، ببطء ولكن بثبات ، ممسكاً بسيف "دوراندال " بيده الأخرى.
قال رجل السحلية وهو ينظر إلى قمة الجبل "نعم ، يا رئيس... ".
تتبعت عيناه الضباب والأشجار الميتة ، باحثاً عن شيء مألوف ، عن أمان. راقب لودفيج وجهه من طرف عينه ، باحثاً عن الزيف ذاته الذي رآه في المنتحل.
وعلى شفتيه ، ارتسمت ابتسامة خفيفة ، دامت لجزءٍ ضئيل من الثانية.