Switch Mode

فنٌّ الإلتهام المقفر 1462

حشرة الثعبان


الفصل 1462 - طفيلي الأفعى

بعد أن أحكم ليو ووشي قبضته على الرونية الحجرية، عمد إلى دمجها في عالمه القفر، فشرع عالم الصخور في التجلّي والتشكل، حيث تآلفت الصخور العاتية وتراصفت في تكتلات لا حصر لها.

ومع انصهار المزيد من نواميس السماء والأرض في ذلك العالم القاحل، سيواصل تمدده واتساعه، لتزداد قوته بازدياد رقعته.

انتدب سيد القصر "دينغ يوان" لابتياع المستلزمات الضرورية، ثم رافق ليو ووشي بنفسه إلى مشتل الأعشاب التالي. كانت المعضلة في كل حقل تكاد تكون متطابقة؛ إذ عانت جميع الأعشاب الروحية من اضطرابات في حقول الجذب المشوهة.

وفي أحد حقول الأعشاب، عثروا على ديدان "التهام الأرواح"، مما أخرج سيد القصر عن طوره واستشاط غضباً عارماً؛ فهذه الديدان تُعد الخصم اللدود للممارسين، ولم يدر بخلد سيد القصر أن ثمة من يملك هذه القسوة المتناهية ليزج بها في هذا الموضع.

قال ليو ووشي ناصحاً: "يا سيد القصر، لم يعد الأمر مجرد غدر عابر، بل أرجح أن ثمة يداً تسعى لتقويض أركان قصر التنانين التسعة". ولم يستطع هو الآخر كتمان توجسه حيال مصير القصر وهم يستطلعون بقية الحقول.

لقد حالف الحظ قصر التنانين التسعة بقدوم ليو ووشي؛ فلو لم يدركهم في الوقت المناسب ولقيت الأعشاب الروحية حتفها، لآلت الأمور إلى عواقب وخيمة لا تُحمد عقباها على القصر.

استحالت ملامح سيد القصر إلى تجهم مروع، وبات جلياً للعيان أن هناك قوى خفية تتربص بقصر التنانين التسعة. ولكن، من ذا الذي يجرؤ على زعزعة أركان طائفة صمدت في وجه الزمان لأكثر من مليون عام؟

بيد أن الطوائف ذات الإرث الممتد لمليون سنة، والتي تبدو في ظاهرها صروحاً شامخة لا تتزحزح وجذورها ضاربة في أعماق الثرى، قد تتهاوى وتسقط بمجرد أن يضع الخصم يده على مكمن الضعف القاتل.

ارتهفت أذنا سيد القصر لبرهة، ثم قاد ليو ووشي بعيداً عن آخر حقول الأعشاب، قافلاً به نحو قصر التنانين التسعة.

وعندما همّ ليو ووشي بالرحيل، استوقفه سيد القصر، إذ كان لا يزال يرتجي عونه في معضلة أخرى. عبرا عدة أحياء سكنية حتى استقرا في نهاية المطاف أمام دارٍ مستقلة.

"سيد القصر!"؛ انبعث ظلٌّ من العدم، كان حضوره المتواري يذكر المرء بالشيخ "جيان" من رابطة "الداو" السماوي، وكان يتلقى أوامره من سيد القصر مباشرة.

إذ جرت العادة في كل طائفة كبرى أن توجد شخصية كهذه؛ شخص بلا منصب رسمي، يظل وجوده طي الكتمان عن العامة.

أردف سيد القصر بملامح لا تزال مكفهرة: "هاتِ ما عندك". لقد كان من يُمن الطالع أنهم تداركوا أزمة الحقول، وإلا لكانت العاقبة وبالاً.

أفاد الظل قائلاً: "لقد توارى أثر عائلة 'تشانغ وو' بأسرها". فقد انطلق في خفية لإلقاء القبض عليهم امتثالاً لأمر سيد القصر، بيد أنه حين وافى الدار وجدها قاعاً صفصفاً؛ ولم يعلم أحد من ذا الذي أسرّ إليهم بالخبر فحذرهم.

"تباً!"؛ نفث سيد القصر لعنته وهو يلوح بذراعه غيظاً. وبوصفه "شبه خالد"، كان حرياً به التزام الرزانة حتى في أحلك الظروف، غير أن خلجاته اضطربت بعنف لمرات عدة في هذا اليوم، وهو أمرٌ نادر الحدوث.

شخص ليو ووشي ببصره نحو الفناء الأمامي، وبتفعيل تقنية "عين الشبح"، نفذ بصره عبر طبقات الأرض صعوداً وهبوطاً، فارتسمت على ثغره ابتسامة واهنة.

تمتم ليو ووشي بهدوء: "لم يرحلوا، بل استتروا في مكمنهم".

"أهُم مختبئون؟"؛ صوّب سيد القصر والظل أنظارهما شطر ليو ووشي، فقد قلبوا الفناء رأساً على عقب مراراً ولم يقعوا على أثر لأحد.

قال ليو ووشي: "يا سيد القصر، من الأصوب أن تنتدب من يأتي بـ 'تشانغ وو' أولاً، فإذا أبطأت، فقد يزهق روحه بيده. ربما لا يكون هو الرأس المدبر، لكنه يملك يقيناً طرف الخيط".

أصدر سيد القصر أمره: "يا 'هوانغ'، انطلق. أبلغ 'تشانغ وو' أن يعود صاغراً إن كان ينشد السلامة لأهله".

أجاب هوانغ: "طوع أمرك"، ثم انمحى من مكانه هارعاً نحو حقل الأعشاب، آملاً أن يدركه قبل فوات الأوان.

خطا ليو ووشي داخل الفناء وتلاه سيد القصر في إثره. لم يشأ سيد القصر إفشاء أمر التحقيق الداخلي لأحد، خشية أن يتنبه الخونة فيلوذوا بالفرار.

في بادئ الأمر، لم ينوِ ليو ووشي التطفل على الشؤون الداخلية لقصر التنانين التسعة وهو الغريب عنهم، بيد أنه كلما أوغل في التقصي، تبين له أن الدسيسة المحاكة ضدهم هائلة، وأن رياحها قد تجرفه في نهاية المطاف.

ولدى ولوجهم القاعة الرئيسية، ألفوا الأثاث على حاله لم يُمس، مما يشي بأن القوم غادروا على عجل. انبروا يعبرون الغرفة الوسطى وصولاً إلى الفناء الداخلي حيث كانت تقطن عائلة "تشانغ وو".

دنا ليو ووشي من البئر وبسط حسّه الإلهي في غياهبها، لكنه لم يجد ريحاً لأحد.

صاح ليو ووشي: "أيها القابعون في الأسفل، اخرجوا؛ فإما الخروج وإما أن أوصد عليكم مدخل البئر إلى أبد الآبدين".

وحين لم يأتِ جواب، قطب سيد القصر حاجبيه، فقد استطلع هو الآخر البئر بحسّه الإلهي، غير أن قيوداً غامضة كانت تصدّ حواسه، وهي قيود قادرة على تضليل حتى "شبه الخالد".

وهذا يقطع بأن من يقف وراء هذا الفعل لا يقل شأناً عن عالم "رؤية السماء".

فلا يقدر على حجب نفسه بهذا الإتقان إلا خبيرٌ بلغ تلك الرتبة العالية.

قال ليو ووشي وعيداً: "بما أنكم آثرتم المكوث، فلا تلوموا إلا أنفسكم". ثم شرع ينسج الأختام الطسمية ويقذف بها في قاع البئر.

تلاطمت أمواج الماء حين ارتطمت بها الأختام، فانكشفت القيود التي حجزت الحواس الإلهية.

برقت عينا سيد القصر دهشةً؛ فمثله يحتاج كداً ووقتاً لتبين مثل هذا القيد، بينما هتك ليو ووشي ستره بيسرٍ مذهل.

منذ أن ارتقى ليو ووشي إلى رتبة "عالم الفراغ" من المستوى الثالث، غدا يمتلك سطوة مهولة؛ فبرغم عجزه عن ممارسة فنون الخلود، إلا أنه قد يبزّ خبراء عالم "رؤية السماء" في جوانب شتى.

وما إن انقشع القيد، حتى تجلى المشهد في قاع البئر ووضح للحواس الإلهية.

زأر سيد القصر: "اخرجوا!"، فاستحال صوته الوقور إلى موجة صدمة عاتية اخترقت الفراغ تحت الأرض.

لم يحسبوا أن عمق البئر سيصل إلى عشرة آلاف متر، ولا أن حاسة "شبه الخالد" ستعجز عن سبر أغواره. ولم يوفق ليو ووشي في تحديد الموضع إلا بفضل "عين الشبح".

وبالرغم من ذلك، لف الصمت أعماق البئر، ولم يبدِ أحدٌ حراكاً.

قال سيد القصر بنبرة تقطر سماً زُعافاً: "بما أنكم تأبون الصعود، فليكن لكم ما أردتم، ابقوا هناك للأبد؛ وسأرسل 'تشانغ وو' ليكون لكم ضجيعاً في قبركم هذا عما قريب".

إن رفقه بليو ووشي لا يعني أنه لين العريكة أو سهل المراس؛ فلا يتبوأ أحد عرش سيادة الطوائف بقلب رقيق، إذ لا بد لكل سيد طائفة أن يخضب يديه بدماء وأرواح لا تُحصى.

أتى التهديد بؤكله؛ فانبجست مياه البئر، وكانت أولى الخارجات زوجة "تشانغ وو"، وهي امرأة في مقتبل الثلاثينيات، ذات سمات رقيقة.

انحنت المرأة فور خروجها وقالت بصوت متهدج: "تحية إجلال لك، يا سيد القصر".

ثم تلاها ابنا "تشانغ وو"، وفي تلك الأثناء كان "هوانغ" قد عاد وبصحبته "تشانغ وو".

أطرق "تشانغ وو" برأسه، وقد علا وجهه شحوب الأموات.

"تشانغ وو، لِمَ فعلت هذا؟" سأل سيد القصر، مصوباً نظراته الحادة نحوه؛ فقد كان الرجل يحظى بمكانة سامية في القصر، ولم يستوعب سيد القصر كيف سولت له نفسه خيانة عهده.

خرّ "تشانغ وو" على ركبتيه فجأة وصاح: "يا سيد القصر، أرحني واقتلني، فعائلتي لا ناقة لها ولا جمل في هذا الأمر. أتوسل إليك أن ترحمهم".

"أسألك لِمَ؟! هل قصر تشانغ وو بخل عليك يوماً؟ لِمَ غدرت بنا؟!" زأر سيد القصر، وقد بلغ به الغضب مبلغه.

ارتعد "تشانغ وو" وهو راكع، لكنه لاذ بالصمت ولم ينبس ببنت شفة.

رفع سيد القصر كفه ليرديه قتيلاً، بيد أن ليو ووشي حال بينهما. فبرغم نفوذ "تشانغ وو"، إلا أنه لم يكن بمقدوره إفساد اثني عشر حقلاً بمفرده.

خبت فورة غضب سيد القصر قليلاً، وسحب يده حين كفه ليو ووشي. نظر إلى "تشانغ وو" مجدداً وقال: "إن كشفت لي عن الرأس المدبر، سأضمن نجاة عائلتك".

لان صوته قليلاً؛ فلو استأصلوا شأفة العقل المدبر والخونة، سيظل القصر يواجه الأزمات، لكنهم على الأقل سيؤمنون جانبهم من الخطر الوشيك؛ ففي النهاية، لن يمكث ليو ووشي بينهم أبد الدهر.

قال "تشانغ وو" وهو يكز على أسنانه: "يا سيد القصر، أرجوك أجهز عليّ، فموت عائلتي محتم إن تكلمت". ثم أغمض عينيه مستسلماً للقدر. وبعد أن شل سيد القصر قدرته على القتال، بات حتى الانتحار حلماً بعيد المنال.

كان من جرس كلمات "تشانغ وو" أن ثمة من يمسك بعائلته رهائن، ويقدر على الفتك بهم بمجرد الخاطر لو نطق بكلمة. وهذا جعل الحاضرين يتساءلون: من هذا الذي يملك سطوة القتل عن بُعد بمجرد التفكير؟

قال ليو ووشي: "بإمكاني تخليص أرواح عائلتك من طفيليات السحر المودعة في أجسادهم".

فمنذ لحظات، لمح طفيلياً سحرياً ضئيلاً يلتصق بالروح الجوهرية لابن "تشانغ وو" الأكبر. صُعق من هذا المشهد لأنه تعرف عليه؛ فقد كان من ذات الصنف الذي أصاب زوجة "تشوغي مينغ" وأرداها في سبات عميق لألف عام.

وكان سيد القصر قد فحص العائلة من قبل ولم يجد شيئاً، ولم يتصور قط أن تكمن العلة في أرواحهم الجوهرية مباشرة.

فالروح الجوهرية تقبع في أغوار "بحر الروح"، بعيداً عن متناول الحواس الإلهية إلا إذا لجأ المرء لتقنية "تفتيش الروح" القسرية.

وكان سيد القصر قد أضمر في نفسه قبل قليل نية استنطاق روح "تشانغ وو" بالقوة.

"كيف علمت بذلك؟"؛ حدق "تشانغ وو" في ليو ووشي بذعر.

لقد استعبدتهم طفيليات السحر جميعاً، ولكن خلافاً لـ "نملة الحرير السماوية" التي أصابت زوجة "تشوغي مينغ"، كان هذا "طفيلي الأفعى" النادر، الذي يشبه الإبرة في دقتها ويلتحم بالروح الجوهرية.

بمجرد إشارة من سيدها، يمزق طفيلي الأفعى روح مضيفه ويمحو ذكرياته في طرفة عين.

ولحسن الحظ، لم يحاول سيد القصر انتزاع ذكريات "تشانغ وو" قسراً؛ فلو فعل، لأهلك الطفيلي روح "تشانغ وو" وذكرياته معاً. وهذا الأسلوب في السيطرة يماثل ما كان يتبعه "جناح الفرن الذهبي" في غابر الأزمان.

"طفيلي الأفعى..."؛ تمتم سيد القصر بجبين مقطب، متذكراً بوضوح أنه سمع هذا الاسم من قبل.

لقد وقعت زوجة "تشوغي مينغ" فريسة لـ "نملة الحرير السماوية"، وطلبا عون "هوا فييو"، ولكن حتى هو عجز عن فعل شيء. ومن هذا وحده، يمكن إدراك مدى رعب هذه الحشرات السحرية.

قال ليو ووشي: "يا سيد القصر، أحتاج إلى 'جذر البوذي'".

لم يكن يملك منها شيئاً في حينه، لكنه استيقن أن مخازن قصر التنانين التسعة لا تخلو منها.

أومأ سيد القصر إلى "هوانغ" الذي اختفى كلمح البصر، ليعود بعد ربع ساعة حاملاً غصنين من "جذور البوذي".

قال سيد القصر: "ناولها للسيد الشاب ليو".

وعندما تسلم ليو ووشي الجذور، أخرج إناءً من الماء الزلال، وألقى فيه الجذور، ثم أضاف عقاقير روحية أخرى فذابت كلها. وبينما كان يرسم الأختام، تصاعد بخار أبيض أضفى على الماء بريقاً أخاذاً.

قال: "اشربوه، وسوف تندثر طفيليات الأفعى من تلقاء نفسها". وبالرغم من فتكها، إلا أن طفيليات الأفعى كانت أهون في التخلص منها مقارنة بـ "نملة الحرير السماوية".

حين تناهى لسمع "تشانغ وو" أن هذا المزيج سيفك قيد الطفيليات، اختطف الإناء وتجرعه أولاً دونما تردد.

وبالفعل، ما إن سرت طاقة "البوذي" في بحر روحه، حتى انتفض طفيلي الأفعى محاولاً الفرار، بيد أن علامة ختمٍ كبلته في موضعه، فسحقته طاقة البوذي واستحال هباءً منثوراً.

وبعد برهة، تجرعت زوجته وابناه المزيج، فتبددت الطفيليات القابعة في دخائلهم.

بعد وقوع زوجة شيخ طائفة التنين السماوي ضحية لنملة الحرير، وسيطرة طفيلي الأفعى على شيخ قصر التنانين التسعة، لم يستطع ليو ووشي طرد فكرة وجود رابط وثيق بين الحادثتين.

سأل سيد القصر بنبرة أهدأ: "تشانغ وو، انطق الآن؛ من الذي يوجهك؟". ففي هذه المرحلة، بات مؤكداً أن "تشانغ وو" كان مجرد أداة في يد غيره.

وبعيداً عنه، كم يا تُرى عدد الشيوخ الآخرين في القصر الذين سقطوا في هذا الفخ؟

لم يجرؤ سيد القصر على المضي في هذا الخاطر؛ فلو خضع أكثر من نصف الشيوخ لسيطرة الخصم، فإن القصر مقبلٌ على كارثة وجودية.

انفتح فم "تشانغ وو" ليقول: "إنه..."، معتزماً كشف المستور.

وقبل أن يتمكن من نطق كلمة واحدة، انطلق سهمٌ مارق من اللامكان نحو رقبته، بسرعةٍ خاطفة لم تترك حتى لـ "أشباه الخالدين" الحاضرين فرصة للذود عنه.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط