الفصل 1457 - جلالُ الأرواحِ القتالية
بَغتَ إعلانُ طائفةِ الوحدةِ الكبرى المفاجئُ بالحربِ الجميعَ، فاستبدَّت بهم الحيرةُ والارتباك. واندلعت أتونُ المعركةِ دون أدنى نذير، فلم يتسنَّ إلا لثُلّةٍ قليلةٍ من الرُّقَباء إدراكُ جليّةِ ما يجري.
كانت جمعيةُ الداو السماويِّ قد أحكمت نَسْجَ مكائدِها خِصيصاً للإيقاع بطائفتَي "الوحدة الكبرى" و"الكيمياء الإلهية". وما إن توضعُ تلك الخططُ مَوضعَ التنفيذِ الكامل، حتى تجدَ الطائفتانِ نفسيهما مُكبلتينِ في كابوسٍ لا فكاك منه؛ فقد حاز "ليو ووشي" سُبلاً شتّى لتقويضِ أركانهما، ولم يكن بحاجةٍ إلى استئصالِ شأفتهما جُملةً للقضاءِ عليهما، إذ كان ذلك الخيارَ الأشدَّ نكالاً، بينما كان بِمقدوره دكُّ حصونهما بالقدرِ ذاتِه عبرَ توجيهِ ضربةٍ قاصمةٍ لِجوهرهما.
ولمّا كانت طائفةُ الوحدةِ الكبرى قد بَذلت جُهدَها مِراراً للنَّيلِ منه، لم تكن لديهِ أدنى نيةٍ لتركهم يتهاوَوْنَ بيُسر. فقد عقدَ العزمَ على قطعِ شريانِ أرزاقِهم، واستنزافِ مَواردهم، وكشفِ سِلسلةٍ من المؤامراتِ التي ستفضي تدريجياً إلى انهيارِ صَرحِ الطائفةِ بأسرِه. حتى إنَّ المتفرجين باتوا يُدركونَ مآربَ "ليو ووشي"، كما فطِنَ إليها الشيخُ "يان" وسائرُ شيوخِ الطائفة.
وعلى إثرِ ذلك، أيقنت طائفةُ الوحدةِ الكبرى أنَّ قَتْلَ "ليو ووشي" باتَ ضرورةً ملحّةً مَهما غلا الثمنُ، ولو كان ذلك ببذلِ مُهجِهم. ولم يَدُرْ بخلدِ أحدٍ أنَّ جمعيةَ الطريقِ السماويِّ قادرةٌ على إبداءِ أيِّ ممانعةٍ تُذكرُ في وجهِ هذا العملاقِ الجاثم.
فطالما أنهم قد حاصروا "تشوغي مينغ" والقوى الأخرى وكبّلوا أيديهم عن التدخل، فإنَّ طائفةَ الكيمياءِ الإلهيةِ وقاعةَ الأرواحِ العملاقةِ سَتُجهزَانِ على "ليو ووشي" لا محالة.
بيدَ أنَّ الرياحَ جرت بما لا تشتهي سُفنهم؛ فقد دَفعت طائفةُ الكيمياءِ الإلهيةِ وقاعةُ الأرواحِ العملاقةِ بـ"ليو ووشي" إلى حافةِ الهاوية، وباتَ هجومُهما المشتركُ قابَ قوسينِ أو أدنى منه.
وما إن فَرَغوا من هجومِهم، حتى لم يَنبس "ليو ووشي" إلا بأمرٍ واحد، فإذا بأكثرَ من مئةِ كُرةٍ ضوئيةٍ تَنقذفُ في عِنانِ السماء. ومن بينِ رُكامِ الضياء، تألقت روحُ "شين تيان" القتاليةُ في أبهرِ حُلّة، حاملةً في طياتِها سطوةَ عالمِ الخلودِ الأرضي.
"يا لَلخطب!" صرخَ الشيخُ "يان" والآخرون وقد أدركوا أخيراً أنَّ الأمورَ قد انحرفت عن مَسارها بشكلٍ مَهول.
فقد سبقَ لـ"شي يوان" أن ذَكرَ أنَّ "ليو ووشي" بِمقدوره التحكّمُ في الأرواحِ القتالية، لكنه لم يَقُل قط إنَّ بإمكانه سَبكها وصناعتها. وفي السماواتِ السبع، كان "ليو ووشي" يفرضُ سُلطانه على الأرواحِ القتاليةِ في الغالب، لا أن يَبتكرَها من عَدَم.
وعلى الرغمِ من أنَّ "ليو ووشي" قد نَقشَ أرواحاً قتاليةً سلفاً، إلا أنَّ أحداً لم يشهد ذلك العِيان. وحتى حينَ أحكمَ سَيطرتَه لاحقاً على وحوشِ الرياحِ السوداء، لم يُعدَّ ذلك بمثابةِ نقشٍ علنيٍّ للأرواحِ القتالية.
"سأريكم مَدى بأسِ الأرواحِ القتالية!" دوى صوتُ "ليو ووشي" جَهيراً من داخلِ "القرعة الكونية".
استقبلت مَسامعُ كلِّ مَن في الجِوارِ صوتهُ بوضوح، بيدَ أنَّ ملامحَ العديدِ من المتدربين استحالَت إلى ذهولٍ تام، إذ كانت هذه المرةَ الأولى التي يَطرقُ فيها مَسامعَهم مُصطلحُ "الأرواح القتالية".
"ما كُنهُ هذه الأرواحِ القتاليةِ لَعمرُ الله؟" تبادلَ المتدربون النظراتِ مَشدوهين، ومُعظمهم من مُنتسبي عالمِ الروحِ القتاليةِ النجمي، الذين لم يَفقهوا شيئاً عن فنِّ الروحِ القتاليةِ أو عن ماهيةِ "ليو ووشي" نفسِه.
وفيما بَلغَ الفضولُ مَبلغهُ في النفوس، زَلزلَ انفجارٌ عاتٍ أركانَ "مدينة الكوابيس".
انفلقَتِ الأرواحُ القتاليةُ الواحدةُ تلوَ الأخرى في تتابعٍ مَهول، يتداخلُ زئيرُ كلِّ انفجارٍ مع سابقه، بدءاً من روحِ "شين تيان" القتالية. واندمجَت تلك السلسلةُ من الانفجاراتِ لِتُخلِّفَ أثراً يُروعُ الأفئدة، اجتاحَ الساحةَ قاطبةً، مُحدثاً انفجاراً يُضاهي قوةَ كائنٍ في ذُروةِ عالمِ الخلودِ الأرضي.
وكان من حُسنِ طالعِهم أنَّ رحى هذه المعركةِ قد دارت في "مدينة الكوابيس"؛ فلو كان القتالُ بين متدربي "عالم نظرة السماء" في مكانٍ آخر لما صَمدَ، فما بالك بهذا المكانِ الحصين. ففي أيِّ مدينةٍ عادية، كان انفجارُ خالدٍ أرضيٍّ واحداً كفيلاً بِجعلِ عاليها سافلها.
ومع ذلك، مادت "مدينة الكوابيس" مَيْداً عنيفاً تحت وطأةِ موجةِ الصدمة، وانفغرت فجوةٌ سوداءُ هائلةٌ في كَبِدِ السماء، تمددت حوافُّها نحو الخارجِ في هالاتٍ مائجة.
وكان متدربو "قاعة الأرواح العملاقة" هم الأبطأَ استجابةً، فالتهمتْهم الفجوةُ السوداءُ لتوِّها. واضمحلّت أجسادُهم تماماً دون أن تتركَ أثراً، مِمّا كشفَ عن مَدى رُعبِ ذلك الانفجار.
وبعد بُرهةٍ وجيزة، انفجرتِ الأرواحُ القتاليةُ الباقية. وعلى الرغمِ من أنَّ انفجاراتِها الفرديةَ لم تبلغْ شأوَ القوةِ الهائلةِ لروحِ "شين تيان"، إلا أنَّ مَدَدَها العدديَّ كان مَهولاً لدرجةِ أنها شكلت قوةً ضاربةً لا يُستهانُ بها.
"تراجعوا على عَجل!" ومع تدحرجِ الارتجاجاتِ نحو الخارج، أدرك المتدربون الرُّقباءُ من مَسافاتٍ بعيدةٍ مَدى خُطورةِ الموقف.
"آه!" وبَصقَ العديدُ من متدربي "عالم الفراغ" دماً تحت وطأةِ الموجةِ العاتية، ولم ينجوا من الهلاكِ إلا لأنَّ شيوخَ طوائفهم ذادوا عنهم وصَدّوا جُلَّ القوةِ نيابةً عنهم.
أما أولئك الذين انحشروا في قلبِ أتونِ المعركة، فقد كان مَصيرُهم أنكى وأمرّ.
"ليو ووشي، لتذوقَنَّ ميتةً نكراء!" صرخَ أحدُ شيوخِ طائفةِ الكيمياءِ الإلهية. ولكن قبل أن يُتمَّ وعيدَه، تَلاشى جسدُه، ولم يَبقَ منهُ سوى رأسِه، وما هي إلا لحظاتٌ حتى استحالَ ذلك الرأسُ بُخاراً في الهواء.
كانت الأرواحُ المقاتلةُ مَشحونةً بسطوةِ "نار سامادي الحقيقية"، فكلُّ ما مَسَّتهُ انعدمَ أثرُه كأن لم يكن.
صرخَ "فينغ هي": "ليو ووشي، لعنةُ اللهِ عليك أبدَ الآبدين!" بينما كان رأسُه المقطوعُ يطفو مَنفرداً في الهواء. ورغم نَجاته، إلا أنَّ جسده قد اضمحلَّ، وتشوّهت ملامحُ وجهِه من فَرطِ الألمِ والضغينة.
"التَهِمي!" أطلقتِ "القرعة الكونية" فجأةً قوةَ جَذبٍ مَهولة، فابتلعت شيوخَ طائفتَي "الوحدة الكبرى" و"الكيمياء الإلهية" الناجين، ثم شرعت في صَهرِهم وتنقيتم بلهيبِ "نار سامادي الحقيقية".
وبمجردِ صهرِ هؤلاء، سيخضعُ كلُّ عضوٍ في جمعيةِ الطريقِ السماويِّ لِتحوّلٍ جِذري، وستسمو قوتُهم سُموّاً شاهقاً.
لم يكن أحدٌ يتوقعُ أن تؤولَ المعركةُ إلى هذه النهاية، ولا حتى "تشوغي مينغ" ورِفاقه.
فقد سيّرت طائفةُ الوحدةِ الكبرى خُميساً من شيوخِها، ولكن باستثناءِ الشيخِ "يان"، بَادوا جميعاً؛ فمنهم مَن قُضيَ عليهِ لِتوِّه، ومنهم مَنِ التقمتْه "القرعة الكونية"، مِمّا جعلَ فُرصَ نَجاتِهم هَباءً مَنثوراً.
وبينما كانت نارُ السامادي الحقيقيةُ تُنقّيهم، استخلصت مَقاديرَ هائلةً من قوانينِ عالمِ الخلودِ الأرضي وسَكبتها في رُوعِ "شو لينغشيو" والآخرين. وسرعانَ ما استشعرَ كلٌّ من "بي غونغيو"، و"لان يو"، و"هو شي"، و"هان فايزي"، و"تشياو بيان"، وبقيةِ المَلأ، ارتفاعَ مَنسوبِ تدريبهم بشكلٍ مَلموس.
كان "هان فايزي" و"تشياو بيان" يمتلكانِ قوةً مَكينةً بالفعل، إذ بَلغا المستوى الثانيَ من عالمِ الفراغ، ولكن بفضلِ قوانينِ عالمِ الخلودِ الأرضي، ارتقى تدريبُهما ارتقاءً كبيراً.
وقد انطوت "القرعة الكونية" على خِضمٍّ زاخِرٍ من طاقةِ "اليانغ" الأصلية التي غَذّت أبدانَهم بلا انقطاع. وفي غُضونِ دقائقَ مَعدودة، تمكّنَ رَهطٌ من الأشخاصِ من اختراقِ "عالم الفراغ".
حتى إنَّ مَكانةَ "لوه هاي" في الزراعةِ قد بلغتِ المستوى الرابعَ من عالمِ الخلودِ الأرضي، وهو أمرٌ لم يكن لِيجرؤَ على تَصوُّرِهِ في سالفِ عهده، إذ كان يَعلمُ يقيناً أنه مَدينٌ بِإنجازاته هذه لـ"ليو ووشي" قولاً وفعلاً.
انغلقتِ الفجوةُ السوداءُ فوقَ "مدينة الكوابيس" أخيراً بعد عشرِ دقائقَ كاملة، وانتهت المعركةُ بَغتةً كما بدأت. فبينما كان الجميعُ يترقبُ مَلحمةً مَديدةً بين الجانبين، حُسمَ النزالُ بعد بُرهةٍ من ظهورِ الأرواحِ المقاتلة.
استشعرَ "قصرُ الشمس والقمر الإلهي" أخيراً فداحةَ الأزمةِ التي تُواجهه، إذ تناهى إلى عِلمِهم أنَّ "فنونَ الروحِ القتاليةِ أشدُّ ترويعاً من التمائمِ العميقة، ناهيكَ عن قدرةِ تلك الأرواحِ على التدبيرِ والنزالِ بمفردها". وأدركوا أنه بمجردِ طَرحِ الأرواحِ القتاليةِ في الأسواق، قد لا يَجدون مَن يشتري منهم تميمةً واحدة. فبالثمنِ ذاته، سيكونُ الإقبالُ على الأرواحِ القتاليةِ أهون وأيسر.
كانت كلُّ طائفةٍ تمتلكُ بالفعلِ أسرارَ صياغةِ تعاويذَ قوية، بيدَ أنَّ فنَّ الروحِ القتاليةِ كان قَصراً على جمعيةِ الداو السماوي، وهذه الحصريةُ جعلتْه مَهيباً يَبثُّ الرُّعب. فلم يكن أمامَ مَن يَرومُ شراءَ أرواحٍ قتاليةٍ مَهربٌ من اللجوءِ إلى جمعيةِ الداو السماوي.
فلا غروَ أن تتوُقَ نفسُ طائفةِ الوحدةِ الكبرى لِقتلِ "ليو ووشي". "حتى أنا يراودُني خاطرٌ بفتكِه قبل أن يَشتدَّ عودُه، فخَصمٌ كهذا يُثيرُ الوجل". لم تَتمالكِ الطوائفُ المحايدةُ نفسَها من النظرِ إلى "ليو ووشي" بَرعبٍ مَشوبٍ بالرهبة، واستبدَّ القلقُ بالكثيرِ منهم خِشيةَ أن يُصوبَ سِهامهُ نحوهم يوماً ما.
ففي نهايةِ المطاف، حتى "شبه الخالد" لا يَقوى بمفرده على قلبِ موازينِ "عالمِ الخيزرانِ النيلي النجمي" عاليها سافلها، ومع ذلك فقد فعلها "ليو ووشي" حَقاً. لقد أخلَّ بتوازنِ العالمِ بأسرهِ ولم يترك لأحدٍ حُجةً دامغةً لانتقاده.
فقدت طائفةُ الكيمياءِ الإلهيةِ وقاعةُ الأرواحِ العملاقةِ صَفوةَ خُبرائها. أما طائفةُ الوحدةِ الكبرى، فلم يَتبقَّ منها سِوى الشيخِ "يان"، واقفاً في صَمتٍ وكُلُّه جِراح، فقد نالَ منهُ الانفجارُ مَنالاً شديداً.
وعندما دنا "تشوغي مينغ" والشيخُ "جيان" والآخرون، شَخصت أبصارُهم نحو ساحةِ الوغى في حُالةٍ من الذُّهول؛ إذ لم يُصدقوا أنَّ جمعيةَ الطريقِ السماويِّ وحدَها هي مَن حققت هذا النصرَ المؤزر.
وكان الشيخُ "يان" قد وَلّى الأدبارَ سلفاً. لم تتكبد طائفةُ التنينِ السماويِّ خسائرَ تُذكر، ومع تحالفِ "تشوغي مينغ" والشيخِ "جيان"، لم يكن لِيحظى بأيِّ بارقةِ أمل، فكان الفرارُ هو مَلاذهُ الأولَ والأخير.
كانت خمسةُ أيامٍ بلياليها لا تزالُ تفصلُهم عن ختامِ المحفلِ الذي استمرَّ شهراً، بيدَ أنَّ الحُضورَ قد انفضَّت عزيمتُهم عن مُتابعةِ أيِّ شيءٍ آخر. ولم يكن مَن العَجبِ أن تصبحَ فنونُ القتالِ هي مِحورَ حديثِ هذا الجَمع.
كان بإمكانِ الجميعِ استيعابُ فكرةِ رموزِ المصفوفاتِ والحدادةِ والتمائم، إذ كانت كلُّ طائفةٍ تَعرفُ كُنهَ هذه الأنظمة، ولم تكن تزيدُ القوةَ إلا درجاتٍ مَعلومة. لكنَّ الأرواحَ المقاتلةَ كانت نسيجاً وحدَها؛ فقد مَثلت فجرَ عصرٍ جديدٍ كلياً، وعالماً لم يَطأهُ أحدٌ منهم قَط. وشعروا وكأنَّ مِصراعاً جديداً قد فُتحَ على مِصراعيهِ أمامَ أعينِهم.
وشرعَ المتدربون من "المجال الروحي القتالي النجمي" في الرحيلِ تباعاً لِنشرِ أنباءِ ما جرى في "مدينة الكوابيس"، وحثِّ طوائفهم على اقتناءِ أكبرِ عددٍ مُمكنٍ من الأرواحِ القتالية.
قال "ليو ووشي": "هلمُّوا بنا". ثم انبثقَ وحيداً من "القرعة الكونية"، بينما آثرَ الآخرون البقاءَ في الداخلِ في خَلوةٍ وتدريب.
سارعَ "تشوغي مينغ" بقيادةِ خُبراءِ طائفةِ التنينِ السماويِّ خارجَ "مدينة الكوابيس"، توجُّساً من أن تشنَّ طائفةُ الوحدةِ الكبرى غارةً أخرى.
وفي طريقِ العودة، أحاطَ شيوخُ طائفةِ التنينِ السماويِّ "ليو ووشي" بإجلالٍ منقطعِ النظير. ففي "مدينة الكوابيس"، صَرعَ "ليو ووشي" العديدَ من جَهابذةِ عالمِ الخلودِ الأرضي. وحتى لو كان لِلمُباغتةِ يدٌ في ذلك، فإنَّ الحقيقةَ تظلُّ صلبةً لا تقبلُ الشك، ولم يجرؤ أحدٌ على التشكيكِ في بأسِه القتالي.
ومع ذلك، فإنَّ المحاربين الصناديدَ يُبدعون في المكائد. فلو فطنَ الخصومُ لِما سيحدثُ وأعدّوا له عُدّتَه، لَما كان الأثرُ بهذا الدمار. لقد باغتَ هذا الظهورُ الأولُ طائفةَ الوحدةِ الكبرى، وفي المرةِ القادمة، لن تَمضيَ الأمورُ بمثلِ هذه السلاسة.
وبعد بضعةِ أيام، حلّوا أخيراً بـ"المجال النجمي للخيزران النيلي"، واستطارت أنباءُ ما وقعَ في "مدينة الكوابيس" كالنارِ في الهشيم.
تجرّعت طائفةُ الوحدةِ الكبرى مَرارةَ فَقْدٍ فادح، مِمّا أوغلَ صدرَها بالغيظِ الشديد. ورداً على ذلك، سَيّرت حُشوداً من الخُبراء لِمهاجمةِ فروعِ طائفةِ التنينِ السماويِّ في شتّى أصقاعِ العالمِ النجمي.
تفاقمت حِدّةُ الصداماتِ بين الطائفتين، وانحدرت تدريجياً نحو أتونِ حربٍ شاملةٍ لا تُبقي ولا تذر.
وعندما قفلَ "ليو ووشي" عائداً إلى جمعيةِ الداو السماوي، بدأ الجميعُ بالخروجِ من "القرعة الكونية" تباعاً. وبعد أيامٍ من المُرابطةِ في التدريب، استحالَت قوتُهم الإجماليةُ إلى حالٍ غيرِ الحال؛ فقد غنموا مَقاديرَ هائلةً من مواردِ الخالدين الأرضيين، وباتت لديهم مَخازنُ تفيضُ عن الحاجة.
"سيدي، ما مَنحى خُطتنا التالية؟ رغم أننا ظَفرنا بطلبيةٍ ضخمةٍ من حبوبِ الروح، إلا أنَّ الأمدَ لا يتجاوزُ شهراً واحداً. ولن يكونَ من الهَيّنِ تنقيةُ مئاتِ الألوفِ من الحبوبِ في شهرٍ واحد". سألَ "بي غونغيو" مَجردَ اجتماعهم في الرَّدهةِ الرئيسية.
لم يكن عليهم كبَدُ القلقِ بشأنِ طلبياتِ الرقائمِ السحرية، إذ لم يَتلقوا طلباً منها في "مدينة الكوابيس". أما بشأنِ "حبة الزيز الذهبي"، فليس من الحكمةِ طرحُها في السوقِ في القريبِ العاجل. لذا غدا إنتاجُ حبوبِ الروحِ لِتلبيةِ الطلبِ المتزايدِ على رأسِ أولوياتهم.
"لا يَرُعْكَ الأمر. إلى أيِّ مَدى بَلغت مَهارتُك في السيطرةِ على القرعةِ الكونيةِ الآن؟" استفسرَ "ليو ووشي".
فقد ألقى بِمقاليدِ "القرعة الكونية" إلى "بي غونغيو". وبوجودِ "نار سامادي الحقيقية" في أحشائها، لن يَعجزَ عن تنقيةِ عشراتِ الآلافِ من الحبوبِ يومياً.
أجابَ "بي غونغيو" وفي صوتهِ مَسحةٌ من الحياء: "لا زلتُ أُجاهدُ لِتَرويضِها والاعتيادِ عليها".
قال "ليو ووشي": "أَحكِمْ سَيطرتَك عليها في أقربِ فرصة. يتعيّنُ عليك تنقيةُ عشرينَ ألفَ حبةِ روحٍ كلَّ يوم، وستكونُ جمعيةُ الطريقِ السماويِّ في شُغلٍ شاغلٍ خلالَ الأشهرِ الستةِ القادمة. ولكن ما إن نجتازَ هذه الشهور، حتى يغدوَ كلُّ صَعبٍ ذلولاً"، مُتعمداً بَثَّ هذا الضغطِ ليدفعَ "بي غونغيو" لِإتقانِ "القرعة الكونية" على عَجل.
وإذا ما استعصت عليهم القوى العاملة، فبإمكانه دائماً الاستعانةُ بِمَدَدٍ من رِجالِ طائفةِ التنينِ السماوي.
عقّبَ "بي غونغيو": "يا سيدي، لا نملكُ زاداً كافياً من الأعشابِ الروحيةِ حتى وإن طوعتُ نفسي لتنقيةِ عشرينَ ألفَ حبةٍ يومياً. لقد بَسطنا سُلطاننا للتوِّ على كوكبَي (سحابة السماء) و(النيزك الهادئ)، ولا يزالُ قومُنا في طَورِ زراعةِ الأعشابِ الروحية، ولن يَنضجَ حَصادُها لِيكونَ مَدداً لنا قبلَ مئةِ عامٍ على الأقل".
فعندما وضعت جمعيةُ الداو السماويِّ يدَها على الكوكبين، استُحيلتا إلى حقولٍ شاسعةٍ للأعشابِ الروحية. بيدَ أنَّ هذه الأعشابَ تَتطلبُ قرناً من الزمانِ لِتُؤتيَ أُكلَها، وبعضُها يحتاجُ إلى ألفِ عام. ولم يكن في حَوزةِ جمعيةِ الداو السماويِّ رفاهيةُ الانتظار.
قال "ليو ووشي" وعلى ثَغرهِ ابتسامةٌ ماكرة: "هذه هي الخطوةُ الثانيةُ من مِعمارِ خُطتي".