الفصل 476: المواجهة المباشرة مع نصف الإله (الجزء 2)
منطقة مكشوفة على أرض الجزيرة.
تتأجج النار في هدوء، وقد عُلّق سيخ من لحم "نصف إله" فوق عود خشبي، تلتهمه ألسنة اللهب باستمرار.
وبعد شواء اللحم لفترة من الوقت، بدأت رائحة زكية ومغرية تنتشر في الأرجاء تدريجياً.
تعالت أصوات حفيف لا حصر لها، تقترب شيئاً فشيئاً، وكأنها تستدرج حشداً كبيراً من الضواري التي جذبتها هذه الرائحة المنبعثة، لتهرع في هذا الاتجاه.
وبعد فترة وجيزة، بدأت تظهر أزواج من العيون تشبه نيران الأشباح في كل مكان، متربصة وتتحين الفرصة للتحرك.
لكن في هذه اللحظة، لم يكن ذهن "تشين شويي" حاضراً هنا على الإطلاق.
"فرقعة!"
تساقطت الشحوم وسط النار، فانفجرت مجموعة من الشرارات الساحرة.
ارتجف جسد "تشين شويي" قليلاً، وكأنه استفاق من غيبوبة، ثم مسح عينيه ببرود، وأمسك حفنة من الحجارة من الأرض، وقذف بها بقوة نحو الوحوش التي كانت تطمع في اقتحام المنطقة المحيطة.
"أزيز…"
بقوته الحالية، حتى لو كانت الرمية عادية، فإن اندفاع الحجر كان يشبه انطلاق الرصاصة.
وبعد موجة من العويل والصراخ، ولت الوحوش المحيطة الأدبار فوراً في جميع الاتجاهات، واختفت دون أثر.
التقط "تشين شويي" العود الخشبي، وقضم من لحم "نصف الإله" نصف الناضج دون مبالاة بحرارته الحارقة.
في مثل هذه الأوقات، لا يجرؤ على البخل بلحم أنصاف الآلهة، بل يجب عليه أن يكون دائماً في أوج طاقته للتعامل مع أي خطر محتمل قد يطرأ.
مرت الليلة في سلام وسكون.
وفي اليوم التالي، سقطت قطرة ندى على وجهه، ففتح عينيه ببطء، مدركاً أن يوماً آخر قد انقضى.
عاد "تشين شويي" إلى شاطئ البحر مرة أخرى.
كانت الغيوم القاتمة تملأ كبد السماء، وتتلاطم أمواج المحيط بعنف على الشاطئ، حاملةً في طياتها نذير عاصفة وشيكة.
كان على وشك الشروع في ممارسة "ستة وثلاثين وضعية تدريبية أفقية" لتحفيز جسده.
وفجأة، شعر بشكل خافت بأن العديد من خيوط الإيمان تنهار واحداً تلو الآخر.
تصاعد غضب مكتوم في قلبه، تبعه شعور ثقيل بالهم.
أيعقل أنه لا يعرف ما الخطب؟
طوال الوقت، لم يكن "الإله الغامض" يلقي بالاً للقبيلة البربرية في الجزر الأخرى.
ربما استمر هذا الوضع مئات أو آلاف السنين، وإلا لما كان قد أنجب مخلوقات إلهية.
لكن هذه المرة، لا يدرك سبباً لاهتمامه المفاجئ.
هو لا يفهم العلة، لكنه يدرك يقيناً أن وضعه بات على كف عفريت.
وبعد نصف ساعة، انهارت مئات أخرى من خيوط الإيمان.
يتناقص عدد أتباعه بسرعة البرق.
ستة آلاف…
أربعة آلاف…
ثلاثة آلاف…
ظن أنه سيتقبل الخسارة بصدر رحب، لكن عندما حدث الأمر واقعاً، وجد أنه يعجز عن الحفاظ على رباطة جأشه.
كان هذا هو الإيمان الذي بناه بعناية فائقة على مدار عدة أيام.
وبمجرد اختفاء جميع أتباعه من البرابرة، سيصل معدل نمو قيمة إيمانه إلى الحضيض.
بحلول الظهر، بدأ الجو يمتلئ بحالة من الركود، تحمل في طياتها ملامح التوتر والقلق.
وبعد ضجة عارمة في الغابة، ساد صمت مطبق، فأدرك "تشين شويي" فجأة أن "الإله الغامض" يشد الرحال إلى هنا.
"اهرب، اهرب بسرعة!"
"الشرير قادم لا محالة!"
كانت "سيدة الصدف" تصرخ بجنون في أذنه، وهي تقفز صعوداً وهبوطاً.
يبدو أن "تشين شويي" لا يعيرها سمعاً، فقد كان يحدق بشدة في أفق البحر، وقلبه يخفق بعنف، وقبضتاه مشدودتان بإحكام.
نادت "سيدة الصدف" مراراً وتكراراً، وعندما رأت ذلك العملاق البليد واقفاً بلا حراك، طارت حوله في ذعر كالهائمة على وجهها.
لقد أرعبها ذلك الجو الخانق والمضطرب الذي خيّم على السماء.
لمحت شقاً ضيقاً في صخرة جبلية قريبة، فانطلقت بسرعة من فوق كتف "تشين شويي"، ولوت جسدها بقوة حتى حشرت نفسها فيه.
ثم أغمضت عينيها وتظاهرت بالموت.
"دوى الرعد!"
ومضة برق مزقت أحشاء السماء.
وتساقطت قطرات المطر بحجم حبات العنب، وتناثرت على الأرض مثيرةً سحباً من الغبار.
وفي اللحظة التالية، ظهر وحش عملاق ضخم من أعماق البحر، يطير بسرعة خاطفة، مسبباً أمواجاً عاتية.
كان جسده مغطى بفيض من الضوء المتدفق، والهواء المحيط به مشوه يبعث على الحيرة.
"هذا… نصف إله!"
ارتسمت ملامح البرود على وجه "تشين شويي".
لقد خاض من قبل معارك إلهية وجهاً لوجه، كما نجا بأعجوبة من قبضة "إله النهر"، وبالمقارنة مع كل ذلك، فإن هذا الوحش العملاق أدنى مرتبة بلا شك، وليس في ذات المستوى على الإطلاق.
شد قبضتيه بقوة، فاحتكت جلود مفاصله محدثةً صوتاً مزعجاً يشبه صرير الأبواب القديمة.
ازداد الغضب المكبوت في قلبه حدة، وبدأ يشتعل كالتنور.
كان جسده كله ينبعث منه طاقة ضبابية كثيفة.
"وعلى كل حال… لقد أطحتُ باثنين من أنصاف الآلهة بيدي هاتين!" همس فجأة بصوت خافت:
"أحدهما أثخنته بالجراح، والآخر قتلته في لحظة سانحة، ولكن بالمقارنة مع ما كنت عليه، فقد زادت قوتي الآن أكثر من عشرة أضعاف."
"وعلى الرغم من أن أنصاف الآلهة هنا أقوى بكثير من أولئك الموجودين على الأرض في العالم الآخر، إلا أنني طرأت عليّ زيادة في القوة أيضاً!"
ازدادت عيناه بريقاً، وكأنها جمرتان تتقدان.
لا داعي للوجل.
حتى لو كان "نصف إله"، فما زلت قادراً على سحقه!
ذلك الكيان ليس له اسم محدد، ومع ذلك فله أسماء شتى.
مثل "حامي القبيلة"، و"خارق الجبال"، و"الشمس الأبدية"…
ومن بين كل تلك الألقاب، يفضل لقب "الشمس الأبدية".
لأنه الآن يتمتع بقوة تضاهي الشمس في كبد السماء.
قبل أن ينال مرتبة الألوهية، كان يعتقد أن كونه إلهاً لن يغير من الأمر شيئاً.
وبغض النظر عما كانت عليه الأمور سابقاً، فإنها ستبقى على حالها بعد التغيير.
لكن بمجرد أن صار إلهاً، أدرك أن العظمة تكمن في هذا المقام.
كانت اللذة في كونه إلهاً أمراً لم يدر بخياله قط من قبل.
يشبه الأمر اتخاذ خطوة أبعد من ضفدع يعيش في قاع بئر، حيث اتسعت رؤيته ألف مرة.
قوة أعظم، وبصيرة أوسع، وقدرة على الحركة أقوى، كل ذلك جعله يشعر وكأنه وُلد من جديد؛ روح تشع بحيوية الشباب، وتفيض برغبة عارمة في الاستكشاف.
أما بالنسبة للوجود السابق الذي كان يشكل تهديداً له، فقد صار الآن يزدريه تماماً.
لقد أصبح الآن إلهاً، والآخر في نظره ليس سوى مخلوق إلهي بسيط.
وإذ يتذكر الإزعاج الذي سببه له ذلك الكائن سابقاً، لا يسعه إلا أن يشعر بإهانة بالغة، وهو أمر مخزٍ يدفعه للبحث عنه ليمزقه إرباً، ويطحنه حتى يصير كالعجين.
وهذه الجزيرة تنبعث منها هالة يمقتها بشدة…
في هذه اللحظة، شعر فجأة بحركة والتفت بسرعة.
ومن بين الأشجار المتمايلة، رأى عملاقاً ذا لون رمادي يميل للبياض، يدفع الأشجار جانباً بيديه، ويتجه نحو الشاطئ.
تحولت نظرته على الفور إلى نظرة باردة كالثلج.
كان هذا العملاق يبلغ من الارتفاع ثلاثة وعشرين متراً.
ومع كل خطوة يخطوها، كانت الأرض ترتجف، وتهب رياح عاتية على الجزيرة الصغيرة، وتتمايل الأشجار بعنف.
بينما كان "تشين شويي" يسير، مزق حقيبة ظهره بأصابعه، ليستخرج منها أكثر من أربعين رطلاً من لحم أنصاف الآلهة، وفي يده الكبيرة كانت تبدو كقطعة لينة من العجين، ثم حشرها في فمه لقمة واحدة، وهو يمضغها دون توقف.
لحم "نصف الإله" الذي كان يتمتع بصلابة لا تصدق، تلاشى تحت قوة عضه المرعبة، وسُحق بسهولة، وطُحن في الحال ليصير مادة ناعمة ابتلعها في معدته.
سحب "تشين شويي" شجرة ضخمة يبلغ قطر جذعها مترين بكل هدوء، وجرها خلفه ببطء وهو يتقدم.
كان دمه يغلي، والقوة تتراكم في جسده في صمت مطبق.
هذه المرة، كان تحولاً عملاقاً بحق.
واكتشف تغييرين بارزين:
أولاً، أصبحت سرعة تحوله خاطفة، فبينما كانت تستغرق سابقاً ثانية واحدة على الأقل، أصبحت الآن تستغرق أقل من ثلث ثانية.
ثانياً، بات بمقدوره التحكم في حجمه بحرية تامة، فيمكنه أن يتحول إلى عملاق بطول ثلاثة وعشرين متراً، أو عملاق بطول خمسة أمتار، حسبما تقتضيه حاجته ورغبته.
وبالطبع، التغيير الأعظم هو أنه صار أقوى بكثير.
إنها قوة لا تدانيها قوة!
بمجرد إطلاق العنان لها، ستهز أركان العالم هزاً.