Switch Mode

شفرة داركستون 1108

الجميع يستعد لذلك اليوم +


**الفصل 1108: الفصل 1106: الجميع يستعد لذاك اليوم**

في اليوم الثاني من وصول "أكومال " إلى "أميليا " ألقى خطاباً بعنوان "العالم يحتاج إلى السلام " هزَّ به أركان العالم بأسره مجدداً.

وفي اليوم الثالث ، حضر بصفته شاهداً على جلسة الحوار بين ممثلي "أميليا " المنتخبين ومسؤولي المنطقة الخاصة ، وعلى رأسهم الحاكم. حيث كان الطرفان يجلسان إلى طاولات رُتبت في صفين متقابلين تفصل بينهما مسافة واضحة. وقد جاء الممثلون المنتخبون من مدنٍ شتى ، وهم أعيان تلك البلاد ووجهاؤها الذين نالوا ثقة الأهالي ليكونوا صوتهم في هذا الحوار.

جلس "أكومال " على مقعد بين الطرفين ، ملتزماً الحضور دون أن يتدخل في سير النقاشات. وكان الصحفيون من مختلف الدول يسجلون المشهد بعدساتهم بكل أمانة ؛ إذ بفضل تأثير "أكومال " أخذت النزاعات تُحل في إطار من النظام والحوار.

كانت المسائل تُطرح الواحدة تلو الأخرى ، وما إن تظهر مستجدات حتى تُحدث دوياً هائلاً! لقد تجسدت في هذا المشهد روح "أكومال " وفكره ؛ فالحق يقال: إن للحلول طرائق شتى ، فلماذا نلجأ إلى العنف و "الصلح خير " ؟ ولماذا لا نسلك دروب السلم ؟ لم يكن أحد يفكر بهذا المنطق من قبل ؛ ربما لأن خيار العنف كان الأسهل ، أما الآن فقد بدأ الناس يدركون قيمة هذا النهج السلمي.

بدت الأمور واعدة ، على الأقل في الوقت الراهن. حتى تلك المشكلات التي استعصت على الحل بالعنف ، وُجد لها مخرج ، وأيقن الجميع في هذه اللحظة أن "أكومال " وأفكاره سيغدوان قوة توجيهية ترسم ملامح النظام العالمي الجديد.

لاحقاً ، وبعد انتهاء مفاوضات ذلك اليوم ، عاد الحاكم إلى قصر الحاكم ، متبوعاً بنخبة من المسؤولين. حيث كان الحاكم يدير شؤون البلاد من مقره الذي يتكون من خمسة أقسام: فناء أمامي كأنه حديقة غنّاء ، يليه مبنى إداري ذو طراز محلي يتألف من أربعة طوابق. وخلف مبنى المكاتب تمتد حديقة مركزية ، وتليها الأجنحة الخاصة بالحاكم ، وهي عبارة عن قصر مستقل من ثلاثة طوابق مصمم على طراز "غافورا " القويتقراطي ، وصولاً إلى الحديقة الخلفية. فلم يكن الحاكم مضطراً للتنقل بين مسكنه ومقر عمله ، وهي ميزة تضاهي امتيازات الأباطرة ؛ فالإمبراطور لا يغادر قصره أبداً للعمل ، بل مكتبه جزء لا يتجزأ من حرم القصر.

كانت سلطة الحاكم واسعة النطاق ؛ فهو أشبه بإمبراطور مقاطعة "أميليا " يمسك بزمام كل شاردة وواردة ، بل يمكنه -إن دعت الحاجة- أن يتصدى لبعض مطالب جزيرة "غافورا " الرئيسية ؛ فما دام يرى أن تلك المطالب "غير منطقية " أو "تفتقر إلى اللياقة " فله الحق في الامتناع عن تنفيذها. وعبر التاريخ كان من يتولى منصب الحاكم دوماً من أعضاء الأسرة الإمبراطورية الموثوقين أو من النبلاء ذوي النفوذ الطاغي.

في المكتب ، اجتمع نفرٌ من المسؤولين ، فبادر أحدهم بسؤال الحاكم "يا صاحب السعادة ، إن بعض الأجندات تتجاوز بوضوح نطاق نقاشنا ؛ لذا كان بإمكاننا تجاهل هذه القضايا ". فقد كانت بعض المواضيع التي طرحها الممثلون المنتخبون خارجة عن استراتيجيات الاستجابة ، مثل مطالبة ممثل إحدى المدن بمنحها قدراً من الحكم الذاتي. حيث كان ذلك نابعاً من خوف السكان من أهل "غافورا " فكل المدن تضررت أثناء قمع التمرد الأول.

في البداية كان الموافقة على أمر كهذا ضرباً من المحال ؛ فقد بذلت "غافورا " جهداً جهيداً ووقتاً طويلاً حتى استقر الوضع على ما هو عليه ، فهل يُعقل أن يُمنحوا الحكم الذاتي بمجرد المطالبة به ؟ ومن ذا الذي سيقبض على زمام الأمور حينها ؟

لكن ، على غير المتوقع لم يكتفِ الحاكم بالاستماع بصبر لمبرراتهم ، بل قدم لهم إجابة حاسمة ، حيث سمح للسكان المحليين بالاندماج المناسب في الأجهزة الحكومية ، كجهاز الشرطة والقطاعات الأخرى. أظهر هذا القرار صدق نوايا الحاكم الذي لمسه الجميع. وتوالت بعد ذلك سلسلة من القضايا ؛ فباستثناء حالات قليلة كطلب المحليين تشكيل جيشهم الذي قوبل بالرفض كانت معظم المطالب المعقولة وغير المتطرفة موضع قبول ، أو على الأقل تم التوصل فيها إلى تنازلات طفيفة من أجل الترقية.

جلس الحاكم على كرسيه ، واضعاً إبهامه وسبابته تحت ذقنه يسنِد وجهه ، وجسده يميل في جلسته. بدا وكأنه لم يسمع حديث المسؤولين ؛ وبعد صمت دام عشرين أو ثلاثين ثانية ، نظر إلى ذلك المسؤول قائلاً "السماح لهم بالانخراط في الشرطة لن يؤثر على قبضتنا عليهم ، بل على العكس ، سيجعلهم أكثر ميلاً للتحالف معنا. إنهم سيستنكرون الجرائم التي يرتكبها أبناء جلدتهم بشدة ، وسيلجؤون إلى أساليب أكثر صرامة ، وهذا لن يضرنا. و هذه المسأله لا تحتاج إلى مزيد من النقاش ، دعونا نراقب الموقف ميدانياً أولاً ".

أومأ المسؤول برأسه صامتاً ، بينما راح بقية المسؤولين يطرحون قضايا شتى كان الحاكم يجيب عنها جميعاً بسعة صدر ، بما في ذلك موضوعات مثل خفض الضرائب المحلية ، وضمان معاملة السكان معاملة عادلة قدر الإمكان.

وبعد أن نال الجميع إجابات على تساؤلاتهم ، انصرف المسؤولون واحداً تلو الآخر ليباشروا أعمالهم ويعدوا الخطط التنفيذية. خلت الغرفة ولم يبقَ فيها سوى شخصين: الحاكم وابنه. حيث كان للحاكم ابنان ؛ الأكبر يقف أمامه ، بينما كان الأصغر يدرس في الخارج ولا يبدي أي اهتمام بالسياسة ، مما جنّب العائلة صراعات الأخوة على الميراث. وبالطبع ، فإن التخلي عن السلطة يعني أن الحاكم يعوض ذلك بامتيازات مالية ، وهو ما لم يعترض عليه الابن الأكبر. ففي "غافورا " ما دمت تملك اللقب والامتياز ، فإن جني المال أمر يسير.

قال الابن الأكبر -الذي يعمل سكرتيراً للحاكم- بعد أن رحل الجميع ، وهو يبحث عن مكان ليستريح فيه ويسكب لنفسه كأساً من النبيذ "يا أبي ، لا أفهم تماماً لماذا نقدم كل هذه التنازلات ؟ ". لم تكن معاملة المحليين سابقاً بهذا اللين. ورغم أن الإمبراطورية والحاكم كانا يوظفان فكر "أكومال " لتهدئة الاضطرابات المتبقية إلا أن الابن كان يرى أن تلك التنازلات مبالغ فيها. حيث كان يمكن تغيير بعض الأمور تدريجياً ، كطموحهم للحكم الذاتي ، حيث كان يمكن منحهم مهام بسيطة في البداية ، وتصعيدهم تدريجياً لا منحهم سلطة الشرطة فوراً ، مما يفتح شهيتهم للمزيد.

نظر الحاكم إلى ابنه الذي كان في العشرينيات من عمره ، وكان يبدو كأنه النموذج المثالي لذائقة الإمبراطورية في النبلاء: وسيم ، جذاب ، وجهه طويل قليلاً يضفي عليه هيبة الوقار ، ويبدو متألقاً حتى بالشعر المستعار. و لكنه ، رغم ذلك يفتقر إلى الرؤية الشاملة ، وهذا ليس خطؤه بالكامل ، فصغر سنه هو العذر.

قال الحاكم بكلمات غامضة لم يفهمها ابنه "علينا أن نثبت الأوضاع هنا بأسرع وقت ممكن ". فسأل الابن باستغراب "لماذا ؟ ".

أطلق الحاكم بصره نحو اتجاه الإمبراطورية خارج النافذة ، بعيداً وراء الأفق حيث لا شيء يرى ، لا رايات "غافورا " ترفرف ولا ملامح للجزيرة الرئيسية ، لكن نظراته بدت وكأنها تجوب مسافات شاسعة ، محلقة فوق وطنه من السماء. وقال "لأن الجزيرة الرئيسية على وشك أن تغرق في الفوضى. وحين تحل الفوضى هناك ، يصبح استقرارنا هنا أمراً حيوياً للغاية ".

بدا الحاكم متأثراً ، فمن كان يظن أن الأسرة الإمبراطورية ، بعد أن استعادت السلطة لفترة طويلة لم تكد ترثها لأجيال حتى انتزعها رئيس الوزراء منهم ؟ بل إنهم لا يكتفون باستعادتها فحسب ، بل يبدو أنهم عازمون على قطع أي فرصة للأسرة في العودة إلى سدة الحكم بضربة واحدة. وما إن تبدأ هذه العاصفة حتى تطال أراضي "غافورا " كافة. وإذا ما اندلع الصراع بين النبلاء والأسرة الإمبراطورية ، فقد تشهد البلاد مواجهات دامية وربما حروباً أهلية.

بالطبع ، هو يدرك تمام الإدراك أن رئيس الوزراء والإمبراطور سيحاولان بكل قوتهما احتواء أي اندلاع لحرب أهلية ، والدليل على ذلك الأسطول الذي غادر الميناء. فالعالم بأسره ينعم حالياً بهدوء تام ؛ وحين تبحر السفن الحربية ، لا تجد وجهة محددة ، بل تهيم في المحيط الغربي دون هدف. وهذا الوضع سيستمر لفترة قصيرة ، عامين أو ثلاثة أعوام ليس أكثر.

يجب حسم كل المسائل قبل اندلاع الحرب القادمة ؛ إذ يسود اعتقاد عام بأن جولة جديدة من الحروب ستنشب بعد حوالي سبع أو ثماني سنوات. وهذا ليس مجرد تخمين من خبراء ، بل هو حقيقة واقعة ؛ فالاتحاد ، شأنه شأن كل الدول ، يندفع بجنون لتعزيز التكنولوجيا العسكرية وتحديث المعدات. فعلى سبيل المثال ، الدول التي كانت تعارض "غافورا " تبني أعداداً هائلة من السفن الحربية والمعدات العسكرية. وهذه الأشياء ليست للعرض أو للدفاع ، بل وظيفتها الوحيدة هي الهجوم!

وبالنظر إلى المستوى الصناعي الراهن ، ستخضع المعدات العسكرية لدورتين من التحديث في غضون سبع إلى ثماني سنوات ، مما يعني أنه إذا لم تقع الحرب ، ستذهب جهودهم خلال هذه الفترة هباءً. وحينها ، سواء بسبب المعدات المصنعة أو العداوات السابقة ، سيضطرون لشن حرب حتماً! الخاسرون في الحرب سيتحملون التكاليف ، بينما سينهب الآخرون ثرواتهم ومواردهم وحتى أراضيهم!

يدرك رئيس الوزراء ذلك ويعلمه الإمبراطور أيضاً ، لذا لن يؤجلا "المعركة الحاسمة " إلى حين اندلاع الحرب ، إذ لا مصلحة لـ "غافورا " في ذلك. إن الانتقال من كيان سياسي إلى آخر يحتاج وقتاً ، والتعديلات تستغرق أربع إلى خمس سنوات لضبط أوضاع "غافورا " بالكامل. وسواء انتصر رئيس الوزراء أو الإمبراطور ، فالنتيجة واحدة ؛ فإذا نجح رئيس الوزراء سيؤسس مؤسسة سياسية تكون هي المحور الجديد ، وتنسحب الأسرة الإمبراطورية من المشهد. وإذا انتصر الإمبراطور ، فسيصلح النظام السياسي ليمنع تكرار استيلاء رئيس الوزراء على السلطة.

ومهما كان القائد لهذه التغيرات ، فلا بد من فترة تأقلم طويلة تتبعها استعدادات للحرب. وفوق ذلك حتى الحاكم نفسه لا يرى فرصاً كبيرة للإمبراطور في هذه اللعبة ، فهو لا يملك أوراقاً قوية للضغط. وإن استقرار "أميليا " هو في حقيقة الأمر أكبر سند للحاكم في هذه المواجهة. فما دامت الأوضاع هنا مستقرة ، لن يضطر الإمبراطور للقلق من مشكلات جانبية ، وسيتفرغ لماذا يجري في الجزيرة الرئيسية. ومع ذلك فالحاكم غير قلق على منصبه ؛ فمهما حدث ، لن يستطيع أحد زعزعة مكانته في غضون السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة. وهذه هي الأمور التي لا يدركها ابنه بعد.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط