لم يكن رايز، بمعية حلفائه، بمعزل عن الآخرين الذين أدركوا حتمية حدث جلل، الأمر الذي حثَّ "ألتر" وفصيل النور على الشروع في إجراءات.
بوجه خاص، أخذ فصيل النور زمام المبادرة في التحرك، وبسط نفوذًا هو الأعظم بين سائر الفصائل. وقد دُعي إلى اجتماع طارئ ضمّ قادة جميع عشائر فصيل النور.
أما عن الجهة التي بادرت بالدعوة إلى الاجتماع، فقد كانت ممثلة في كاواك وسيكل، زعيمي قبيلتي الفجر و"إلوميأمه". وبفضل دعوة هذين الزعيمين النافذين، استُدعي كل قائد يمتد نفوذه على أراضيهما، وكل رئيس قبيلة يقطن بلدة أو قرية، إلى قاعة الاجتماع.
اصطف رؤساء العشائر داخل غرفة دائرية، تلتف حول جدرانها مقاعد متدرجة. حضر الاجتماع زهاء ستين عضوًا، بينما وقف كاواك وسيكل على أرض القاعة.
استهل كاواك حديثه قائلًا: "أشكركم جميعًا على تلبيتكم الدعوة في هذه المهلة الوجيزة. في العادة، كنا لنجلس في مقاعد الصدارة، لكن حضوري هنا لأخاطبكم جميعًا يؤكد مدى جسامة هذا الاجتماع."
ضمن صفوف الجالسين، كانت هناك ثلاثة مقاعد محجوزة لأقوى العشائر ضمن فصيل النور، تلك العشائر الثلاث التي تحوز أعظم قسط من النفوذ.
في تلك الآونة، كان شخص واحد فقط يجلس في أحد تلك المقاعد الثلاثة، وهو إمبيرس المنتمي إلى عشيرة فجر الشفرة.
حضر بقية شيوخ عشيرة فجر الشفرة، ولكن نظرًا لما استجد مؤخرًا، فقد عُيّنت هي رئيسةً للشيوخ. كانت تجلس مطوية الذراعين، وسيفها مسنودًا على حجرها، منصتةً لما يُطرح.
"نحن نقف عند منعطف تاريخي حاسم!" هكذا أعلن كاواك. "لقد بات جليًا تمامًا أن قوى جديدة تفوق استيعابنا تلوح في الأفق. فالفصيل الشيطاني والفصيل المظلم يدنوان منا يومًا بعد يوم."
"بيد أن التغيير محتوم، ونحن في طليعته. وإن لم نبادر بتغيير هذا الوضع، فسوف نُجرف إلى غمار هذه الفوضى. لذا، ليس لنا سوى خيار وحيد: إما أن نتصدى لها، أو أن ننساق في تيارها!"
ما إن سمع الحضور خطاب كاواك، حتى أومأ كثيرون منهم بالموافقة. فقد كان القلق يساورهم حيال أمورٍ بعينها منذ أمدٍ طويل، وبالتأكيد لم يساورهم شعور بأن مجريات الأحداث تسير في صالح فصيل النور.
"يجب على فصيل النور أن يبذل قصارى جهده لصون مبادئه، ونحن بحاجة إلى التأكد من أن الجميع على قلب رجل واحد، وأنهم يناصرون ذات المبادئ التي نؤمن بها… والآن، لو سألتكم: من هم أقرب الناس إلينا ممن لا يتبنون مبادئنا؟ فماذا عساكم تجيبون؟"
تبادل القادة النظرات، وقد استغرقهم التفكير في الأمر. فكانت قارتهم تجاور كلًا من الفصائل الشيطانية والمظلمة. فأيهما أقرب حقًا؟
"لعل الفصيل المظلم… فلقد عانينا منهم جل المتاعب، هل هذا ما ترمي إليه؟" سأل أحد القادة.
"لا! هذا التفكير تحديدًا هو علة تخلفنا عن الركب،" قال كاواك. "فأقرب الناس إلينا، والذين لا يمتثلون لمنهجنا، هم السكان المحليون."
تساؤل القادة: "السكان المحليون؟" وسرت همهماتٌ خافتة بينهم حينما سمعوا هذه الكلمات. لم يصدقوا فحوى ما يُلمّح إليه، ولا كيف آلت الأمور، لكنهم قرروا الإصغاء في الوقت الراهن.
وأضاف سيكل: "إن السكان المحليين لا يمتثلون لنهجنا أو معتقداتنا. فهم ليسوا مكونًا من فصيل النور الذي أرسيت دعائمه، ويملكون أهدافهم الخاصة."
"من اليسير جدًا أن نرى، إذا ما اقتنعوا بما يخالفنا، أن ذلك سيكون وبالًا علينا. ومع ذلك، يمتلكون وفرة في الموارد، ومئات الألوف من الأرواح المستعدة للتضحية في سبيلهم."
"لكن الجرم لا يقع على عاتق الشعب ذاته، بل يقع على عاتق من يعتلون سدته."
"هذا هو عين الصواب!" قال كاواك بحماس. "كيف لنا أن نخوض غمار القتال كجسد واحد، كيف لنا أن نخطو قُدمًا بينما أقرب الناس إلينا لا يتبعوننا؟ لا يسندوننا إسنادًا كاملًا من مؤخرة الصفوف. علينا أن نوحد صفوفنا، ولا بد من تكبد بعض الآلام لنحقق في النهاية مدينتنا الفاضلة!"
تواصلت الهمهمات بين القادة، ثم سأل أحدهم: "هل تطلبون منا أن نناوئ المواطنين المحليين، وأن ننكث بالعهد المبرم بين محاربي 'باجنا' وبينهم؟ إذا حدث ذلك، فسيُطْبق علينا البلاء جميعًا!"
أجاب سيكل: "هيهات أن يحدث ذلك! أنا على يقين بأنكم سمعتم كيف أن الساحر الدامس قد دحر مملكة 'بيل' وأردى ملكها قتيلًا، ومع ذلك لم يمسسه سوءٌ قط."
"إذن، هل ترمون إلى أن ننهج ذات أساليب الفصيل الدامس؟ وأن نتجرد من قيمنا الجوهرية؟ فحينئذٍ نكون أحطّ منهم منزلة!" صاح قائد آخر، وبدا أن جموعًا غفيرة في القاعة تشاطره هذا الرأي.
"سنبذل قصارى جهدنا لتقليص عدد الضحايا إلى أقصى حد ممكن، ولنستبدل فقط من يقتضي الأمر استبدالهم، ولنفرض عليهم قيمنا لخيرهم الأسمى."
"تذكروا ما قلته لكم: تغيير جلل يلوح في الأفق، وإن لم نفعل ذلك فسيضمحل كل شيء. ستغدو مدينتنا الفاضلة، ومثلنا العليا، وأرضنا مرتعًا للشياطين واللصوص فحسب… إننا جميعًا نتحمل مسؤولية بلوغ الأمور هذا المآل."
"وأود أن أضيف أن عقابنا الآن يكمن في اضطرارنا إلى هذا التدبير. علينا أن نتحمل تبعات خطايانا بأنفسنا، حتى يتسنى للمستقبل أن يتمتع بالرخاء الأقصى الذي سنشيده لهم."
كان سيكل يبتسم في قرارة نفسه وهو يرى إيماءات الموافقة المنتشرة في أرجاء القاعة. وإن كان من شيءٍ برع فيه كاواك، فهو فصاحته وبلاغته، ومعرفته الدقيقة بما يجب أن يُقال للناس، وفي أي وقت يُقال، ليضمن بذلك هلاكهم المحتوم.
"إذن، ما الذي تقترحه على وجه التحديد؟" سأل زعيم آخر.
سأل كاواك، وكأنه يطرح على نفسه سؤالًا: "ما هي المهمة المطروحة؟" ثم أجاب بحزم: "القضاء على الإمبراطورية، وجمع شتات الشعب ليوحده."
*****
للاطلاع على آخر المستجدات حول "جكسمانغا" وأعمالي المستقبلية، يُرجى متابعتي على حساباتي في وسائل التواصل الاجتماعي أدناه.
إنستغرام: جكسمانغا
استكشف المزيد من القصص مع فريي
*على منصة باتريون: جكسمانغا