"ها ها ها ها!" انفجرت ضحكاتٌ آليةٌ مدوّيةٌ في عُمق الصمت الذي كان يسود الغرفة، وكانت جميعها تنبعث من شخص واحد هو هارفي.
كان هارفي يتوق لهذه اللحظة بشدة. لقد هيأ المسرح على مستوى ألتيريان الشامل ليلفت الأنظار ويستحوذ على أقصى قدر من الاهتمام. وحينما رأى الجموع المحتشدة، وشاهد وجوههم تتوهج وتنبض بترقبٍ لهذه اللحظة، أدرك أن هذه القصة تستحق أن يخلّدها التاريخ ويعرفها كل أحد.
وقد انقضى وقتٌ كافٍ لتلتقط محطات الأنباء، ومختلف وسائل الإعلام والبث، مجريات الأحداث. وبذلك، بات جميع سكان ألتيريان على علمٍ بما جرى. ولقد سمعوه يجهر بتلك الكلمات، مُعلنًا عن نفسه بصفته الساحر المظلم.
شعر الواقفون على الأرض باهتزازٍ يسري في أقدامهم وارتجافٍ يعتري شفاههم، وهم يستمعون إلى الرجل المرتدي للرداء وهو يصدح بتلك الكلمات المُحَرَّمة، تلك الكلمات التي قلّما تُتداول في هذه الأيام: "الساحر المظلم".
"كل هؤلاء الأشخاص الذين يتمرّسون في السحر الأسود، وتلك النقابة المظلمة التي يتحدثون عنها، كل ذلك إنما يعود إليه؛ إلى الساحر المظلم ذاته."
"لا يمكن أن يكون هو بعينه! لا بد أنه شخص ينتحل اسمه. هذا محض ضرب من المحال، ولا يعقل أن يكون هنا في هذا التوقيت."
"ولكن إن كان هو، فلن تكون أزبيث كافيةً وحدها لمواجهته. إنه رجلٌ قضى على نقاباتٍ بأكملها بمفرده، والآن بات يمتلك نقابته الخاصة، المليئة بكل من يتمرسون في السحر الأسود أيضًا. ما الذي يجري بحق السماء؟"
كان رايز يستنفد كمية هائلة من السحر في تلك اللحظة. كان يرتدي رداءً، إلا أنه لم يكن رداءً سحريًا مخصصًا، فقد اعتاد على استخدام سترته في غالب الأحيان أثناء النزال. ولأنه لم يرغب في الكشف عن هيئته الحقيقية أمام أهل ألتيريان، وحرصًا منه على إبقاء هويته طي الكتمان عن أولئك الذين يعنيهم أمره حقًا، فقد استدعى نوعًا خاصًا من الرداء مستخدمًا سحره المظلم.
كانت تنبعث من جسده هالةٌ سحريةٌ باستمرار فوق ردائه، مما جعله يرتعش ويتحرك بلا انقطاع حتى وهو يقف ساكنًا، كما لو أن ألسنة اللهب المظلمة كانت تتلبّس رداءه. وبالمثل، كان رايز يستخدم السحر المظلم ذاته ليتحرك باستمرار أمام وجهه، كحجابٍ أسود متراقصٍ يخفي ملامحه.
"أيها الساحر المظلم، أتظن أنني حمقاء!" صاحت أزبيث وهي تلوح بسيفها، فانطلقت صاعقةٌ ارتطمت بالأرض أمام رايز.
"لقد قتل الساحر الأعظم الساحر المظلم، ولم يعد العالم يخشى هذا الاسم بعد الآن! أتظن أنك قادرٌ على خداع العالم بأسره وبث الرعب في قلوبه؟ الآن أدركت حقيقة ما تفعله."
صاح هارفي بحدة: "اصمت! إن العالم فاسدٌ متآكل، والسبيل الوحيد لإصلاحه هو هدمه وإعادة بنائه من جديد. هل تظن أنه لم يكن هناك سببٌ وجيهٌ لاختيارنا لك، نحن نقابة الظلام؟"
"لم تصل نقابة أوريان إلى مكانتها الرفيعة عن جدارةٍ واستحقاق. فعندما اكتشفت النقابات الأقل شأنًا مواقع بواباتٍ جديدة، أجبرتموها على تسليمها قسرًا. وإذا لم تمتثل لتلك الأوامر، ففي بعض الحالات كان السحرة يختفون في ظروف غامضة أثناء رحلاتهم عبر البوابات."
"حينما كانت هذه التقارير تظهر للعلن، كنت أنت من يقوم برشوة المسؤولين، وتُبرم الصفقات المشبوهة مع نقابة سيريبوس. هناك سببٌ خفي وراء ارتباطك الوثيق بنقابات الساحر الأعظم، فالفساد لا يبدأ إلا من هنا، ويمتد ليُفسد قمة الهرم الأعلى، الساحر الأعظم نفسه."
"العالم بأسره يتبع زيفًا مبينًا وحقيقةً مزيفة، ونحن، نقابة الظلام، إلى جانب الساحر المظلم، سنفضح هذا الزيف ونكشف النقاب عن حقيقةٍ جديدة."
"لقد سمعت ما يكفي!" قالت أزبيث بلهجةٍ حاسمة. "سأفضح زيف هذا الادعاء أمام الملأ حتى لا يعيش أحدٌ في خوفٍ بعد الآن!"
اندفعت أزبيث للأمام ولوّحت بسيفها لتوجه ضربةً مباشرةً نحو رايز. كانت ضربتها خاطفة، وانطلق البرق متزامنًا مع تأرجح السيف. وعندما كان السيف على وشك أن يلامس الرجل المرتدي للرداء، دوّى صوت اصطدام المعدن بالمعدن ليملأ أرجاء الغرفة.
كان رايز يمسك بسيفٍ في يده، سيفٍ رفيعٍ تعلوه مسحةٌ زرقاء خافتة.
"أتظن أنك تستطيع استخدام سيفٍ ضد مبارزٍ سحري؟" هكذا ادعت أزبيث بتهكم.
تحركت أزبيث من جانب إلى آخر، موجهةً ضرباتها نحو رايز. بيد أن السيف لم يكن يصيب شيئًا سوى الهواء وهو يهوي به، بينما كان الظلام الذي يكتنف جسد رايز يصد الشرارات الكهربائية المتطايرة.
"في هذه الهيئة، لا أستطيع استغلال الطاقة الحيوية… لكن، بعد كل ما مررت به، هذا الجسد لم يعد كما كان من قبل، حينما كنتُ الساحر المظلم القديم. هذا الجسد قويٌ، وهو رشيقٌ كذلك. ولقد خضت معارك لا تُحصى بالسيف."
"لقد قاتلت وواجهت مبارزين بارعين في جميع أنحاء باجنا!"
حينما اقتربت ضربات السيف من وجه رايز، بدأ رايز بصدّها ودفعها. ومع كل صدٍّ وإبعادٍ للضربة، كان رايز يُفعّل سحره البرقي. اشتبك الاثنان في صراع، وشعرت أزبيث بسيفها يُقذف جانبًا تمامًا.
"ما الذي يحدث… أشعر وكأنه يستخدم قوةً أقل مني، وسحره ليس بأقوى من سحري، فلماذا يستطيع صدّ جميع ضرباتي؟" فكرت أزبيث متعجبةً.
لوّحت أزبيث بسيفها نحو وجه الرجل المقنع، بيد أن ضربتها أخطأت هدفها. وبدلًا من ذلك، شوهد السيف وهو يطعن وجهه مباشرةً، ويخدش خده ويتسبب في تدفق الدم.
تساءلت أزبيث وهي تتراجع بسرعة، مخلفةً مسافةً بينهما بفعل الريح التي أحدثتها، "ما هذا؟ أي نوع من السحر تستخدمه؟"
"سحر؟" أجاب رايز وهو قابض على سيفه. "ما أستخدمه ليس بسحرٍ قط. أنا فقط أتقن فن استخدام السيف ببراعة. وإن كنتِ تريدين رؤية السحر حقًا، فدعيني أريكِ إياه."
بدأت فكرةٌ تتبلور في ذهن رايز. ففي ألتيريان، كان هناك سحرةٌ بوسعهم القتال كمحاربين من الباجنا. كانوا قادرين على تعويض طاقتهم السحرية (المانا) بالطاقة الحيوية (التشي)، لكنهم لم يكونوا قادرين على الجمع بين الاثنتين معًا.
وهذا يعني أنه كان عليهم الاختيار بين استخدام السحر أو طاقة التشي، ولم يكن بإمكانهم استخدام كليهما في آنٍ واحد. إذن، بينما كان رايز في هذه الحالة على ألتيريان، فماذا عن وضعه هو؟ ألا يستطيع فعل النقيض؟ هل بإمكانه ببساطة تعويض طاقته السحرية بطاقة التشي؟
حرّك رايز قدميه وانطلق للأمام بسرعةٍ مذهلة، ولوّح بسيفه. وحينما كانت أزبيث تحاول ردّ الضربة، انكسر سيفها إلى نصفين، وشعرت بضربةٍ قويةٍ مباشرةً على رقبتها.
في تلك اللحظة بالذات، سقطت أزبيث على الأرض. وصرخ رايز قائلًا: "هكذا يُستخدم السيف!"
****
للحصول على آخر التحديثات حول جاكسمانجا وأعمالي المستقبلية، يُرجى متابعتي على حساباتي في وسائل التواصل الاجتماعي المذكورة أدناه.
إنستغرام: جاكسمانجا
باتريون: جاكسمانجا