الفصل 939: الفصل 209: فانغ جيان - طقوس الروح المتجولة في ضوء السماء (2)
كل ما في الأمر أن الشيخ الأكبر لم يحالفه التوفيق؛ فلو لم يكن هناك أمرٌ يتعلق بإهداء كتب "الداو" إلى تحالف "تشينلو"، لكان تشانغ يان قد غادر المكان على الأرجح فور حصوله على كنز "الدوارما"، ولما بقي هنا، ولما صادف أن قام بصقل "كرة السيف" وأرداه قتيلاً بضربة قدرية محضة.
مدّ تشانغ يان يده، مستدعياً "كرة سيف النجوم"، ولاحظ أنها كانت تطير جيئة وذهاباً بسرعة البرق، بل غدت أخف وأسرع مما كانت عليه من قبل، فأدرك حينها أن جهوده المضنية لم تذهب هباءً منثوراً.
عند هذه اللحظة، اعتراه شعور مفاجئ بالنشوة، فنقر بإصبعه على "كرة السيف"، فاستجابت لنقرته وأحدثت رنيناً، ثم انقسمت الكرة إلى شعاعين من ضوء السيف، ومع نقرة أخرى، انقسمت إلى شعاعين آخرين، وهكذا، استمرت في الانشطار حتى بلغ عدد أشعة ضوء السيف ستة عشر شعاعاً قبل أن تتوقف.
في تلك اللحظة، شعر تشانغ يان برغبة جامحة في الاستمرار، وأدرك أنه لو واصل تحفيزها، لكانت قد انقسمت إلى عدد أكبر.
لكن، وبينما كان يهمّ بالفعل، اجتاحت موجة من الإرهاق ذهنه، مما جعل قلبه يرتجف، فتوقف عن أفعاله على الفور.
لم يكن ذلك نابعاً من إرهاق جسدي؛ فبفضل تشكيل "الإكسير" من الدرجة الأولى، كان أساسه متيناً للغاية، وقوة طاقته راسخة لا تتزعزع بسهولة، بل كان ذلك الشعور نابعاً من بصيرته الحقيقية، وهو ما يشير إلى أن "كرة السيف" نفسها لم تعد قادرة على الاحتمال أكثر من ذلك.
وبعد برهة من التفكير، أدرك السبب الكامن وراء ذلك.
فعلى الرغم من أن "كرة السيف" قد خضعت لما يشبه الولادة الجديدة، حيث تخلصت من الشوائب واستعادت بهاءها، إلا أن قدرتها على تجسيد "الإدراك الحقيقي" قد تضاءلت إلى حد ما.
ويعود ذلك إلى أنه بعد عملية إعادة الصقل، ورغم زوال الكدر والأوساخ، فقد فقدت الكرة حتماً طبقة من "جوهرها الحقيقي"، مما يتطلب منه عناية خاصة وتغذية مستمرة لاستعادة رونقها السابق، وكان على يقين أنها بحلول ذلك الوقت، لن تعود إلى حالتها السابقة فحسب، بل ستزداد قوة ومنعة.
رسم تشانغ يان على ثغره ابتسامة خفيفة، وقد غمره النشاط والحيوية؛ فبهذا الكنز الذي بات بين يديه، سيتمكن من منازعة النخبة على الصدارة في "مؤتمر فنون القتال بالسيف للطوائف الست عشرة"!
وضع يديه خلف ظهره ونظر إلى الأفق، والآن بعد أن اكتمل صقل السيف، لم يتبقَّ له سوى إعادة "رمز القيادة" إلى تحالف "تشينلو"، وحينها يكون أوان الرحيل قد أزف.
وبصيحة خافتة، وثبت "كرة السيف" وتحولت إلى شعاع ضوئي، ثم تلاشت غائرة في جبهته.
نهض تشانغ يان برشاقة، وامتطى صهوة الريح متجهاً نحو "قصر فييو داو".
كان جبل "لوكي" لا يبعد سوى خمسمائة ميل عن قصر "الداو"، فبلغ وجهته بعد وقت قصير.
وبعد الدرس القاسي الذي تلقاه التحالف من حادثة طائفة "لي شوان"، عزز تحالف "تشينلو" إجراءات الحراسة في "قصر فييو داو" بشكل كبير، حتى أن "المصفوفة العظيمة" في قمة "القمر المزدوج" باتت تخضع لحراسة مشددة لا تنقطع.
في هذه اللحظة، كان هناك ما لا يقل عن خمسة من سادة "الروح الوليدة" الحقيقيين متمركزين فوق قمة الجبل، وفي قارة "العمود المركزي"، ما لم يتحد معبد "بينغدونغ تشنغشي" وطائفة "لينغ الذهبية" لشن هجوم كاسح، فلن يجرؤ أحد على إزعاج هدوئهم.
وكان قد تم إبلاغ التلاميذ المناوبين مسبقاً بأنه في حال قدوم ضيوف كرام من جبل "لوكي"، فعليهم معاملتهم بكل توقير والسماح لهم بالدخول دون إبطاء.
لمح "الفتى الداوي" الذي كان عند البوابة سحابة قادمة من ذلك الاتجاه، فتذكر تعليمات الشيوخ على الفور، وفتح "المصفوفة المحرمة" ليفسح له الطريق.
سار تشانغ يان بسحابته ببطء نحو الداخل، ورغم أنه لا يوجد قانون صريح يحظر الطيران داخل قصر تحالف "تشينلو"، إلا أنه، ونظراً لكونه مكاناً مخصصاً لتدريب الآخرين، رأى أن من اللباقة عدم التصرف بتهور؛ لذا خفض ارتفاع سحابته الخضراء حتى أصبحت على علو ثلاثة أقدام فقط من الأرض، وسأل الفتى: "هل الشيخ هوانغ موجود في القصر؟"
خفض الفتى الداوي رأسه بوجل وأجاب: "أيها الداوي، جميع الشيوخ مجتمعون الآن في القاعة الكبرى لمناقشة بعض الأمور".
ظن تشانغ يان أن هناك خطباً جسيماً يشغل بال الشيوخ، فأومأ برأسه وسأل بعفوية: "ومتى يُتوقع خروجهم؟"
حك الصبي الداوي رأسه في ارتباك وقال: "هذا... أنا، خادمكم الصغير، لا علم لي بذلك".
ضحك تشانغ يان ولوّح بيده تطييباً لخاطره قائلاً: "أنا المخطئ لأنني سألتك ما لا تطيق، لا بأس، يمكنك الذهاب لعملك، وسأنتظر أنا هنا".
كانت نيته تسليم "رمز القيادة" والرحيل فوراً، ولم يكن ينوي المكوث طويلاً، غير أن الرمز كان على قدر كبير من الأهمية، ولا بد من تسليمه يداً بيد لأحد كبار شيوخ تحالف "تشينلو".
وبما أن "هوانغ تشينغوانغ" قد أهداه كتابين من كتب "الداو" القيمة، فقد عقد العزم على رد الجميل بحفظ الأمانة.
أجال بصره في المكان، فرأى جناحاً أنيقاً يتسم بالبرودة غير بعيد عن مدخل القاعة، فوجه سحابته نحوه وجلس بداخلها، ثم أغمض عينيه وانتظر بصبر وأناة.
راقبه الفتى الداوي وهو ينفرد بنفسه، وألقى عليه بضع نظرات فضولية، ثم لم يلقِ للأمر بالاً وعاد ليقف مكانه عند بوابة قصر "الداو".
وبسبب الحادثة التي وقعت مع "شانغ تنغ"، تم استبدال جميع الفتيان المكلفين باستقبال الضيوف بآخرين، وقد روعي في اختيارهم الأمانة لا الذكاء المتقد.
كان هذا الفتى جديداً وعلى نياته؛ فأي شخص يمتلك ذرة من الفطنة والتدبير كان سيسارع بترتيب جلوس "تشانغ يان" في نُزُل مخصص للضيوف أو يقدم له شياً عطرياً، فكيف يتركه يجلس هكذا في انتظار عابر؟ لكن الفتى كان يجهل تماماً أصول مثل هذه المراسيم.
بعد مضي ساعة تقريباً، رنّ جرسٌ فجأة في الخارج، وهرعت عشرات الخادمات من القاعة الكبرى واصطففن على جانبي البوابة، وبدا أنهن يستعددن للترحيب بضيف ذي شأن.
تنبّه تشانغ يان لهذا التحرك، ونظر باتجاه البوابة بفضول.
وبعد فترة وجيزة، دخل ثلاثة أشخاص من خارج قصر "الداو".
كان يتقدم المجموعة راهب "داوي" ذو وجه حليق يعلو رأسه تاج ذهبي، يرتدي ثياباً فاخرة، وتتدلى من صدغيه خصلتان طويلتان من الحرير بلون المشمش الأصفر، تنتهيان بقلادات من اليشم النفيس.
كان أنفه يتصل بحاجبيه بخط حاد، وعيناه جاحظتان قليلاً، وبنيته الجسدية قوية ذات مفاصل بارزة في يديه وقدميه، أما هالة الطاقة فوق رأسه فكانت حالكة السواد كالحبر الكثيف، تنبعث منها ريح ثقيلة تنذر بالسوء.
وتبعه شابان وسيمان فارعا الطول، تمتد حواجبهما لتصل إلى منابت شعرهما، وبشرتهما ناصعة البياض كأنما طُليت بالمسحوق، وقد وقفا وراءه وسيوفهما معلقة بخصورهما، ويبدو أنهما من تلاميذه المقربين.
وعندما رأى الداوي الخادمات وهن يصطففن لاستقباله، اصطنع ابتسامة ساخرة باردة، وبدا عليه عدم الرضا، وعلى الفور تقدم الشاب الذي كان عن يساره وصاح بصوت جهوري: "ألا يعلم تحالف تشينلو أصول الضيافة؟ لقد أرسلت طائفة لينغ الذهبية مبعوثاً إلى هنا، ومع ذلك لم يخرج أحد من الكبار لاستقبالنا؟"
كان صوته قوياً لدرجة أنه تردد في الأرجاء وأفزع الطيور المستكنة فوق أسطح القصور، ولكن، رغم ذلك، لم يخرج أي شيخ من القاعة الكبرى.
احتقن وجه الشاب غضباً، وهمّ بالصياح مجدداً، لولا أن الداوي التفت بنظره ولاحظ وجود تشانغ يان جالساً في ذلك الجناح، فأشار إلى تلميذه بالصمت، وسار بتبختر نحو الجناح البارد.
وعندما وصل أمام تشانغ يان، قال بغطرسة: "أي شيخ من شيوخ تحالف تشينلو أنت؟ ولماذا تجلس هنا؟ ألم ترني قادماً حتى تقف لتحيتي؟ أهذه هي طريقتكم في معاملة الضيوف؟"
فتح تشانغ يان عينيه ببطء، وألقى عليه نظرة فاترة، ثم قال بهدوء: "أنا لست من شيوخ تحالف تشينلو. وإذا كنت تنشد أحداً منهم، فيمكنك التوجه إلى القاعة الكبرى".
لم ينطلِ هذا الكلام على الداوي، فرفع طرف رداءه وجلس في مواجهته، وقال متهكماً: "لا تظن أنك بسقوط طائفة لي شوان، يمكنك الاستخفاف بطائفة لينغ الذهبية. لقد رحل السيد تشنغ، فعلى من تعتمد في غطرستك هذه؟"
عند سماع ذلك، لمعت عينا تشانغ يان ببريق غامض، وتساءل بصوت خفيض: "أوه؟ أتساءل حقاً، أين يتواجد السيد تشنغ الآن؟"
......
(يتبع. وإذا أعجبك هذا العمل، يرجى زيارة موقع "قيديان" (qidian.com) للتصويت عليه والحصول على تذاكر شهرية. دعمكم هو أكبر حافز لي.)