الفصل 1186: عقلٌ كالفخِّ المحكم! (2)
في تلك اللحظة ، استبدَّ الغضبُ والذعرُ بـ "السيد التحالف " و "أسطورة العرافة " أمام هذا الانقلاب المفاجئ في الأحداث ؛ فقد كان الأمر فوق طاقتهم ، ولم يتوقعوا قطُّ أن يُنصَبَ لهم هذا النوع من الأفخاخ على يد عدوٍ مجهول.
علاوة على ذلك اتضح جلياً من شرح "المبارز الأبيض " أنَّ المسؤولَ عن هذا ليس سوى الأسطورة الأخيرة المتبقية من "الأخوية السرية ".
وما زاد الطين بلة ، بدا أن الفخَّ قد صُمِّمَ لينفجر في اللحظة التي حاول فيها "السيد التحالف " إحكام قبضته على عقل "المبارز الأبيض " مما يعني أنَّ ذلك الشخص كان على علمٍ بما حدث للمبارز من قبل ، وربما لم يعد خاضعاً لختم "السيد التحالف " أيضاً.
في هذا الموقف كان الخيار المنطقي هو هجر "معبد التحالف " ومخابئهم ، خاصة بالنسبة لـ "السيد التحالف " الذي كان يحرص أشدَّ الحرص على ألا يُكشَفَ أمره أو يُعرّضَ نفسه للمخاطر.
لكنَّ الضبابَ تمثلت في أنهم لم يستطيعوا التخلي عن حماية "معبد التحالف " لأسبابٍ لم يجرؤ أحدٌ منهم على البوح بها ؛ فلم يكن أمامهم سوى الاستعداد لما هو أسوأ.
لقد أرادوا ، على أقل تقدير ، معرفة نوعية ذلك الشخص الذي يواجهونه ، وما إذا كان يدرك هوية "السيد التحالف " أيضاً. و لكن ، بمعرفة القليل من المعلومات عن "الأخوية السرية " كانت احتمالات ذلك ضئيلة للغاية.
ومع ذلك ظلَّت الحقيقةُ ثابتةً: الطرفُ الآخرُ يمتلك وسائل غامضة وعميقةً مكّنته من خداع "شبه أسطورة " كالمبارز الأبيض ، بل واستخدم مناورات "السيد التحالف " ذاتها لتفعيل هذا الفخ.
في تلك اللحظة ، انهار جسد "المبارز الأبيض " الهزيل على نفسه ، وتناثر جلده كرمادٍ ، وذابت عضلاته كمسحوقٍ حتى ظهر هيكله العظمي الجاف المتيبس.
وفي اللحظة التالية ، تهشمت عظامه وتفككت إلى غبارٍ متوهجٍ دقيق ، قبل أن تُمحى كل آثار وجوده ؛ روحه ، وسحره ، وقوانينه حتى كأنَّه لم يكن شيئاً مذكوراً.
غير أنَّ كلَّ ذلك لم يتبدّد في العدم ، بل امتُصَّ بأسره ، وانجذب نحو العين الموجودة في مركز الدائرة الطقسية.
وما كان يثير القشعريرة حقاً هو أنَّ كلَّ ذلك حدث ، من البداية إلى النهاية ، دون صرخة واحدة أو محاولة للمقاومة من قِبَلِ "المبارز الأبيض " إذ تحول وجودُه ذاته إلى أضحيةٍ لخطط شخصٍ آخر.
لقد كانت نهايةً عبثيةً هي أكثر ما يخشاه "أسطورة المبارز الأبيض " الذي عاش دهراً طويلاً ، وبها انطفأت طموحاته في أن يصبح "كائناً أسطورياً "!
وعندما امتُصَّت آخرُ آثارِ "المبارز الأبيض " اشتعلت الدائرةُ الطقسيةُ ، مولدةً ضوءاً أبيض خاطفاً للبصر غمر الطابق الثالث بأكمله.
حتى "أسطورة العرافة " حجبت بصيرتها ، بينما اهتزَّ طيفُ "السيد التحالف " بعنفٍ ؛ فقد أيقنوا أنَّ الغرضَ من هذه الدائرة الطقسية قد شارف على الاكتمال ، ولم يملكوا حيال ذلك إلا أن يضطربوا.
بعد لحظةٍ من الصمت المطبق ، تلاشى الضوءُ الباهر ، وبشكلٍ مثيرٍ للدهشة ، تلاشت الدائرةُ الطقسيةُ مع الغبار الأثيري ، وذهبت آخرُ آثار وجود "المبارز الأبيض " ولم يترك خلفه أيَّ أثرٍ لطاقةٍ متبقية ، وكأنَّ "أسطورة المبارز الأبيض " لم توجد قط.
لكن ، في تلك اللحظة كان يقف في ذات المكان الذي تلاشى فيه "المبارز الأبيض " شخصٌ آخر.
كان يرتدي رداءً رمادياً بسيطاً ، يبدو عادياً جداً مقارنةً بعظمةِ المعبد ، لكنَّ نسيجه ، للوهلة الأولى كان يظهر تموجاتٍ خفيفةً من تشوهٍ مكانيٍّ على أطرافه ، أشبه بحرارةِ الهجير التي تُثني الهواء.
كانت وقفتُه مسترخيةً ، تكادُ تكون متكاسلةً ، وكأنه دخل حديقةً لا مقرَّ أساطيرَ محاربين.
علاوة على ذلك لم يكن يخفي وجهه الذي بدا نقيراً وشاباً ، لكنه ليس ساذجاً. حاجبان حادان ، وعينان هادئتان متفحصتان ، تضمان حدقتين عموداياتان داكنتين ومقلقلِتين ، يحيط بهما خاتمٌ فضيٌّ باهتٌ يكاد لا يُرى. ومع كل رمشةٍ من عينيه كان الضبابُ المحيطُ يضطربُ بخفةٍ شديدة.
كانت بشرتُه تحمل مسحةً باردةً وشاحبة ، تكاد تكون شفافةً تحت وهج المعبد. حيث كان ثمة شيءٌ غير بشريٍّ في تماثل ملامحه ؛ فقد كانت دقيقةً للغاية ، ومحسوبةً بدقةٍ مفرطة.
حتى طريقة تنفسه بدت متناغمةً مع تقلباتِ الفضاء ذاته. للحظةٍ خاطفةٍ ، خلف ظهره ، لاح طيفٌ باهت ؛ لم يكن جناحاً ولا ظلاً ، بل كان شيئاً هائلاً وملتَفاً ، يطوي الفضاءَ حوله ككائنٍ مفترسٍ يلتفُّ حول أبعادٍ غير مرئيةٍ قبل أن يختفي.
في تلك اللحظة ، أمال رأسه قليلاً ، متطلعاً حوله بفضولٍ سافر ، بينما مسحت عيناه الطاولةَ الأثيرية ، والضبابَ الممتد ، وأخيراً العرشَ الشاهق.
"هممم... " تمتمَ بنعومة ، وكأنه منبهرٌ حقاً "إذن ، هذا هو معبد التحالف الشهير... "
رفع يده ، ملوحاً بخفةٍ في الهواء ، فانشقَّ الضبابُ طائعاً بين أصابعه ، متشكلاً في أقواسٍ دقيقة.
أشرق تعبيره بخفوتٍ وقال "إنَّه أكثر إثارةً عن كثب. "
بدا بكلِّ هيئته كقرويٍّ فضوليٍّ ضلَّ طريقَه إلى قصرٍ فخمٍ مصادفةً ؛ عيناه تفيضان بالتقدير ، وسلوكُه هادئٌ ومسالمٌ لا يثير الريبة.
لكنَّ الأجواءَ في الطابق الثالث كانت قد تغيرت تماماً ، إذ لم يتحرك "السيد التحالف " لكنَّ هالته ازدادت كثافةً.
انضغط الفضاءُ حول عرشه طبقةً تلو الأخرى ، مُشَكِّلاً حواجزَ دفاعيةً صامتةً تجمعت في طياتٍ مكانيةٍ غير مرئية.
كانت "أسطورة العرافة " قد تراجعت نصفَ خطوةٍ للوراء ، بينما كان الشكل الخماسيُّ على قناعها يدور بسرعة ، والضوءُ يومضُ وينطفئُ في نبضاتٍ مضطربة.
في تلك اللحظة كانت حساباتُها تفشل... مجدداً. حيث تماماً كما عجزت عن تتبع أصل الدائرة الطقسية. و الآن لم تعد تستطيع تحديد هوية هذا الرجل الغامض ، أو كيفية دخوله ، وأخيراً لم تستطع إدراك حدود قوة هذا الشخص.
في تلك اللحظة ، انحدر صوت "السيد التحالف " متسماً بالبرود والحذر "من أنت ؟ "
لم تكن الكلماتُ صاعقةً كسابقتها ، بل كانت مقيدةً ومحسوبةً ، مما جعل الشخصَ ذا الرداءِ الرماديِّ يرمشُ بعينيه وكأنه تذكر لتوِّه أنه ليس وحده.
وبشكلٍ غير متوقع ، ابتسم بوقارٍ ومسالمة ، وبدا عليه شيءٌ من الخجل.
"هاها " ضحك بخفةٍ ، حاكّاً مؤخرة رأسه وكأنه أدرك أنه نسي أبجديات اللباقة "كنتُ أمعن النظر في هذا المكان ونسيتُ آدابي. "
اعتدل قليلاً ، بينما عكست عيناه الداكنتان العرشَ الشاهقَ والقناعَ الخماسيَّ المتوهج ، ثم قال بوضوح "أنا أسطورةُ القس! "