«أمرٌ لا يكاد يُصدق…»
تملّكت الدهشة الجميع ، فقد كانوا يدركون جيداً مدى البأس الذي يتمتع به «فايوليت» ، ومع ذلك أعجزَ عن الإطاحة بـ«تاي سوي» ؟
استفسر «غو تو» بذهولٍ لَم يستطع كبته: «ألم تتمكن من إصابته ولو لمرة واحدة ؟» ، فقد سبق له أن عاين مهارة «العاصفة الرعدية» الخاصة بـ«فايوليت» ، وأيقن أنه هو نفسه ما كان ليصمد أمامها كل هذه المدة ، فكيف تمكن شخصٌ في «مستوى النمر» من فعل ذلك ؟
جلس «فايوليت» بوهنٍ ، بينما سارع «ليفان» بتقديم بعض الطعام إليه. و قال «فايوليت» والأنفاس تتقطع في صدره: «كلا ، لقد أصابته الصواعق الكروية مراراً ، لكنه كان يُحيّد أثرها ببراعة في كل مرة. فمن جهة ، يمتلك مقاومةً مذهلة للكهرباء ؛ ومن جهة أخرى كان يختار دائماً أخف الضررين ، ويقلص الخسائر إلى أدنى مستوياتها حين يضطر لتلقي الضربات».
وأكمل موضحاً: «لذا حتى عندما كنت أصيبه لم يكن الأمر يتجاوز إلحاق جروح بليغة به ، وكما تعلمون ، فإن هذا لا يشكل عائقاً كبيراً له في هذه الأنحاء. بل إنه في بعض الأحيان كان يتلقى هجماتي برأسه عمداً ، لكي يترك أذرعه الثمانية حرة لتحييد هجمات أخرى. إنه يكاد لا يكون بشراً ؛ لقد استنزف طاقتي الحيوية بالكامل تقريباً…».
ساد صمتٌ ثقيل على «غو تو» و«بان تشونغ». في البداية ، ظنا أن «ليفان» يبالغ في وصفه ، لكن تبين الآن أنه قد بخس الأمر حقه. حيث كانا يتحدثان قبل قليل عن قدرة الاثنين معاً على مواجهة شخص في «مستوى الفيل الحقيقي» ، ولكن ها هو «فايوليت» يعود منكسراً ، وهو من هو في قمة «مستوى الفيل الحقيقي». وبما أنه عجز عن النيل من «تاي سوي» ، فإن فرصهما تكاد تكون معدومة.
«كيف يمكن لِمَن هو في مستوى النمر أن يكون بهذه القوة ؟ أيُعقل أن يبارز فايوليت لعشر ساعات متواصلة ؟».
في تلك اللحظة ، تراجع جميع الحاضرين من «مستوى الفيل» عن حماسهم. لم تكن المكافأة لقمة سائغة ، على الأقل ليس بالنسبة لهم. ظلوا عالقين في أماكنهم ، يغالبهم الفضول حول هوية الشخص الذي سيتمكن أخيراً من حصد رأس «تاي سوي».
واصل «فايوليت» ، بطبعه السمح ، تناول طعامه وهو يشاركهم تفاصيل المعركة بكل صراحة. ومع توالي المعلومات التي عرفها الحشد عن «تاي سوي» ، ازداد شعورهم بالذعر. حاول البعض ، ممن استشعروا ثغرةً ما في كلامه ، اقتراح استراتيجيات للهجوم ، لكن «فايوليت» كان يسارع بوصف كيف تصدى «غاو شين» لمثل تلك المحاولات ، مشيراً إلى أن كل ما يقترحونه قد جُرِّب بالفعل ولم يجدِ نفعاً ؛ فلدى «تاي سوي» دائماً وسيلة لتعويض نقاط ضعفه بشكل غير مباشر.
أضاف «فايوليت» بجدية: «تاي سوي يدرك نقاط ضعفه أكثر من أي شخص آخر ، وقد وضع سلفاً طرقاً عديدة للتعامل معها. وبمجرد أن تستهدف نقاط ضعفه أو تلك الفجوات التي تبدو ظاهرة ، قد تجد نفسك قد سقطت في فخه. و هذا الأسطورة يمتلك قدرةً على إحالة العجز إلى معجزة ، وغالباً ما يقلب الطاولة محولاً خسارته إلى فوز ساحق ، وهو أمرٌ لا يصدقه عقل. و لقد تعلمتُ منه الكثير حقاً».
ثم ختم «فايوليت» حديثه بفيض من المشاعر قائلاً: «إن كان لا بد من قول شيء ، فنقطة ضعفه الوحيدة هي أن جسده ضعيف جداً…».
بُهت الحشد وقالوا في أنفسهم بذهول: «أيكون تاي سوي عاتياً لدرجة أن ثغرته الوحيدة هي كونه ضعيفاً ؟».
كان تقييم «فايوليت» غريباً ، لكنه عند التأمل كان يمثل أسمى درجات المديح. فنقطة ضعف «تاي سوي» الوحيدة هي كونه في مستوى «النمر» ، ولو كان حتى في مقتبل مستوى «الفيل» ، لربما نجا «فايوليت» بجلده بصعوبة بالغة ، ولما تمكن من الانسحاب براحة كما فعل الآن.
قال «فايوليت» بلهجة مهيبة: «أنا الآن على يقين من أن أسره حياً في جبل النفايات أمرٌ يتجاوز قدراتي ؛ لربما وحده شبه ملك الفيلة هو من يستطيع فعل ذلك».
سأله الحشد: «وماذا عن قتله إذن ؟ أيها الفيكونت ، بما أنك تعتقد أن وان كاي ليس هنا ، فلماذا لا تبذل قصارى جهدك لقتله ؟».
من الوصف ، بدا أن «فايوليت» كان يحاول أسر «تاي سوي» حياً ، مما أدى لاستنزافه لعشر ساعات. فلو أنه اندفع في قتال مميت منذ البداية ، لما استطاع «تاي سوي» الصمود يقيناً.
وقبل أن يجيب «فايوليت» ، سخر «ليفان» قائلاً: «هه ، قتله لا يساوي سوى مليوني عملة ، فلماذا نخاطر بحياتنا ؟ وماذا لو كان وان كاي هناك بالفعل ؟».
وتابع «ليفان» بنبرة واثقة: «لا بد أن تاي سوي هذا هو نجم صاعد عكف وان كاي على تدريبه سراً لسنوات. اختفاء وان كاي لسبع سنوات يعني بالتأكيد أنه أورثه مهارات سبع سنوات من الخبرة. بهذه الطريقة فقط يمكن لتاي سوي أن يمتلك هذه القوة المرعبة!».
«وعدم تدخل وان كاي يعني بلا شك أنه يريد تحفيز تاي سوي للارتقاء إلى مستوى الفيل. فرغم كونه من رتبة نادرة للغاية جداً لم يخطُ تاي سوي بعدُ إلى مستوى الفيل ، مما يشير إلى أن عمليات الحصار السابقة ، رغم ضراوتها ، فشلت في استثارة غرائز البقاء الحقيقية لديه. وإلا لكان قد ارتقى منذ زمن طويل!».
واستطرد: «لو قاتله فايوليت حتى الموت ، وفي لحظة فاصلة بين الحياة والموت أُجبر تاي سوي على الاختراق والارتقاء ، فماذا سيحدث حينها ؟ سيقوم وان كاي حتماً بالتدخل لحمايته. ألم يحدث ذلك من قبل ؟ عندما كان تاي سوي مُحاصراً ، ساعده وان كاي سراً. و من الواضح أنه طالما أن تاي سوي لم يستنفد كل خياراته ، سيتركه وان كاي يحل أموره بنفسه حتى يصل لمرحلة الاختراق».
«وبوجود وان كاي كحامٍ له ، سيتمكن تاي سوي بالتأكيد من إتمام تحوله بسلاسة ، محققاً (الجسد الماسي) لمستوى الفيل ، ومطلقاً مجاله الحيوي. وحتى تلك الفتاة الصغيرة التي ترافقه يمكنها استخدام نيران نجم هان ؛ فهل تظنون أن تاي سوي لا يستطيع ؟ لقد علمه (التنين الحقيقي) بنفسه تقنية قتال التنين والفيل لسنوات طويلة ، إلى جانب تقنيات سرية متنوعة من مدينة تانغرين. لا أجرؤ حتى على تخيل ما سيكون عليه الحال عندما يخطو تاي سوي إلى مستوى الفيل!».
تنهد الحشد وتخلوا تماماً عن أي فكرة للطمع في رأس «تاي سوي». أسطورة تثير الرهبة ، وخلفها «تنين حقيقي» يحمي حماها ؛ هذا أمرٌ لا يمكنهم العبث به. حتى «فايوليت» لم يجرؤ على توجيه ضربة قاتلة ، ففي النهاية ، لماذا تخاطر بحياتك من أجل مليوني عملة فقط ؟
قطب «فايوليت» حاجبيه ؛ لم يكن عدم توجيهه ضربة قاتلة لهذه الأسباب ، بل ببساطة لأنه لا يستسيغ القتل. فبعض الناس ، بعد خوض حروب وطنية عديدة ، يزدادون وحشية وتمتلئ عقولهم بالكراهية والذبح ، ويجنحون نحو التطرف. و لكن البعض الآخر ، على النقيض تماماً ، يملّون الحرب تماماً ، ويمقتون المعارك التي لا تنتهي مثل تلك التي تدور في جزيرة سجن الجريمة. وكان «فايوليت» من الصنف الأخير ، فقد بدأ يشعر بالاشمئزاز ؛ هل قدرهم حقاً هو الاستمرار في قتل بعضهم البعض حتى يأتي يوم يعجزون فيه عن القتال ويموتون على يد شخص آخر ؟ أليس هذا عبثاً ؟ لا ينبغي أن يكون معنى الحياة منحصراً في هذا فقط ، ولا يجب أن يتحولوا إلى مجرد حشرات مقاتلة في هذه الجزيرة.
ومع ذلك لم يقل «فايوليت» شيئاً في النهاية ، بل اكتفى بالقول بهدوء: «حسناً ، أنا أريد فقط استعادة الشفرة الشيطاني».
عندها قال الحامي «غو تو» بنبرة جادة: «يا ليفان ، هذا ليس صحيحاً. ألم أسمع أن تاي سوي هذا وافد جديد ؟».
رد عليه «ليفان» بحماس: «هل رأيت قط وافداً جديداً بمثل هذا المسخ من القوة ؟ أتصدق تلك القصص الخيالية من الجانب الياباني ؟ حتى لو نزل تاي سوي فعلاً من أراضي ياماتو ، فلا بد أنها مجرد ذريعة من وان كاي لإخفاء هويته! لقد سمعتُ أن كنية تاي سوي هي غاو!».
شهق الحشد في ذهول: «كنية غاو…».
قال «ليفان» بوقار: «بالضبط ، تاي سوي غاو شين! ومع مراقبة وان كاي له… هل تعتقدون أن هذا الرجل لا صلة له بسيد المدينة الأول لمدينة تانغرين ، غاو لونغ ؟».
فُزع الحشد وتساءلوا: «أهذا هو يتيم غاو لونغ ؟».
قطب «فايوليت» جبينه وقال: «كيف يعقل ذلك ؟ من ينتمي لعائلة غاو يعلمه (قديس السيف) حق العلم. لم ينجُ أحد خلال حادثة بوابة الطائر القرمزي ؛ وإلا ، ألم تكن مدينة تانغرين لتبحث في كل مكان طوال هذه السنوات ؟».
تكهن «ليفان» قائلاً: «ربما أبقى غاو لونغ ابناً واحداً مخفياً عن قصد ؟ وان كاي يرعى سراً يتيماً من عائلة غاو ، يتركه يكبر ، ثم يجعله ينزل إلى الجزيرة مدعياً أنه وافد جديد… إنها حركة داهية. حتى لو شاع اسم تاي سوي ، لن يخمن أحد أنه ابن غاو لونغ ، لأن الأمور ببساطة لا تبدو مترابطة!».
تبادل الحشد النظرات وهم في حالة من الذهول. أيمكن حقاً أن يكون هناك تكتيك كهذا ؟ لكن الأمر لم يكن مستحيلاً ، خاصة وأن «تاي سوي» كان قوياً لدرجة تفوق الوصف. فالقول بأنه بدأ من الصفر كوافد جديد هو أمرٌ بعيد الاحتمال تماماً. أما إذا كان لسنوات تحت رعاية «تنين حقيقي» صقله بعناية فائقة ، وكان والده أسطورة أيضاً ، فإن الأمر يصبح أكثر منطقية. و علاوة على ذلك فإن الظهور كوافد جديد بعد تحقيق التمكن ، والبروز في الأراضي اليابانية ، وحصد الرؤوس هناك ، والصعود الأسطوري باستخدام قرية ياماغوتشي كحجر مِسن ، يتفق تماماً مع أسلوب شخص من مدينة تانغرين.
«يا للهول ، تاي سوي هذا هو في الحقيقة يتيم سيد مدينة تانغرين السابق!».
«يوماً ما ، سيعود حتماً لاستعادة مدينة تانغرين والانتقام لوالده. و إذا تركناه يهرب الآن ويزداد قوة ، ألن يقلب مدينة تانغرين رأساً على عقب ؟».
«عندما كان تاي سوي يثير الفوضى في قرية ياماغوتشي ، قام أهلها بمساعدته ، وكانت مدينة تانغرين مستعدة لاستقباله. بالتفكير في الأمر الآن ، إنه لأمر مضحك حقاً».
«يبدو أنه لو لم يكن فوجيهارا توموهيرو قوياً جداً ، مما اضطر وان كاي للخروج ، لكان تاي سوي قد تسلل بالفعل إلى مدينة تانغرين».
أخذت مجموعة الناس في التفكير أكثر فأكثر ، وبدا أن الأمر منطقي بالنسبة لهم ، وانغمسوا في ممارسة القيل والقال ، شاعرين أن كل الخيوط قد تشابكت أخيراً لتكشف الحقيقة.