الفصل 565: دماءٌ على الفراء
على الجانب الآخر من مدينة الوحوش التنينة كان "وين فاي " يشق طريقه عائداً نحو مسكنهم ، حاملاً أشباله الثلاثة الصغار بين ذراعيه. و لكن ، ما إن وقع بصره على ابنته المضطربة حتى ارتسمت على وجهه ملامح العجز ؛ فقد كانت الصغيرة تعض كمه بشراسة وتخدش ذراعه دون توقف بمخالبها الغضة.
"آه وو! "
أطلقت الصغيرة أنيناً قلقاً وهي تكافح بكل قوتها بين ذراعيه ؛ كان واضحاً جلياً أنها لا تزال ترغب في العودة للخارج. التوت شفتا "وين فاي " بعجز ، فهو يعلم يقيناً بمن ترغب في رؤيته ؛ ذلك الأخ الأكبر الذي دأبت على التذمر بسببه لم يكن سوى "مو شياو لي ".
فرك "وين فاي " أنفها الثعلبي الصغير بيأس وقال "ما الذي تجدينه فيه ليثير إعجابكِ ؟ أعلم أنه حماكِ اليوم ، لكن أباكِ أيضاً ضرب والده من أجلكِ. أيتها الصغيرة المشاكسة.. لا يمكنكِ أن تكوني بهذا الانحياز كان حرياً بكِ أن تحبي أباكِ أيضاً ".
صوتُه كان يشي بغيرته وشعوره بالغبن ، لكن شبلة الثعلب الصغيرة حدقت فيه بعينين بريئتين متقدتين ، ثم اومأت الصغير بإصرار مفاجئ ، وأطلقت أنيناً مثيراً للشفقة وهي تحاول الهبوط من بين ذراعيه. حيث كان واضحاً أنها لا تزال تريد البحث عن "مو شياو لي ".
شعر "وين فاي " بألم يعتصر قلبه ، وفي الوقت ذاته ، بدأت فكرة خطيرة تتسلل إلى عقله ببطء ؛ فمنذ اليوم ، عليه أن يبعد "مو شياو لي " عن ابنته لأقصى مسافة ممكنة. كيف تجرأ ذاك الشبل الصغير على سحرِ صغيرته الغالية في مثل هذه السن المبكرة ؟ أظلمت ملامح "وين فاي " قليلاً ، وفي هذه الأثناء كان الشبلان الأكبر سناً يتشاجران بلا توقف بين ذراعيه ، مما جعله يهم بالزمجرة في وجهيهما. عن أي شيء يتشاجران الآن ؟ لو أنهما أحسنا حماية أختهما ، هل كان ليتمكن شخص غريب من خطف قلبها بهذه السهولة ؟ كلما نظر "وين فاي " إلى ابنيه المشاكسين ، تيقن أكثر أن كل ما حدث هو خطؤهما ، فزفر في وجههما قبل أن يخفض صوته فوراً ليدلّل ابنته الغالية بلطف.
(الشبلان "... ")
في ذلك اليوم كان "تشين هواي " قد خرج للصيد خارج المدينة ، بينما كانت "باي لينغ " في مرحلة متقدمة من حملها ، مما جعل حركتها محدودة ؛ لذا بقي "وين فاي " في المنزل ليؤنس وحدتها. و لكن الآن ، ومع رؤية الأشبال الثلاثة يركضون بجنون وطاقة مفرطة ، شعر "وين فاي " بأنه غارق تماماً. كيف سيتدبر أمر كل هذا ؟ بعد أن تضع "باي لينغ " مولودها ، ستصبح الأمور أكثر تعقيداً ؛ فهناك حاجة للصيد ، وجمع الطعام لفصل الشتاء ، والطبخ ، ومواصلة بناء بيتهم الحجري الجديد ، بالإضافة إلى رعاية "باي لينغ " والمواليد الجدد. و مجرد التفكير في الأمر جعل "وين فاي " يشعر بالإنهاك ، خاصة وأن عائلتهم صغيرة للغاية ؛ فـ "باي لينغ " لديها شريكان فقط ، هو و "تشين هواي " وبمقارنة وضعهم بعائلات الآخرين الكبيرة ، بدت عائلتهم تفتقر بشدة للأيدي العاملة.
تنهد "وين فاي " بعمق وهو يعيد احتضان ابنته المضطربة مرة أخرى ، وفي تلك اللحظة ، لمعت في ذهنه فكرة مفاجئة: هل كان مخطئاً في الماضي ؟ حينها كان متملكاً لأقصى درجة ، ولم يطق اقتراب أي وحش آخر من "باي لينغ " خاصة وأنها كانت تتمتع بجمال رقيق ووداعة فائقة. و في ذلك الوقت كان قد بلغ المرتبة الرابعة بين الوحوش ، ولم يكن هناك من يجرؤ على منازلته ، فكان يطرد كل ذكر يقترب منها بقوة. ولاحقاً ، حين أصبح "تشين هواي " شريكها الثاني ، ظل "وين فاي " في حالة تأهب قصوى ، خاصة تجاه ذلك الوحش الدب ؛ فلو لم يسبقه "تشين هواي " بحيله الماكرة في الارتباط بـ "باي لينغ " سراً ، لما سمح "وين فاي " لهذا الوحش الضخم الخشن بالاقتراب من زهرته الرقيقة.
لكن الآن ، وبعد دخول مدينة الوحوش التنينة ، انقلبت الموازين فجأة ؛ ولسبب ما ، تراءى وجه رجل آخر في ذهن "وين فاي ". تعقدت ملامحه ؛ هل يجب عليه حقاً أن يسمح لهذا الرجل بالسعي خلف "باي لينغ " ؟ على الأقل ليرى ما إذا كان أهلاً لها أم لا و ربما ، ربما لم يعد وجود شريك قوي آخر أمراً سيئاً تماماً ، فعلى الأقل لن يضطر لترك أنثاه وحيدة لرعاية هؤلاء الأشبال المتمردين.
وبينما كان "وين فاي " غارقاً في أفكاره وهو في طريقه للمنزل ، اندفع نحوه شاب من قبيلة الثعالب من بعيد وهو يلهث بشدة "أخي فاي! الأخت باي لينغ في حالة مخاض! لقد سقطت أرضاً فجأة ، وهي الآن وحيدة! "
دوى صدى الكلمات في رأسه كالصاعقة ، وشعر "وين فاي " وكأن دماء جسده كلها تدفقت إلى رأسه ، وأصبح ذهنه فارغاً تماماً. "ماذا ؟! "
تغيرت تعابير وجهه بشكل جذري ، ودون تفوه بكلمة أخرى ، انطلق يعدو نحو المنزل بسرعة مذهلة. حيث صرخ الأشبال الثلاثة في فزع وتشبثوا بقوة بذراعيه وثيابه خوفاً من السقوط ؛ ولولا وجودهم ، لكان تحول إلى هيئته الثعلبية لينطلق بسرعة أكبر.
في تلك اللحظة لم يسيطر على عقله سوى شعور واحد: ندم شديد ؛ فما كان ينبغي له أن يترك "باي لينغ " وحيدة ، لا سيما وهي في أيامها الأخيرة قبل الولادة. ماذا لو أصابها مكروه ؟ ماذا لو حدث شيء للأشبال ؟ مجرد تخيل الأمر جعل قلبه يرتجف بعنف ، وشحب وجهه مع اقترابه من المنزل والأشبال ما زالون معلقين به.
وما إن وصل إلى مدخل المنزل حتى اندفع نحوه "وين رو " أخوه الأصغر "أخي! "
دون إضاعة ثانية ، أخذ "وين رو " الأشبال الثلاثة المذعورين من ذراعي "وين فاي " قائلاً "سأعتني بهم! "
بمجرد أن خلت ذراعاه من الأشبال ، اقتحم "وين فاي " المنزل ، لكن في اللحظة التي دخل فيها ، تجمد جسده تماماً. دماء.. كانت الدماء في كل مكان. حيث كانت "باي لينغ " ملقاة على الفراش بوجه شاحب ، بينما تلطخت فراء الحيوانات التي تضطجع عليها بدمائها.
رؤية تلك الدماء جعلت عقل "وين فاي " يغيب عن الوعي ، وتوقف تنفسه ؛ للحظة مرعبة واحدة ، عجز فيها عن الحركة تماماً.