الفصل 2609: الاختطاف
التاريخ: غير محدد
roboo.om
الوقت: غير محدد
الموقع: عوالم لا حصر لها، عالم البطاقات، المنطقة الشمالية، العاصمة الشمالية
نعم، لقد جلست في مقهى حقيقي بعد فترة طويلة. لم يكن المقهى الراقي الذي زرته في مدينة السماء بلوسوم ليضاهي هذا المقهى.
مررتُ بجدارٍ مُرصّعٍ بالأكواب وأدوات تحضير القهوة، وعبرتُ الأرضية المُرصّعة، ووصلتُ إلى طاولةٍ دائريةٍ صغيرةٍ ذات سطحٍ رخامي. كانت في الواقع أصغر من أن يجلس عليها شخصان براحة. بدا الأمر وكأنه مُصمّمٌ عمداً لإجبار الأزواج على الجلوس على مقربةٍ غير مريحةٍ من بعضهم البعض.
وبينما كنتُ أقترب من طاولتي، وقع نظري على فتاة بدت وكأنها تعيش في عالمٍ آخر بعيداً عن بقية رواد المقهى. حيث كان ضوء الشارع المتسلل من النافذة خلفها ساطعاً لدرجة أنه شكّل هالةً حول رأسها وكتفيها. ورغم وجودنا في الداخل، هبّت نسمةٌ خفيفةٌ غريبةٌ رفعت خصلاتٍ من شعرها الذهبي، فجعلتها ترفرف إلى الأعلى كما لو كانت مغمورةً في الماء.
في تلك اللحظة، استدارت برشاقة، والتقت أعيننا للمرة الأولى. وفي تلك اللحظة الوجيزة، بدت جدران المقهى وطاولاته وكأنها تلاشت، وكأننا وحدنا في هذا العالم. كل الأصوات المحيطة بنا، صوت آلة الإسبريسو، ثرثرة الزبائن الآخرين، الموسيقى، انقطعت فجأة إلى صمت مطبق. لم يبقَ سوى صوت دقات قلبي الثقيلة، دقاتي أنا.
كان انعكاس عينيها أشبه بمنظارٍ مُكبَّرٍ مليءٍ بي وحدي. ليس النسخة المُتنكرة مني، بل أنا الحقيقية. كيف يُمكن أن يكون ذلك مُمكناً؟ انتشلتُ نفسي من تلك اللحظة وعدتُ إلى الواقع، لأسمع الخادمة تتنهد بهدوء قائلةً: "آه، الشباب".
شباب؟ ماذا كانت تقصد بذلك؟ كنتُ رجلاً في منتصف العمر حينها. إلا إذا كانت أكبر بكثير مما تبدو عليه. ولدهشتي، كانت شبه إلهة في لعبة الورق. لا عجب.
بعد أن جلست، التفتُّ لألقي نظرةً أخيرة على الفتاة، لأرى صديقتها تنضم إليها حاملةً كوبين من القهوة قبل أن تُفعِّل خاصية الخصوصية في طاولتهما. انتابتني رغبةٌ عارمةٌ في استخدام عيون روحي للتجسس عليهما، لكنني كبحتُ جماح نفسي، مُذكِّراً نفسي بأنَّ مجرد قدرتي على ذلك لا يعني بالضرورة أن عليَّ فعله. ففعل ذلك لن يجعلني مختلفاً عن المتلصص.
أرسلتُ الخادمة وطلبتُ أفضل قهوة لديهم مع قطعة معجنات، بينما وجدتُ نظري ينجذب نحو طاولة الفتاة ذات الشعر الذهبي. حيث كان هناك شيءٌ ما فيها يجذب نظري إليها دون وعي. لم أكن أعرف ما الذي رأيته في عينيها سابقاً، لكنني رفضتُ أن يُقلقني الأمر لدرجة أن أتجسس عليهما.
في الظروف العادية، ما كنتُ لأتردد في انتهاك خصوصية أي شخص، ولكن لسبب ما، عندما تعلق الأمر بهذه الفتاة ذات الشعر الذهبي، وجدتُ نفسي متردداً بشكل غير عادي. لم أكن أعرف السبب.
تعمّدتُ التريّث في احتساء قهوتي وتناول معجناتي، على أمل أن ألمح الفتاة ذات الشعر الذهبي للمرة الأخيرة. كلا، لم يكن ما أثارني هو إعجابٌ رومانسي، بل شعورٌ غامضٌ بالفضول والألفة لم أستطع تفسيره. ومع ذلك، بدا أن هذه اللحظة لم تكن مُقدّرة. لم تُنزل هي وصديقتها الستارة التي تحجب طاولتهما. لم يسعني إلا أن أتساءل عمّا كانتا تتحدثان عنه.
هززتُ رأسي، وسددتُ الفاتورة، وتركتُ للخادمة بقشيشاً سخياً. وبينما كنتُ أغادر المقهى، عادت أفكاري إلى الفتاة ذات الشعر الذهبي وطعم القهوة الذي ما زال عالقاً في ذهني. لم أكن قد انتبهت حتى لاسم المقهى، ولم أهتم حتى بالتحقق منه، فضلاً عن السؤال عنه.
وباتباع توجيهات روح الخلية، شققتُ طريقي نحو قصر نصف الإله غينوفر، وأسرعتُ خطاي وأنا أشرع في تنفيذ خطتي لإجبار آنا على مقابلتي.
فور وصولي إلى قصر غينوفر، أجريتُ استطلاعاً سريعاً للتأكد من وجوده وتقييم التشكيل المحيط بالقصر. وما إن تأكدتُ من وجوده بالداخل حتى فعّلتُ حدقتيّ الروحيتين وركزتُ على استنتاج كيفية تفكيك التشكيل في لحظة.
لم تكن لديّ أي نية لمواجهة حرس المدينة، وخاصة أولئك المنتسبين إلى العائلة المالكة الشمالية، في منتصف العملية. وقد سمعتُ أكثر من مرة أن أحفاد العائلة المالكة الشمالية لا يُستهان بهم، وبعد أن شهدتُ الشتاء القارس الذي عانوه، وجدتُ صعوبة في التشكيك في تلك الكلمات.
علاوة على ذلك، فإن قيام "أمل الجنوب" بقتل حراس الشمال أو أحفادهم الملكيين لن يؤدي إلا إلى تأجيج التوتر الهش أصلاً بين المنطقتين. حيث كان عليّ أن أتحرك بدقة متناهية، وأن أحصر نطاق الدمار في "نصف الإله غينوفر" فقط، وأن أتجنب إيذاء أي أبرياء. آخر ما أردته هو تفاقم وضع المنطقة الجنوبية وهي تخوض بالفعل مواجهة خطيرة مع السادة نيابةً عني.
لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى توصلتُ أنا وروح الخلية إلى طريقة لكسر تشكيل المصفوفة الذي يحمي قصر نصف الإله غينوفر على الفور، مما سمح لي بالقبض عليه والانسحاب من المنطقة الشمالية في وقت أقل بكثير من وقت استجابة حراس العاصمة الشمالية.
بعد إتمام استعداداتي، تحركتُ دون تردد. نشرتُ نطاقي السماوي اللامحدود فوق القصر والمصفوفة المحيطة به. وهذه المرة، انضغط الفضاء داخل النطاق إلى الداخل. وعندما أطلقته، اندفع الفضاء إلى الخارج فجأة، مُولِّداً ضغط شفط هائلاً لدرجة أنه مع دويٍّ هائل، تحطمت المصفوفة التي تُحيط بقصر غينوفر، وتساقطت شظاياها على الأرض.
لم أندفع إلى القصر بحثاً عن غينوفر. بل بدأتُ على الفور بتقليص نطاقي، سامحاً للمساحة بداخله بالتمدد بلا حدود ليحاصر القصر بداخله. وسرعان ما استقر النطاق بأكمله على راحة يدي، لا يتجاوز حجمه حجم حبة رخام صغيرة.
"إذا كنت تريد الفوز، فتعال وابحث عني في المكان الذي التقينا فيه لأول مرة."
وكشفتُ عن مظهري الأصلي، وأعلنتُ بصوت وصل إلى كل ركن من أركان العاصمة الشمالية قبل أن أغادر المدينة وأعود إلى مدينة السماء بلوسوم باستخدام رمز تاجر الشيطان.
في تلك اللحظة، داخل مقهى في زاوية الشارع، ألقت فتاة ذات شعر ذهبي تجلس على طاولة بجانب النافذة نظرة غاضبة على صديقتها واشتكت قائلةً: "أرأيتِ؟ لقد أخبرتكِ أنه الأبيض. لم تصدقيني."
دون انتظار رد، نهضت على قدميها وهرعت خارجة من المقهى، محطمةً حاجز الخصوصية والباب في عجلة من أمرها. ولكنها كانت قد فات الأوان.