الفصل 172: المفضلون الجدد
كان "أخيل " ما زال يوجه نظره نحو ذلك الكائن عندما شعر به... ذلك التغير المفاجئ في الأجواء المحيطة.
انخفضت درجة الحرارة.
لم يكن انخفاضاً تدريجياً ، ولم يسبقه أي إنذار ، بل كان هبوطاً مفاجئاً وعنيفاً حول أجواء الساحة من الدفء إلى صقيع قطبي في لمح البصر.
شعر "أخيل " بذلك على الفور إنه برد يخترق العظام يجعل التنفس مؤلماً ، ويحول هواء الزفير إلى سحب مرئية من البخار. فلم يكن الأمر مجرد شعور بعدم الارتياح ، بل كان خطراً داهماً ، نوعاً من البرد الذي يمكن أن يفتك بالمرء إذا تعرض له لفترة طويلة.
في أرجاء الساحة ، ارتجف المقاتلون لا إرادياً حتى أولئك الذين كانوا ما زالوا مشتبكين في القتال تعثروا قليلاً ، واضطربت حركاتهم بسبب التحول المفاجئ في درجات الحرارة. أصبحت الأنفاس تخرج في شهقات حادة ، وكأن كل استنشاق للهواء هو سحب لرقاقات الثلج مباشرة عبر الأنف إلى الرئتين.
"ما الذي... " قُطِعت فكرة "أخيل " بينما كانت غرائزه القتالية تصرخ فيه لتحديد المصدر.
التفت برأسه بسرعة نحو مصدر البرودة ، واتسعت عيناه في دهشة حقيقية.
كانت "نايلا " تقف على منصة تبعد عنه حوالي خمسين قدماً ، ولم تكن تشبه أبداً تلك الأخت التي كانت يراقبها وهي تستعد طوال الأيام الثلاثة الماضية.
كانت شيئاً آخر تماماً.
كان الصقيع يشع منها في موجات مرئية ، ويُحيل الهواء المحيط بمنصتها إلى بلورات. تشكل الجليد فوق الحجر تحت قدميها ، منتشراً إلى الخارج في أنماط هندسية بدت وكأنها متعمدة في جمالها. حيث كانت نصلاها المزدوجان -الذان صنعهما "جيري " من نوى متطورة- يلمعان بضوء لا علاقة له بانعكاس الإضاءة ، بل بكل ما له صلة ببرودة مركزة تجسدت في شكل مادي.
تغيرت عيناها ؛ فبدلاً من لونهما البني الدافئ المعتاد كانتا الآن تشعان بضوء أزرق شاحب ، وكأن الشتاء نفسه قد اتخذ من خلف حدقتيها مسكناً.
ولم تكن تكبح جماح قوتها على الإطلاق.
كان خصمها -أحد "النينجا " الاصطناعيين ، وكان يحمل سيفاً مقوساً- يتحرك بالفعل ، مدركاً الخطر بوضوح. و لكن الإدراك لم يكن يعني شيئاً أمام ما حدث تالياً.
تحرك ذراع "نايلا ".
لم تكن أرجحة عشوائية ، ولم تكن ضربة يائسة ، بل كانت قوساً انسيابياً ومحكماً ، سريعاً لدرجة أن إدراك "أخيل " المعزز بالكاد استطاع تتبعه. حيث اخترق نصلها المزدوج الهواء ، ومن تلك الحركة انطلقت موجة من الجليد الصافي.
لم تكن ماءً متجمداً ، ولم تكن رطوبة متبلورة ، بل كان الجليد كقوة أساسية ، برودة اكتسبت شكلاً وسرعة ونية عدوانية.
اتسع القوس أثناء اندفاعه ، متضخماً من عرض الشفرة إلى عرض جسد كامل في مسافة ثلاثة أقدام. تحرك بسرعة تفوق قدرة "النينجا " على رد الفعل ، وبسرعة تفوق قدرة معظم الناس على تسجيله كتهديد.
أصابت الضربة هدفها.
للحظة واحدة -جزء من الثانية فقط- ظهرت الصدمة على تعبيرات "النينجا " ؛ فهم أنه أُصيب لكنه لم يستوعب بعد ما يعنيه ذلك.
ثم تملكه البرد.
انتشر الجليد فوق جسده بسرعة مرعبة ، مجمداً اللحم والدم والعظم في لمح البصر. فُتح فمه في صرخة لم تخرج أبداً ، إذ تجمدت أحباله الصوتية قبل أن يتشكل الصوت. و اتسعت عيناه رعباً وهو يشاهد جسده يتحول إلى شبه شفاف ، ويشاهد الجليد يلتهمه من الخارج إلى الداخل.
في غضون ثلاث ثوانٍ ، تحول من مقاتل حي إلى تمثال بشع ، محفوظ تماماً في لحظة موته ، حيث التُقطت كل تفاصيل تعبيراته الأخيرة بوضوح بلوري.
كانت نظرة "نايلا " متبلدة تماماً وهي تنظر إلى صنيعها. لا رضا ، لا ندم ، فقط تقييم بارد لما إذا كان التهديد قد حُيّد حقاً.
عدّلت وقفتها قليلاً ، وتسببت حركتها في انتقال اهتزازات عبر المنصة المتجمدة.
تحطم تمثال الجليد الذي كان خصمها.
لم يتصدع ، ولم يتفكك ، بل تحطم ؛ متفجراً إلى آلاف الشظايا التي تناثرت عبر المنصة كقصاصات الورق المروعة. الدم الذي كان قد تجمد أثناء تدفقه أصبح بلورات جليدية قرمزية ، وأصبح اللحم لا يمكن تمييزه عن الجليد الذي التهمه.
في غضون خمس ثوانٍ ، تحول مقاتل حي إلى حطام متناثر.
حدق "أخيل " وهو في حالة ذهول تام "متى... كيف استطاعت ؟ "
لقد كان غارقاً في مشاهدة البطولة ، ومركزاً على الشخصية الغامضة خلف "جيرين " ومشغولاً بمبارياته القادمة لدرجة أنه لم يلحظ ظهور أخته في الساحة.
"هل هي في فريقي ؟ " صدمه هذا الإدراك بقوة الوحي. "هل نُقلت آنياً إلى نفس المجموعة التي أنا فيها ؟ "
انفجرت الدردشة الإلهية بالإثارة:
[الإله بولونيوس: هذا ما أتحدث عنه! هذا هو الترفيه الحقيقي!]
[الإلهة جاين: هل رأيتم ذلك ؟! خمس ثوانٍ من الضربة الأولى إلى المحو الكامل!]
[دايليث نايت: التلاعب بالجليد مذهل! هذا ليس مجرد تجميد ، هذا صفر مطلق مُسلّح!]
[الإلهة فايدريكس: أسحب كل ما قلته عن كون هؤلاء المبتدئين مملين. و هذا يستحق المشاهدة!]
[الإله فيربراوخت: التحكم المطلوب لهذا المستوى من الدقة... لقد كانت تكبح قوتها طوال هذا الوقت ، أليس كذلك ؟]
[مجهول: الدم والجليد. مزيج جميل. المزيد من هذا ، رجاءً.]
[الإلهة أورانوفا: أخيراً! شخص يعرف كيف يقدم عرضاً منذ اللحظة الأولى!]
ولكن قبل أن تتمكن الجماهير الإلهية من استيعاب ما شهدوه بالكامل ، وقبل أن تهدأ صدمة عرض "نايلا "...
اهتزت الأرض.
لم يكن ارتجافاً ، ولم يكن اهتزازاً بسيطاً ، بل زلزالاً كاملاً جعل المنصات تقرقع والحواجز تألق. نوع من الارتطام الذي يوحي بأن شيئاً ضخماً قد ضرب بقوة ساحقة.
اتجه انتباه الجميع نحو المصدر.
كان هناك "أورك " يقف على منصة بعيدة ، ووصفه بـ "الكبير " سيكون بخساً لحقه. حيث كان ضخماً ؛ يبلغ طوله ثمانية أقدام بسهولة ، بعضلات بدت وكأنها نُحتت من الجرانيت على يد شخص لا يفهم مفهوم الاعتدال. حيث كانت بشرته خضراء داكنة تبدو وكأنها تمتص الضوء ، مما جعله يبدو أكثر مهابة.
تدلت خصلات شعره السوداء الطويلة على كتفيه ، وكانت كل خصلة منها سميكة كالحبل ، ومزينة بما يشبه شظايا العظام والحلقات المعدنية. حيث كان وجهه شرساً ، بملامح حادة وفك قوي ، والأبرز من ذلك أنياب سميكة تبرز من شفته السفلية كأنياب الوحوش.
في يديه كان يحمل فأس حرب جعلت سلاح "نيبو " السابق يبدو كلعبة أطفال. حيث كانت الشفرة وحده بحجم جذع رجل بالغ ، وكان وزن السلاح بالكامل يزن ثلاثمائة رطل على الأقل.
إنه "نيبو ".
لكن ليس "نيبو " الذي عرفه "أخيل " أثناء تدريباتهم. حيث كان هذا شيئاً بدائياً ، شيئاً كان مكبوتاً ومحتجزاً ، وقد أُطلق سراحه أخيراً.
كان خصمه -أو بالأحرى ما تبقى منه- ملقىً في قطعتين منفصلتين على جانبي المنصة. حيث كان القطع نظيفاً لدرجة أنه بدا جراحياً ، وكأن الواقع نفسه وافق ببساطة على الانفصال عند ذلك الخط.
لكن الدمار لم يتوقف عند هذا الحد.
لقد استمر أثر الضربة إلى السماوي المتقدم ، كارِفاً سطح المنصة الحجري وكأنه قماش. حيث كانت هناك هوة بعمق ثلاثة أقدام على الأقل تمتد من حافة المنصة إلى الأخرى ؛ خط مستقيم تماماً ينم عن حدة مستحيلة مقترنة بقوة غاشمة.
وقف "نيبو " في قلب ذلك الدمار ، بصدر يعلو ويهبط ، وفأسه تستقر على كتفه. حيث كانت عيناه -اللتان عادة ما تكونان هادئتين ومفكرتين- تحترقان الآن بنوع من غضب المعارك الذي تغنى به المحاربون القدامى في الأساطير.
لم تكن هذه مجرد قوة ، بل كان شيئاً يتجاوز القدرات الجسديه إلى عالم الأساطير.
انفجر العالم الإلهي:
[الإله بولونيوس: يا إلهي... هل شق المنصة للتو ؟!]
[الإلهة جاين: هذا حجر مقوى! مسحور ليتحمل ارتطامات المستوى الإلهي! وقد اخترقه بضربة واحدة ؟!]
[دايليث نايت: هذه الدقة! ضربة واحدة! قتلة واحدة! وكان امتداد الضربة كافياً لتدمير الساحة نفسها!]
[الإله فيربراوخت: كنت مخطئاً حين شككت. فكنت مخطئاً جداً في شكي. هؤلاء المقاتلون مذهلون!]
[الإلهة أورانوفا: عرضان استثنائيان في أقل من عشر ثوانٍ! هذا ما كنا ننتظره!]
[مجهول: ملكة الجليد والعملاق الأخضر. نعم. المزيد من هذا. المزيد والمزيد من هذا.]
[الإلهة فايدريكس: انسوا "سيث " و "رايان " لدينا مفضلون جدد! هذان الاثنان مذهلان!]