كان "ملاخي " هو من عثر عليهم أولاً.
عربة عسكرية خضراء داكنة تفر مسرعة عبر مدينة كانت لا تزال في طور إعادة البناء.
كانوا يضغطون على دواسة الوقود بأقصى قوتهم ، كأنما يفرون من شيء ما.
تلاشى جسد "ملاخي " ذو السمات الطيرية من السماء في لحظه كالبرق.
ظهر مجدداً على الأرض ، مرتدياً ثوبه الإغريقي "الهيماتيون " ويده ممدودة ببساطة.
اصطدمت العربة به بكامل سرعتها بسبب بطء رد فعل السائق.
انقلبت السيارة بأكملها فوق رأسه.
وقبل أن يلحق أي ضرر بالمكان ، تلاعب "ملاخي " بالظلال على الأرض.
التقطت يد ظلية الشاحنة كما تُلتقط كرة "السوفتبول " وثبتتها في مكانها.
تقطب وجه "ملاخي " ؛ فهو يعلم بالفعل أن "مورغان " ليس بالداخل ، إذ إنه لا يشعر بوجوده.
وبمجرد التفكير ، شقت الظلال الشاحنة من منتصفها تماماً فانفطرت.
تناثر عشرات الرجال المرتبكين بزي عسكري أجنبي فوق بعضهم البعض.
لكن لم يبدُ أن أياً منهم ينتمي للمجموعة الأمريكية التابعة لـ "مورغان ".
صرخ "ملاخي " بصوت جهوري "أين هم ؟! ".
كان صوته شبيهاً بصوت شيطاني يبعث على الرهبة ، مما أيقظ الرجال من خمولهم وأجبرهم على اتخاذ وضعية الدفاع.
نهضوا على أقدامهم ، لكن معظمهم كانوا ما زالوا يعانون من دوار شديد ، لدرجة أن القضاء عليهم لن يختلف كثيراً عن طرح مجموعة من الشيوخ الذين يعانون من آلام في المفاصل.
ومع ذلك فإن سهولة الأمر لم تجعل "مال " يشعر بضراوة أقل.
كان معظمهم من الجيل الثاني للمتطورين ، ويبدو أن قائدهم هو الاستثناء الوحيد.
كان "متحولاً " يتحول إلى كائن يشبه وحيد القرن الضخم.
كان قرنه كرمح عظيم يمكنه اختراق صفوف الرجال بسهولة كما يُجز العشب.
لكن "ملاخي " قد تجاوز بالفعل حدود البشر الفانين ؛ فهو أكثر من أي شيء آخر ، حيوان يرتدي وجهاً ساحراً لشيطان.
أمسك الرجل من قرنه بينما كان الأخير يندفع نحوه.
للحظة ، التقت أعينهما ، ولم يسع وحيد القرن -الذي يبلغ طوله عشر أقدام- إلا أن يشعر بضآلة لا تُوصف.
كانت عينا "مال " باردتين ، خاويتين من الحياة.
شد قبضته على القرن ، وبدأت الشقوق تمتد على طول العظم.
"أين... هو.. ؟ "
اعترا وحيد القرن رعشة شديدة ، لكنه ظل صامداً رغم ذعره.
"...لن أخبرك بشيء أبداً- "
"أنا أصدقك. "
قذف "ملاخي " وحيد القرن إلى السماء كصاروخ.
طار بسرعة وعنف لدرجة أن طبقة من جلده تلاشت بفعل صعوده إلى الغلاف الجوي.
حوّل "ملاخي " نظره إلى بقية الرجال الذين كانوا خائفين بقدر ما كانوا أغبياء.
بدأت أجنحته تكبر ، وأحاطت بالرجال وحبستهم في ظلام دامس ، فلم يترك لهم مفرّاً.
"مجرد تحذير... لن أسأل أياً منكم بلطف كما فعلت معه. "
-
عاد "ملاخي " و "عائشة " إلى السفينة بتعابير مشدودة وقاتمة.
كان الجميع في الغرفة يدركون أن عملية بحثه لم تسر على ما يرام قبل أن ينطقوا بكلمة ، وتفاقم قلقهم.
لكن كان هناك بصيص من الأمل ؛ فـ "ملاخي " لديه رهائن ، وشيء آخر.
توجه "ملاخي " مباشرة إلى "تيامات " واستل شيئاً من جيبه.
"قالوا إنهم أرسلوه إلى هذا... هل هناك أي فرصة أن تتمكني من.. ؟ "
مدت "تيامات " يدها فوق المرآة.
للحظة ، بدأ كفها يتوهج ، وشعر "ملاخي " بفيض من الترقب.
لكن "تيامات " سرعان ما سحبت يدها ، وارتسمت على وجهها تعابير قاتمة.
"أنا... آسفة يا ملاخي. لا يمكنني التدخل. "
"ماذا تعنين.. ؟ "
"يبدو أن أحداث اليوم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمستقبل هذا العالم. لو تدخلت بأي شكل من الأشكال ، لكنت خالفت القانون الإلهيّ ، و- "
"أجل ، فهمت... " وضع "ملاخي " يده على رأسه "سجن كوني. "
"بالضبط. "
التفتت "تيامات " فجأة إلى "أوبراي ".
"لكن أختك من سكان هذا العالم. و يمكنني تعليمها تعويذة قد تساعد ، لكنني بحاجة إلى إذن مسبق ، وهي ستحتاج إلى وقت لتتعلمها. "
تجهم "ملاخي " فقد شعر بالضيق والتوتر من الوضع.
قد لا يكون لديهم متسع من الوقت ، لكن هذا كان خيارهم الوحيد.
تنهد قائلاً "...شكراً. "
وضعت "تيامات " يدها على كتفه "سأفعل دائماً ما بوسعي. فما فائدة العائلة إن لم يتساند أفرادها ؟ "
تلاشت من الغرفة كالسراب ، تاركة وراءها كلماتها المواسية. و لقد ساعدت في تخفيف وطأة شعور "ملاخي " ولكن... ليس بالكثير.
بدت الساعات تمر ببطء شديد ، كأنها تمشي على أطراف أصابعها.
كان "ملاخي " يتنقل ذهاباً وإياباً بين مكانين باستمرار ؛ غرفة "كريستال " و "إميليا " وغرفة المعيشة.
زوجات "مورغان " قلقات ، وهو أمر مبرر تماماً.
إنهن يتظاهرن فقط بأنهن لسن في حالة ذعر حتى لا يقضي الجميع وقتهم في الاهتمام المفرط بهن. و لكن الكائنات الروحية على متن السفينة يمكنها شم رائحة خوفهن ، و "ملاخي " أكثرهم إدراكاً لذلك.
كان يتفقد حالتهن دون وعي كل تسعين دقيقة بدقة الساعة ، إذ يبدو أنه يعتقد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنه القيام به من أجلهن.
وبطريقة ما كان محقاً.
في بقية الوقت كان يجلس في غرفة المعيشة ينتظر عودة "تيامات ". وكلما طال انتظارها ، زاد قلقه.
كانت "نادين " قد حاولت بالفعل إجبار الرجال الذين أسروهم على الكلام ، لكنها وصلت إلى طريق مسدود ؛ فقد بدت ذكرياتهم ممحوّة ، وكانوا يقودون بسرعة فقط لأنهم شعروا أن هذا ما يجب عليهم فعله.
لقد حرص أحدهم على ألا يترك مجالاً لتسريب أي معلومة.
"يتساءل الجميع عما إذا كنت ستأتي للنوم. "
رفع "ملاخي " نظره عن الكتاب الذي في حجره.
كانت "جوان " هناك ، ترتدي قميصاً "استولت عليه " من درج ملابسه.
بدت في حال أفضل مما كانت عليه خلال النهار ؛ أكثر صحة وأقل نحافة بكثير.
نظر إلى الوقت في ساعة معصمه ، لقد انتصف الليل بالفعل.
"أنا... "
هزت "جوان " كتفيها "أفهم ذلك. أعلم أنك تريد الانتظار. "
جاءت لتجلس بجانبه وألقت غطاءً عليهما معاً ، رغم أنه حاول منعها في البداية. حيث كان بوسعه الشعور بتعبها بمجرد تلامس بشرتيهما.
ومع ذلك كانت النظرة في عينيها حازمة ؛ نظرة تنذر بالمتاعب إذا كان جاحداً بما يكفي ليطلب منها الرحيل.
لذا سحبها بصمت لتجلس في حجره بدلاً من ذلك وهو أمر جعل وجهها يكتسي بلون وردي خفيف وجعل جسدها يشعر بالدفء.
كانت "جوان " تستشعر اعتماده عليها.
كانت تدرك أن وجودها في هذه اللحظة قد أوقفه مؤقتاً عن الانهيار مختل.
كان شعوراً مريحاً بشكل غريب ، أن تكون حصن الدعم لمن أنقذها من نفسها مراراً وتكراراً.
استمتعت بهذا الإحساس وشعرت بالفخر بنفسها.
قبلته "جوان " بلطف ، ولكن بشغف. حيث كانت لفتة مواساة ، مجرد وسيلة لتذكيره بأنها هنا من أجله ، وأنها ستكون دائماً بجانبه.
عندما ابتعدت ، أسندت رأسها على جانب عنقه ، وفعل هو المثل.
"كنت أفكر في الأسماء مجدداً. " قالت بعد صمت طويل.
"الأسماء.. ؟ "
"للطفل. زوجاتنا و 'آنا ' مشغولات بالمراهنة عما إذا كان سيكون ولداً أم بنتاً... بصراحة ، سأكون سعيدة فقط إذا كانوا أصحاء. "
لف "ملاخي " ذراعيه حول "جوان " بإحكام أكبر. حيث كان يعرف ما يعنيه أن تتحدث بهذه العفوية عن الأطفال مرة أخرى ؛ إنها تتعافى ، وهي مليئة بالأمل.
كانت تلك المحادثة المثالية لتشتيت انتباهه عن التفكير في "مورغان ".
مد يده تحت قميصها ووضع كفه على بطنها العاري. لم تعد تتشنج ، وبدلاً من ذلك وضعت يدها فوق يده.
في نهاية يوم مروع كهذا ، شعر "ملاخي " بالذنب تقريباً لحصوله على هذا الدفء.
"...كنت أفكر كم سيكون الأمر غريباً. إنجاب طفل آخر ، أعني. شرح زواجنا سيكون صعباً بما فيه الكفاية ، لكن... أفكر أيضاً كيف ستكون طبيعة العلاقة مع 'أناليس '. لا أريدها أن تشعر بعدم الارتياح. "
"...هل تحدثتِ معها بشأن ذلك ؟ "
اعترفت قائلة "لا أعرف بالضبط كيف أطرح الأمر دون أن أكره نفسي. أتساءل إن كان سيؤلمها أكثر أن تراني أفعل كل الأشياء مع طفل آخر ، بينما كان يجدر بي فعلها معها. "
تأملت "جوان " احتمالية أن تكون خسارة طفلهما الأول عقاباً على الطريقة التي تخلت بها عن "آنا ". لكنه ليس أمراً سمحت لنفسها بنطقه بصوت عالٍ.
لم يدر "ملاخي " بماذا يجيب.
في أوقات كهذه ، يتساءل كيف ستكون الحياة لو كانت علاقاته طبيعية أكثر.
لكنها أفكار لا يمكنه الاحتفاظ بها طويلاً.
هو يحب "جوان " و "آنا " بعمق شديد لدرجة أن مجرد فكرة العيش بدونهما تسبب له وجعاً عظيماً. وفكرة رؤيتهما بين ذراعي شخص آخر تملأ جسده بالسم.
إنها أنقى مشاعر اختبرها على الإطلاق. إنهما إلهتاه الحيتان ، وفقدان إحداهما سيجعل وجوده أكثر قتامة بما لا يُقارن.
ولهذا أراد أكثر من أي شيء آخر حل المشكلات بينهما فور ظهورها.
قالت "جوان " أخيراً "ماذا لو... لم أكن حاملاً في نهاية المطاف ؟ "
"جوان.. "
"ليست نهاية العالم. وهو قراري. و لقد فعلت الكثير من الأشياء الأنانية لتلك الفتاة ، أنا فقط... لا أستطيع تبرير فعل أي شيء من شأنه أن يؤلمها أكثر. "
تولدت لدى "ملاخي " مشاعر معقدة. حيث كان يعلم مدى رغبة "جوان " في الحمل ، ومع ذلك كان يشعر بمدى قوة التزامها بجعل ابنتها الكبرى أولويتها.
في أوقات كهذه ، اعتقد "ملاخي " أنه من المؤسف حقاً كيف سارت أمور ماضيهما. حيث كانت "جوان " امرأة استثنائية ، لكنها كانت أماً أعظم.
أمسكت وجه زوجها بكفيها وابتسمت للتعابير المرة التي كانت يبادلها إياها.
"...الأمر ليس جللاً. إنه ثمن صغير ندفعه لتبقى عائلتنا متماسكة. "
رفعت خاتم زواجها.
"بجانب ذلك... نحن متزوجون بالفعل. لذا من التي ستحمل لا يُحدث فرقاً كبيراً... سيظلون جميعاً أطفالي. وسأحبهم جميعاً بنفس القدر. "
كان لدى "ملاخي " الكثير من الأشياء التي أراد قولها عن "جوان " في تلك اللحظة ، لكن شيئاً واحداً فقط أفلت من شفتيه.
"أنتِ مذهلة... "
ارتبكت "جوان " بوضوح ، رغم أنها أزاحت شعرها إلى الوراء ونفضت عنه كلمات مديحه "أنا بطيئة في التعلم بعد حياة مليئة بالأخطاء... لا أستحق أكثر من ذلك. "
لم يتفق "ملاخي " معها ، ولم يستطع ذلك.
كانت زوجته مثالية في عينيه ، ولم يستطع تسمية عيب فيها لم تعمل على تجاوزه.
ورغم معاناتها الكثير في حياتها إلا أنها لا تزال تمتلك قلباً هو من أكبر القلوب التي عرفها على الإطلاق.
استخدم "ملاخي " إبهامه ليمسح دمعة تسيل على خدها.
أغمضت "جوان " عينيها لتستمتع بدفء يده ، يد زوجها.
شعرت بالذنب قليلاً تجاه كل تلك المشاعر التي أثارتها فيها لفتة بسيطة كهذه.
وعلى الرغم من رغبتها في القول بأنها ستفعل أي شيء من أجل ابنتها إلا أن الشيء الوحيد الذي لم تستطع فعله أبداً هو الابتعاد عن شركائهما ، ليس بعد تجربة الحب الذي لا ينقطع الذي يمنحونها إياه في كل لحظة من كل يوم.
ومن أجل ذلك ستكفر عن أخطائها بقية حياتها بينما تدعم ابنتها ، وجميع أطفالها ، بكل ما أوتيت من قوة.
قضى الاثنان وقتاً طويلاً يحدقان في بعضهما البعض. ما زال حزنهما حاضراً ، لكنه بدأ يستبدل ببطء بأمل يلوح في الأفق ، وإدراك بأنهما قادران على النجاة من أي شيء.
وفجأة لم تعد "جوان " تشعر بالتعب ، ولم يعد "ملاخي " مسيطراً عليه قلقه.
لذا لم تقاوم عندما أزال الغطاء ورفع قميصها تماماً كما لم يعترض هو عندما فتحت هي قميصه...