الفصل 546: كلما قلّ ما تملك ، زادت رغباتك
أمام شاشة التلفاز ، جلس رجل وقور مهندم المظهر ، يراقب بملامح يغشاها الامتعاض ذلك السجال المحتدم بين لينش وأورا. التقط الهاتف الموضوع بجانبه ، وطلب رقماً ، ثم قال بعد لحظة في السماعة "أخبروهم أن يغيروا مسار الحديث ؛ فقد أساءت إلى الكثيرين بالفعل. و هذه المرة ، اجعلوها تتصرف كمذيعة طبيعية وتطرح أسئلة معقولة... ".
أغلق الخط واستمر في مراقبة التلفاز. حيث كان الهاتف يوضع على حافة الأريكة مباشرة ، وهو موضع غير لائق في معظم المنازل ؛ فلو كان صاحب المنزل يستقبل ضيوفاً وجاءته مكالمة حساسة ، فإن تفادي الرد عليها قد يُشعر الضيوف بضعف الروابط أو تكلف العلاقة ، أما إن كانت المكالمة حساسة ، فقد يظن الضيوف أنها تتعلق بهم ، ربما كنميمة أو ما هو أسوأ. ومن جهة أخرى ، فإن الرد أمامهم يمثل مشكلة أيضاً ؛ فالخصوصية لا ينبغي أن تنتهك أمام الغرباء ، ووجود طرف ثالث في المكالمة يعد تجربة مزعجة للمتصل والمستقبل. ولذا فإن معظم الناس -باستثناء من يضعون الهواتف قرب الأريكة للتباهي- يضعونها في أماكن أكثر خصوصية ، كزاوية بعيدة عن منطقة الجلوس أو في غرفة منفصلة.
كان ديكور المنزل يشير إلى ثراء صاحبه ؛ ففي المدفأة الجانبية تراقصت النيران ، وفوقها عُلّق رأس أيل بقرون ضخمة كانت تثير ذعر بعض السيدات ، كما تزينت الجدران الأخرى برؤوس دببة وأسود محنطة بدقة عالية ؛ ناهيك عن التكلفة الباهظة للصيد والتحنيط. وعلى جدار آخر ، عُلقت لوحات تقدر بعشرات الآلاف ، مما يثبت أن هذا ليس منزلاً عادياً ، وأن صاحبه ما كان ليقع في خطأ بسيط بوضع الهاتف قرب الأريكة لولا انشغاله الشديد الذي يلزمه بالرد على المكالمات في أي وقت ومكان.
كان هذا الرجل عضواً في الكونغرس ، ويشغل مقعداً في لجنة التخصيصات المالية. وفي النظام الفيدرالي ، تُعد لجنة التخصيصات واحدة من ثماني لجان دائمة ، وهي هيئة نافذة مسؤولة عن ميزانيات غير عسكرية ، وتتمتع بنفوذ واسع. حيث كان هذا الرجل المسن يتمتع بشبكة علاقات اجتماعية قوية.
كان برنامج التلفاز يعرض المذيعة "أورا " -ابنته- ، ومهما بلغ انشغاله كان يخصص وقتاً لمتابعة برنامجها ، تعبيراً عن اهتمامه بعائلته ، وإن كانوا هم وحدهم من يعرفون القصة الكاملة. استمر في الأكل ، يلتقط اللحم المشوي بيديه الملطختين بالدهن ، بعيداً عن صورة الشخصية المرموقة. لمعت عيناه ، وكأنه يستحضر ذكريات غابرة. فلم يكن هو وحده من يغرق في التفكير ؛ فقد بدت أورا على الشاشة مضطربة أيضاً بسبب ذكريات كريهة ، فكلمات لينش لمست وتراً حساساً في نفسها ، وأعادتها سنوات إلى الوراء.
عندما حذّر مخرج البرنامج لينش من أن أورا شخصية صعبة وتميل لاستفزاز ضيوفها ، اتصل لينش بلجنة الأمن ؛ فقد أصبح مستشاراً خاصاً لديهم ، ومخولاً بالاطلاع على ملفات سرية أدنى من التصنيف الأعلى -تلك التي لا تُتاح للجمهور-. فسرية الدولة ورفعها لا ينطبق إلا على المطلعين من الداخل ؛ إذ لا يملك إلا ذوو التصاريح الخاصة الوصول حتى لهذه الوثائق السرية الدنيا. أما الملفات السرية بالكامل ، فتتطلب تصريحاً أعلى ، غالباً ما يكون مقصوراً على الرئيس.
سرعان ما حصل لينش على معلومات أساسية تتعلق بأورا ، أما تفاصيل حياتها الشخصية أو عائلتها فكانت خارج النطاق ؛ ليس لأن لينش يفتقر للتصريح ، بل لأن القانون الفيدرالي يمنع التحقيق مع المسؤولين العموميين أثناء فترة توليهم مناصبهم -بمن فيهم أعضاء الكونغرس- منعاً لاستغلال الفصائل السياسية لأجهزة الدولة في الهجمات الشخصية. ورغم أن هذا القانون تجنب الكثير من الصراعات إلا أنه خلق مشاكل أخرى. ولهذا السبب عرف لينش أن والد أورا عضو في الكونغرس ، لكنه لم يستطع الوصول لملفاتها الخاصة دون موافقة. ومع ذلك قدمت لجنة الأمن للينش بعض المعلومات الإضافية: لقد حُكم على عم أورا بالسجن لفترة طويلة لانتهاكه القانون الفيدرالي.
قد تكون القوانين الفيدرالية غامضة ، وكثيراً ما يلوي المحامون أعناق النصوص ، لكن هناك أموراً -مثل حماية الأطفال والنساء- تُنفذ بحزم. وبعد تحليل هذه الحقائق وسلوكها ، توصل لينش إلى استنتاجات مقلقة. وعندما طرح فرضيته ، غرقت أورا في ذكرياتها. فالحياة نادراً ما تكون مثالية ؛ قد يمنح الاله المرء ثراءً يفتقده الآخرون لكنه يسلب منه الصحة ، أو يمنحه القوة لكنه ينسى أن يهبه السعادة. لا توجد حياة تخلو من العيوب.
لم تكن طفولة أورا سعيدة ، لكن لحسن الحظ ، أصبحت تلك الأوقات المظلمة والمخيفة من الماضي ، وقد نجحت في الهروب من تلك الظلال. وبعد كل الفوضى التي مرت عبر السنين ، كادت تنساها.. أو هكذا ظنت. ولو لم يثر لينش الأمر ، لربما استمرت في ادعاء النسيان. و لكن التذكير ملأها بالخوف والغضب ، وشعرت وكأن لينش قد عراها أمام عيون العامة. و نظرت بغريزتها إلى الجمهور الحاضر ، وانتقلت للحظة إلى ذلك اليوم. و في تلك اللحظة ، لمست شعرها ، وكان وجهها شاحباً ثم احتقن بالحقد.
قالت "لقد طرحت عليك بعض الأسئلة الحساسة ربما ، لكنك هاجمتني بشراسة يا سيد لينش. أهكذا تعلمت معاملة النساء في مدرستك ؟ سمعت أن المدارس العامة فوضوية ؛ وقد أعددت برامج ذات صلة عن الرومانسية المبكرة ، والعنف ، والمشاجرات بين الطلاب والمعلمين... يبدو أنك أتقنت كل ذلك جيداً! " أضافت بابتسامة ساخرة "سمعت أنه كان لديك الكثير من النزوات في المدرسة الثانوية ؛ تلك ميزة الوسامة ، لا تحتاج لبذل أي جهد ".
قاسية ومؤلمة.. هكذا شعر كل ضيف في برنامج "أورا 90 ". كانوا يكرهون ذلك لكن لا يمكنهم تجنبه. و في تلك اللحظة ، عاد المخرج ببطاقة تعليمات مكتوب عليها نص لأورا. حيث كان البرنامج قد بدأ للتو ، وإيقافه الآن قد يسبب متاعب غير ضرورية ، لذا كان عليهم الاستمرار. نقل المخرج رسالة عضو الكونغرس عبر البطاقة. رأت أورا البطاقة ، ورآها لينش أيضاً ، فألقى إليها بابتسامة ذات مغزى جعلتها تشعر بعدم الارتياح وأججت غضبها.
تجارب طفولتها جعلتها شديدة العزيمة ؛ فقد أرادت السيطرة على كل شيء ، مؤمنة بأن السيطرة على كل شيء تعني السيطرة على قدرها. لطالما نجحت في ذلك من قبل ، وآمنت بأنها ستنجح هذه المرة أيضاً ؛ كانت عازمة على استعادة زمام الأمور. عدلت شعرها ، نظرت إلى لينش ، وقررت تحدي طلب والدها "ماذا ؟ هل تعتقد أنني مخطئة يا سيد لينش ؟ ".
عندما سألت هذا ، أثنت أورا صمتاً على ذكائها. فدعوة لينش للبرنامج تعني أنها قامت بواجبها تجاهه ؛ فهي تعرف أنه التحق بأكثر المدارس العامة عادية في مدينة سابين منذ المرحلة الابتدائية. وماذا تمثل المدارس العامة ؟ فوضى لا تنتهي. و في نظام التعليم الفيدرالي ، لطالما اعتبرت المدارس العامة وصمة عار ، وكانت دائماً في كفة مقابلة للمدارس الخاصة. فريق يخرج طلابه في الثالثة أو الثالثة والنصف عصراً كحد أقصى مع قليل من الواجبات ، وآخر ينهي يومه في الخامسة أو السادسة مساءً مع حمل ثقيل من الفروض. وخارج المدارس كان لدى أطفال مثل أورا معلمون خصوصيون -وهو ماضٍ كانت تفضل نسيانه- لكن كل هذا كان مصدراً للفخر بين الطبقة الراقية.
رفعت ذقنها قليلاً ، تحدق في لينش بكبرياء وغطرسة لا تكاد تخفيهما. فمهما بلغ لينش من النجاح ، ظل من أصل وضيع ، من قاع المجتمع ؛ لا يمكنه أبداً مقارعة أورا من حيث الأصول. أسكت هجومها الحاد الاستوديو بأكمله. فمنذ البداية كان البرنامج مشحوناً بالتوتر.. والإثارة. حيث كان الجمهور يراقب لينش ، متلهفين لرد فعله ، لكن هذه المرة بدت توقعاتهم مختلفة و ربما تعاطفوا معه ؟ من يدري.. ربما.
أخفض لينش رأسه مفكراً. حيث كان الكثيرون يدركون أنه لو تعثر هنا ، فإن الضرر سيتجاوز شخصه. تسللت ابتسامة الانتصار إلى شفتي أورا ، وبدت واثقة تماماً من أنها قد فازت.