Switch Mode

كود بلاكستون 482

الصمامات +


الفصل 482: الفتيل

«أتذكر... كان ينبغي أن يكون هناك طبق هنا!» حدق تاجر أجنبي في الخمسينيات من عمره في خزانة العرض خاصته بذهول. حيث كانت إحدى الخانات فارغة ، بينما كان يتذكر بوضوح أن طبقاً من الذهب الخالص كان موضوعاً هناك.

لم يكن الطبق ثقيلاً على نحو خاص ، ورغم ارتفاع أسعار الذهب العالمية إلا أن قيمته كانت تكمن في أهميته التذكارية أكثر من قيمته الجسديه.

لم يولِ التاجر اهتماماً لهذه المقتنيات منذ فترة ، والآن ، وبينما كان يستعد للرحيل ، أدرك اختفاء الطبق.

سأله الخادم بهدوء: «هل وضعتَه أنت في مكان آخر ؟»

هز التاجر رأسه نافياً: «مستحيل! و لم أدخل هذه الغرفة من قبل للتوضيب. و من المسؤول عادةً عن رعاية هذا المكان ؟»

سمى الخادم امرأة في الثلاثينيات من عمرها من سكان «ناغاريل». بالنسبة لأهل «ناغاريل» كان سن الثلاثين يُعتبر من سن الكهولة نظراً لقصر متوسط أعمارهم ؛ حيث أشارت إحصاءات غير رسمية إلى أن متوسط العمر المتوقع لديهم يقل عن ستين عاماً ، مقيداً بالظروف الصحية والبيئية والتلوث الكيميائي.

أومأ التاجر برأسه لكنه بدا مستاءً: «أحضرها إلى هنا».

امتثل الخادم بصمت ، وأحضر سريعاً الخادمة المسؤولة عن تنظيف تلك الغرفة. حيث كانت الغرفة تحتوي على العديد من المقتنيات الثمينة والتذكارية ، لذا كانت دائماً تحت عهدة هذه المرأة. حيث كانت متزوجة ولديها أطفال ، ومستقرة اجتماعياً ، ومن غير المرجح أن تخاطر بعواقب وخيمة بكسر القواعد أو السرقة.

لقد اعتمد التاجر عليها لسنوات دون مشاكل ، ورغم غضبه الآن إلا أنه لم يكن قد فقد صوابه بعد.

وصلت الخادمة سريعاً ، ولم يلحظ التاجر الذي كان ما زال منزعجاً ، تعبيرات وجهها المضطربة ، بل أشار إلى خانة العرض الفارغة: «أين الطبق ؟ لا تحاولي الكذب ؛ فأنا أعلم أنه كان من الذهب الخالص!»

لم تنبس الخادمة ببنت شفة كانت يداها تعصران مئزرها بقوة حتى ازرقت أطراف أصابعها وابيضت حوافها من شدة الضغط. ارتجف جسدها قليلاً ، فباتت ملامح التاجر باردة ومفعمة بخيبة الأمل ، ثم سخر قائلاً: «أسرقتِه ؟»

وعلى الرغم من صياغته للجملة كسؤال إلا أنه كان قد أيقن بصدق ظنّه ولم يكن ليتراجع. ظلت الخادمة صامتة ، فاستشاط غضباً ؛ إذ رأى في صمتها تحدياً ، بل وهجوماً عليه.

كان الفيدراليون يريدون رحيله ، وكان السكان المحليون يلقون القمامة أحياناً على منزله ، صارخين مطالبين إياه بالرحيل. حيث كان بإمكان أي شخص أن يضيق الخناق عليه ، والآن تجرأت حتى خادمة خجولة على السرقة.

انفجرت في تلك اللحظة الإحباطات والغضب التي لم يستطع «لينش» وتجار الفيدراليون الآخرون تفريغها ، مما جعل وجه التاجر يتخذ ملامح وحشية: «أعدموها...»

في «ناغاريل» كان القانون الإلهيّ والقانون الوضعي يسيران جنباً إلى جنب ، مع تفوق طفيف للقانون الإلهيّ ؛ مما تسبب في فوضى قانونية وشيوع أحكام العدالة الفردية. ومثل السيد «سايمون» ، دأب العديد من الأجانب على معاقبة الخدم جسدياً ، ولم يكن هذا التاجر استثناءً.

حنى الخادم رأسه قليلاً ، ثم أمسك بكتفي الخادمة ودفعها إلى خارج الغرفة. وبينما كانا يسيران نحو الشجرة الكبيرة في الفناء والمخصصة لتنفيذ الإعدامات ، همس الخادم حيث لا يمكن لأحد أن يسمع: «سأفي بوعدي. الاله يرعاني ، لذا... لا تلوميني».

خفّ ارتعاش الخادمة قليلاً ، وقالت وهي تواجهه تحت الشجرة: «آمل أن تفي بكلمتك. الاله يرعاك...»

أومأ الخادم بوقار ، وربط حبل المشنقة حول يديها ، ثم شغل المحرك. ارتفع الحبل بها لتصبح في حالة تعليق جزئي ، حيث كانت قدماها تلامسان الأرض بالكاد.

بعد فترة وجيزة ، ظهر التاجر من الغرفة مع نحو عشرة من الخدم وموظفي المنزل. ففي قضايا السرقة كان السكان المحليون يفرغون غضبهم أولاً عبر العقاب الفردي قبل التفكير في إبلاغ الشرطة. وكان أحد أسباب شيوع هذا النوع من العدالة هو أثره الردعي ؛ فمعاقبة خادم علانية بمثابة تحذير للبقية. وكان الأجانب والمحليون على حد سواء يجبرون جميع الخدم على المراقبة أثناء العقوبات الخاصة.

صرخ التاجر وقد استبد به الغضب: «جردوها... من كل شيء حتى الملابس الداخلية. أمثالها من اللصوص يجب أن يُفضحوا تحت الشمس!»

نزع الخادم ملابسها بصمت ، فوقفت عارية مكشوفة. جلدها التاجر بقسوة ، تاركاً على جسدها أثراً دامياً ومنتفخاً.

«أين خبأتِ طبقي أيتها العاهرة ؟»

صرخت من الألم لكنها لم تنطق بكلمة أخرى. حيث زاد عنادها من غضبه ، فانهالت عليها سوط آخر على ظهرها. وفي هذه المرحلة حتى لو أرادت الكلام سابقاً ، فلن تفعل الآن.

بعد أن جُرّدت من ملابسها وجُلدت ، أدركت أنها حتى لو نجت ، فإن حياتها قد انتهت. فأن يرى جسدها رجالٌ غير زوجها يعني العار والهلاك. غير أن أفكارها كانت منشغلة فقط بالاتفاق الذي أبرمته مع الخادم.

كان صمتها بمثابة استفزاز ، وبدأ صدغ التاجر ينبض. لم يكتفِ الناس بطرده ، بل بات الخدم يتجرأون على تحديه أيضاً. طفح كيل غضبه ، وبينما كان يشتم بضراوة ، انهال عليها بالسوط مجدداً.

ربما لاحظ الخادم إعياءه ، فقدم له الشاي بلطف. وبعد أن شرب التاجر ، ازداد هياجاً وتململاً وغضباً.

«عاهرة! عاهرة!»

تراءت في ذهنه عيون تجار الفيدراليين المتعجرفة ، وسخريتهم المبطنة ، وعجزه الشخصي. تلاطمت المشاعر السلبية في داخله ، وبدا له الخدم الذين يراقبون المشهد وكأنهم يتبادلون ابتسامات ملتوية ، ويهمسون بالإهانات والسخرية من خلف ظهره.

فقد السيطرة على غضبه وجسده وعقله ، بل خُيّل إليه أن الخدم يهاجمونه ، مما عمّق رعبه وحقده. و بعد وقت غير معلوم ، تلاشت أصوات الرنين والهمسات الكريهة. و نظر إلى الوجوه المذعورة من حوله ، ثم إلى الخادمة.

أطبقت يداه على عنقها بقوة ، فلفظت الخادمة أنفاسها الأخيرة وهي مغطاة بالجراح.

«لقد قُتل أحدهم!» ذعر الخدم وفروا نحو الباب وهم يصرخون.

استفاق التاجر من غيبوبته وحاول اللحاق بهم ، لكنه بالكاد كان يستطيع الحركة. و بعد بضع خطوات ، لاهثاً بضيق تنفس ، أظلمت الرؤية في عينيه وسقط أرضاً. دغدغت نصلات العشب الأخضر الغض وجنته حتى أنه استنشق رائحة العشب النضر ذات النسمات الحادة - المفعمة بالحياة. حيث كان يعلم أن أمراً مروعاً قد حدث.

رفع الخادم سيده ، كعادته في أداء واجبه ، وألقى به داخل سيارة في المرآب ، ثم أدار المحرك.

«يا سيدي ، إن كان هناك إله حقاً ، فأرجو أن تخبره حين تراه أنني لم أفعل هذا من أجلي...» انطلق الخادم بالسيارة مسرعاً لنقل سيده -التاجر سيئ الحظ- إلى صديق مقرب قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.

كانت روايته أن سيده قد دخل في صراع مع الخدم وسقط بطريقة ما. وقبل أن يفقد التاجر السيطرة على جسده ، ذكر اسم هذا الصديق المقرب ، فأحضره الخادم إلى هنا. و قبل صديق التاجر -وهو تاجر أجنبي آخر- القصة ، كما جرت العادة بينهم ؛ فقد كان هؤلاء التجار يعاونون بعضهم البعض منذ أمد بعيد. رحب بالتاجر في منزله وخطط للاتصال بالشرطة لفهم الموقف.

ما لم يكن يعلمه ، هو أن حشداً كبيراً من أهالي «ناغاريل» اقتحم منزل التاجر خلال وقت قصير. وعندما رأوا الخادمة معلقة على الشجرة ، مغطاة بآثار السياط ومقتولة خنقاً بعد التعذيب ، اندلع غضبهم.

اقتحم بعضهم منزل التاجر ، واستولوا على كل ما تطاله أيديهم وحطموا ما عجزوا عن أخذه. بل إنهم سحلوا زوجة التاجر المحلية ، وجرّوها من شعرها على الأرض وهي عارية ، وكأن مثل هذا الفعل هو الوحيد الذي يمكنه تهدئة غضب الخادمة الراحلة.

وسرعان ما انضم «حزب شباب ناغاريل» إلى الحشد. بطريقة ما ، عرفوا مكان اختباء التاجر وطوقوا منزل صديقه. وعند رؤية الحشد الغاضب في الخارج ، شعر صديق التاجر فجأة بأنه تورط في مأزق عظيم.

اتصل بالشرطة مراراً وتكراراً ، لكن لم يجب أحد.

وبينما كان يتردد بين تسليم الرجل أو التفاوض مع من في الخارج ، ظهرت مجموعة مجهولة. هاجمت تلك المجموعة الجميع دون تمييز ، وهتفت بالحشد أن يبتعدوا عن منزل صديق التاجر.

هنا انفجر الحشد الذي كان محتقناً بالفعل:

«اقتلوا هؤلاء الأجانب!»



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط