الفصل 414: جهلٌ وهمجية
في هذه اللحظة كان يجدر بـ "الناغاريل " أن يشعروا بالسعادة ، بل وبالارتياح ؛ فقد أدركوا أنهم لم يختاروا الجانب الخاطئ.
بعد مفاوضاتٍ مطولة ، وقّع الاتحادُ عقداً ضخماً مع مملكة "ناغاريل ". وبموجبه ، سيُساعد الاتحادُ "ناغاريل " في تطوير قاعدتها الصناعية ، وبناء البنية التحتية ، بل ودعم التعليم العام إلى حدٍّ ما.
وسرعان ما حوّل عامةُ الشعب أنظارهم -بعد رؤيتهم للأرقام المذهلة- من قضية التعامل مع قائد الأسطول البحري إلى موضوع التنمية واسعة النطاق في "ناغاريل ".
هذه المرة لم يكتفِ الرئيسُ ولا الوزراءُ ببياناتٍ مقتضبة ، بل شرحوا تفاصيلَ العقدِ شرحاً وافياً. فلم تكن العقودُ صفقاتِ بيعٍ للذمم ، ولا كانت أموالُ الاتحادِ تُهدر ببساطة لتطوير "ناغاريل " ؛ إذ كان لزاماً على العامة أن يدركوا الحقائقَ بتفاصيلها.
فعلى سبيل المثال ، جعلت عملياتُ إرسال العمالة والتوظيف الخارجي من "ناغاريل " مركزاً جديداً للفرص الوظيفية. وبدلاً من تمالأب الجيدطال ، بات الناسُ يهتمون أكثر بكيفية سد رمقهم وإيجاد الفرص. و في الوقت الحالي كانت "ناغاريل " مكاناً واعداً. و لقد قضى "لينش " وقتاً طويلاً في الترويج لهذا الأمر ، وأخذ الناس تدريجياً في تقبّل أفكارٍ من قبيل أن "ناغاريل " تفيض بالذهب.
عزز هذا العقدُ الكبيرُ الاقتصادَ والسوق ؛ ففي اليوم الذي أعلنت فيه وزارةُ الخارجية عن العقد ، عاودت السوقُ المالية في الاتحاد صعودَها ، وتعافت الأسهم ، وبدا المستقبلُ مشرقاً.
وفي ذلك المساء ، ظهر الرئيسُ على شاشة التلفاز ليُخبر الأمةَ بأن العقدَ مع "ناغاريل " سيوفر ما لا يقل عن مئات الآلاف من الوظائف الخارجية لمواطني الاتحاد ، وربما أكثر. لم تكن هذه سوى الخطوة الأولى للاتحاد على المسرح العالمي ؛ فبمجرد تأسيسِ روابطَ تجاريةٍ في أنحاء العالم فسيجدُ أيُّ عاملٍ من مواطني الاتحاد راغبٍ في العمل فرصتَه المرجوة.
كان خطابُ الرئيس هادئاً وواقعياً ، بعيداً عن العاطفة المبتذلة أو التباهي الأجوف. و لقد طرحَ الأرقامَ ببساطة ورسمَ أمام الجمهور صورةً للمستقبل. وقد أكسبه هذا الأسلوبُ الرصينُ تأييداً شعبياً ، مما وضع الرئيسَ في ذروة شعبيته الشخصية منذ توليه المنصب.
اعتقد بعضُ المحللين أن فرصَه في الفوز بالانتخابات بعد عامٍ ونصف قد ارتفعت بشكلٍ ملحوظٍ مقارنةً بما كانت عليه عند بداية ولايته. وحتى داخل الحزب التقدمي لم يعد القادةُ يتحدثون عن أن "على القادرين تحمل المسؤولية الأكبر " -وهي عبارةٌ كان يُقصد بها ضمناً "على العاجزين أن يتوقفوا عن التظاهر بالقدرة "-.
لقد أدى ودُّ الرئيس ودعمُه للمؤسسة العسكرية إلى قلبِ موازين القوى داخل حزبه ؛ فلم يعد الناسُ يلوكون ذكرايات خسارته الانتخابية السابقة وما خلفته من أضرار ، بل رأى بعضُهم في تلك الهزيمةِ مناورةً استراتيجية. و لقد نجوا من أكثر الفتراتِ خطورةً ، تاركين للمحافظين تحمّل تبعات الفشل ، وها هم الآن يستقبلون فجراً جديداً ، دافعين الاتحادَ نحو ذروة مجده.
إن المرءَ إذا سقط ، فإنه حتى وإن نطق بالحق ، يراه الناسُ مجردَ صراعاتٍ مريرة لنفسٍ ملتويةٍ تختبئ تحت مظهرٍ دمين. أما إذا صعد أحدهم ، فإنه حتى وإن تعثر ، يظل الناسُ يحللون كيف ساهمت تلك العثراتُ في نجاحه ويشجعونه.
في مثل تلك الأمسية الوادعة ، دُعي "لينش " إلى مأدبة عشاءٍ مصغرةٍ أقامها السيد "وادريك ". كان لدى "وادريك " بعضُ الأمور لمناقشتها معه ، كما أراد التعبيرَ عن امتنانه -امتنانٌ مبطنٌ ، لكنه امتننانٌ على أي حال-. كانت عباراتٌ مثل "خلال محادثاتي مع السيد لينش... " و "قال لينش... " هي النقاطُ الجوهرية التي استخدمها "وادريك " لإقناع أعضاء مجلس الإدارة.
لم يعد ائتلافُ "وادريك " ذلك الكيانَ الاقتصادي الضيق والمخيف الذي تخيله الناسُ يوماً ؛ بل تحول إلى وحشٍ متوسعٍ تماماً تمتدُ مخالبُه إلى كل ركنٍ من أركان المجتمع ؛ ففي رؤوس الأموال والسياسة كان لهم حضورٌ راسخ. و لقد أدركوا جيداً أن "لينش " و "ترومان " كانا خلال الأشهر الأخيرة محوريين في كل شيء ، فقد قدما للرئيس خياراتٍ سديدةً مكنته من الوصول إلى الغاية والخروج منتصراً.
لذا عندما ذكر "وادريك " اسمَ "لينش " لإقناع أولئك كان عليهم أن يأخذوا كلامَه على محمل الجد ؛ وقد نجح في ذلك. حيث كانت المرحلةُ التاليةُ للائتلاف تركز على المصالح الدولية ؛ وكان إقناعُ أعضاء مجلس الإدارة القدامى والمتمسكين بآرائهم أمراً عسيراً ، لكنه أنجزه ، ومن هنا كانت تلك الاحتفالية الصغيرة.
في ثقافة الاتحاد ، النجاحُ حقٌ وواجبٌ في آنٍ واحد ؛ فمن ينجح ولا يتباهى يثيرُ الشكوك. حتى منافسو "وادريك " احترموا لحظةَ فخرِه ، وابتسموا بتهذيبٍ قائلين "إنه يستحق ذلك ".
"السيد لينش هنا... "
كان "وادريك " وزوجتُه يتبادلان أطرافَ الحديث مع زوجين مدعوين في ضيعتهما ، حيث كان الجوُ مريحاً ، والضيوفُ من الشركاء والأصدقاء المقربين ، وكلٌ منهم بصحبة رفيق. تظاهر "وادريك " بأنه لم يسمع ، محافظاً على ابتسامته وحديثه. وبعد بضع عباراتٍ مهذبة ، أنهى الزوجان الآخران الحديثَ أولاً ، فاعتذر "وادريك " بلباقة.
أثناء سيره في الردهة ، سألتْه زوجتُه بفضول "هل تهتم حقاً بهذا الشاب ؟ هل يمكن أن يصبح زوجاً لابنتنا ؟ ".
تغيرت تعابيرُ "وادريك " بمهارة "مستبعدٌ ، لكنه ليس مستحيلاً ".
قالت "ظننتُ أنك ستوافق أو ترجح الأمر ، فأنت تُقدّره حقاً! ".
وصلا إلى نهاية الردهة فتوقف ، واضعاً يدَه على مقبض الباب وفتحه ، ثم قال "يعتمد ذلك على سرعة تقدمه. أعتقد أن الأمر سيستغرق وقتاً ، وابنتُنا لا تستطيع الانتظار طويلاً ".
فتح البابَ وأشار بلطفٍ لزوجته بالدخول أولاً ، فابتسمت ودلفت إلى الداخل بانتظارِهِ.
"لدى لينش الكثيرُ من الأفكار الجيدة ، لكنك تعلمين أن العالمَ يعجُّ بالشباب أصحابِ الرؤى. بعضُ العلماء الشباب يفكرون أبعدَ بكثيرٍ من لينش ، وقد تُغيّر اختراعاتُهم وجهَ العالم. و إذا أراد لينش الزواجَ من سيفيريلا ، فهو يحتاج إلى مكانةٍ اجتماعيةٍ مماثلة ، ونفوذٍ أكبر ، وأمورٍ أخرى ".
كان نفوذُ "لينش " محدوداً وضيقاً. وما يتجاوز ذلك المستوى كانت نصائحُه للائتلافات بشأن الأمور التجارية تُقابل بالرفض وتُعتبر هراءً. وفقط حين يتحدث في العلاقات الدولية كان أعضاءُ المجلس يأخذونه على محمل الجد ، مع أنهم ما زالوا يفتقرون إلى الثقة الكاملة فيه.
كانت قاعدتُه هشة ، وهو أمرٌ قد يبدو قاسياً بالنسبة للناس العاديين ، وكأنه مهمةٌ مستحيلة. و لكن الاتحادَ يزخر بمثل هؤلاء الناس -مثل "وادريك " نفسه- الذين تكون آراؤهم موضعَ تقديرٍ واعتبارٍ دائماً ، مهما كان الموضوع أو مجال الخبرة. و هذا هو النفوذُ الحقيقي الذي يعمل بلا توقف.
تلك هي الفجوة ؛ وما وراءها يكمن في المكانة الاجتماعية والسلطة السياسية وغيرهما. ومن بين كل العوامل ، تأتي الثروةُ في المرتبة الأخيرة.
ضحكت زوجةُ "وادريك " بخفوتٍ وهي تغطي فمَها "أنت قاسٍ عليه! ".
هزَّ السيد "وادريك " رأسَه قليلاً "بالنسبة لأمثالنا ، الحياةُ ليست سوى تجارة ".
خارج بوابة الضيعة ، التفت "لينش " حين سمع البابَ يُفتح ، مرتدياً ابتسامةً يصعبُ على المرءِ ألا يُعجب بها "مساء الخير سيد وادريك ، ومساء الخير سيدتي ".
"مساء النور... "
تصافح الرجلان وسارا معاً نحو القاعة. حيث كانت ضيعةُ "وادريك " شاسعةً ، وتلك هي الثروةُ الحقيقية. و في قلب "إمينينس " كانت الضيعةُ فسيحةً لدرجة أنها قد تستوعب حفلَ استقبالٍ في إحدى ردهاتها الجانبية ؛ وهو أمرٌ لا يمكن لأحدٍ يقيم أحزابِه في فندقٍ أن يضاهيه. حيث كان هذا أحد الأسباب التي جعلت "وادريك " يعتقد أن أمام "لينش " عملاً كثيراً ليقوم به.
"قرأتُ صحيفةَ اليوم... " أثناء الطريق إلى القاعة الجانبية ، ناقش الرجلان أحداثَ اليوم بشكلٍ طبيعي. "تخطط المجموعةُ لإرسال فريقٍ إلى ناغاريل لإجراء معاينةٍ ميدانيةٍ قريباً. هل لديك أيُّ نصيحة ؟ ".
أطلق "لينش " ضحكةً خفيفةً "نصيحة ؟ من الأفضل ألا ترسلوا موظفين علاقاتُهم الزوجية غيرُ مستقرة. فبالنسبة للبعض ، ذلك المكانُ هو الجحيم ، وبالنسبة لآخرين ، هو النعيم. إنهم ما زالون يمارسون تعددَ الزوجات هناك ؛ فما دام الرجلُ قادراً على تحمل تكاليف ذلك فيمكنه الزواجُ بمن يشاء من النساء ".
لم تستطع زوجةُ "وادريك " إلا أن تقول "يا للسخف! ".
فابتسم السيد "وادريك " "نعم ، همجيةٌ حقاً! ".