بعد انتظار لم يتجاوز عشر دقائق ، دخلت سيارتان إلى ساحة الانتظار الواحدة تلو الأخرى. بادرت الرئيسة إيلينا بالتقدم فوراً لاستقبالهما ، وأتبعتها لينش -بطبيعة الحال- بخطوات وئيدة.
ترجلت من السيارة الثانية سيدة في العقد الخامس من عمرها كانت فارعة الطول ممشوقة القوام ، تضفي على ملامحها هيبةً صارمة حين يغيب الابتسام ، بيد أنها حين تبتسم ، تنبسط أساريرها وتغدو قريبة إلى النفس.
بدت الرئيسة إيلينا متفاجئة بعض الشيء ، وقالت "لم أتوقع حضوركِ شخصياً... ".
أومأت السيدة الأخرى برأسها قليلاً وأجابت "كان لديّ التزام آخر ، لكنني أرجأته. فالرياضة النسائية الاحترافية ستكون محوراً رئيسياً في المرحلة المقبلة ". وبينما كانت تتحدث ، تحولت أنظارها من الرئيسة إيلينا إلى لينش الذي كان يقف خلفها "أظن أن هذا هو السيد لينش ، أليس كذلك ؟ ".
تراجعت إيلينا بسرعة لتفسح المجال ، ثم قدمت لينش قائلة "هذه هي صانعة القرار في ولايتنا ، ورئيسة جمعية حماية حقوق المرأة في الولاية ، السيدة تريسي ". ثم التفتت إلى السيدة تريسي لتعرفها به "هذا هو السيد لينش الذي كثيراً ما حدثتكِ عنه. إنه داعم كبير لعملنا ، ويدعو بصدق إلى الاعتراف باحتياجات النساء والمساواة بينهن في المجال الرياضي. وهو أول من طرح هذه الفكرة ".
بعد تبادل سريع لعبارات المجاملة ، اتضح جلياً أن السيدة تريسي أكثر حنكةً ولباقة من الرئيسة إيلينا. فقد قيل إن السيدة تريسي تنحدر من عائلة سياسية عريقة ؛ فأبوها كان سياسياً ، وعمها كاهنٌ مرموق. و لقد كانت مثالاً نموذجياً للعائلات ذات النفوذ ، ولا تخرج "السياسيات " إلا من مثل هذه البيوت.
في الواقع ، وبغض النظر عما إذا كان قادة الحركة النسوية من المستوى المتوسط إلى المستوى العالي يقرون بكونهم "سياسيين " أم لا ، فقد كان المجتمع ينظر إليهم بهذه الصفة بالفعل. و لقد تمتعوا بذات السمات التي يتصف بها السياسيون: القدرة على التأثير في الرأي العام ، وإحداث التغيير الاجتماعي. جلّ ما في الأمر أنهم كانوا يطمحون للمزيد ، لذا آثروا التكتم على هذه الحقيقة.
بعد هذا الحوار المقتضب ، دخلت المجموعة -بقيادة لينش- إلى الملعب. حيث كان من المفترض أن تبدأ المباراة ، لكن بالنظر إلى أن لينش وضيوفه المهمين لم يكونوا قد وصلوا بعد ، فقد تصرف الحكم بذكاء وأمر الطاقم واللاعبات بفحص الميدان لكسب بعض الوقت ؛ وهي مناورة مألوفة في مثل هذه المناسبات.
وخلال عملية الفحص هذه ، قاد لينش السيدات إلى داخل الملعب وإلى أفضل المقاعد المخصصة للمشاهدة.
وبينما كانت الاستعدادات للمباراة مستمرة ، تفاجأت السيدة تريسي لينش بسؤالها "السيد لينش ، ما الذي دفعك للدفاع عن قيمة النساء وحقوقهن في الميدان الرياضي ؟ ".
قد يبدو هذا سؤالاً عابراً في سياق حديث عادي ، لكن لينش شعر بأن خلفه مآرب أخرى ، أو ربما خطوات لاحقة ينبغي عليه التدبر فيها.
ابتسم إشراقاً وأجاب فوراً وكأنه لا يضمر شيئاً "لقد عشقت الرياضة منذ نعومة أظفاري ، وشاركت بنشاط في مختلف أنواعها خلال فترة دراستي. ولكنني لاحظت مشكلةً ما: نحن لا نلحظ أي وجود نسائي في الميادين الرياضية الاحترافية ".
تابع قائلاً وهو يسرد عشرات الرياضات في نَفَسٍ واحد "الرجبي ، البيسبول ، كريكيت ، البولو ، الجولف... لا شيء من هذه الرياضات يضم رياضياتٍ أو منافسات نسائية ".
ازداد تعبيره جديةً ، ولعل أمثلته كانت مقنعة كفاية جعلت من حوله ينصتون باهتمام "أنا أحترم كل امرأة ، وهذا ليس قولاً مزيفاً وراءه مصلحة خفية. فكلنا جئنا إلى هذا العالم بعد رحلة رعاية طويلة في أحشاء أمهاتنا ".
"لقد منحت النساء هذا العالم مستقبلاً مشرقاً يفيض بالرخاء الذي لا ينتهي ، ولا مبرر لدينا لنمارس التمييز ضد أي امرأة ".
"ربما لم يكن المجتمع عادلاً مع النساء في الماضي بسبب ظروف العصر ، والثقافة السائدة ، وطبقة الحكم. و لكننا اليوم تجاوزنا تلك المبررات التي تعيق المرأة العصرية عن نيل المساواة ".
"أدرك أن هذه مسيرة طويلة ، وأن دفع جميع النساء للوقوف صفاً واحداً ما زال أمراً شاقاً ، ولكن لدينا روحٌ وثّابة لا تعرف الكلل. و إذا كان بإمكاننا القيام بشيء ، فواجبنا أن نفعله. نحن بحاجة إلى الفعل لا إلى القول ".
"الرياضة تعزز أجسادنا وأرواحنا ، ولعل البدء من هنا يمنح قضيتنا انطلاقة مثالية. بيد أن ما أستطيع فعله محدود ، وما تبقى يعتمد عليكم ".
ظلت السيدة تريسي تهز رأسها إيجاباً كانت راضية جداً عن كلمات لينش ، رغم أنها ارتابت في صدق نواياه تماماً ، وظنت أن هدفه هو استغلال نفوذ "جمعية حقوق المرأة " في أوساط النساء. ولكن في موقفٍ يحقق المصلحة للطرفين ، أكان مهماً حقاً من يستغل الآخر ؟
"أنت رجل نبيل حقاً يا سيد لينش ".
وما إن ابتسم لينش رداً على الإطراء حتى انطلقت صافرة الحكم إيذاناً ببدء المباراة.
توجهت الأنظار سريعاً نحو الميدان. ولا بد من القول إن المصمم الذي طلب لينش من كين العثور عليه كان بارعاً جداً.
فمعدات الرجبي للرجال كانت أكثر خشونة ومتانة بشكل عام ؛ لأن قوة الرجال واندفاعهم المادى كانا أكثر حدة ، مما استوجب معدات توفر حماية أكبر من الإصابات.
أما لاعبات الرجبي ، فلم يكنّ بحاجة إلى تلك الخشونة ، بل كان جلّ مرادهن إبراز جمالهن وقدرتهن التنافسية. لذا تم تعديل التصاميم.
لقد أبرزت المعدات القوام الأنثوي بشكل أفضل دون أن تفقد وظيفتها الوقائية ، وكان هذا المصمم ملتزماً تماماً بمتطلبات لينش.
بينما كانت الرياضيات يركضن ويتصادمن في الميدان ، تبادر إلى ذهن البعض لعبة البلياردو ؛ لم يدروا سبباً ، لكنهم لمسوا تشابهاً ما بين اللعبتين.
انفجرت حماسة الجمهور في الحال ؛ فلم تكن المباراة مجرد استعراض للأجساد ، بل تطلبت دقة في تنفيذ الخطط وتصادماً بدنياً حقيقياً.
وعلى الرغم من أن النساء كنّ أضعف بدنياً من الرجال -مما جعل اصطداماتهن أقل عنفاً- إلا أن ذلك لا يعني انعدام الالتحام.
كانت الرئيسة إيلينا والسيدة تريسي تراقبان اللاعبات بتركيز شديد ، ولم تلتفتا إلى بعض التعليقات الصادرة من المدرجات الشعبية.
كان بعض الرجال يشربون ويتناولون النساء بالتعليق ، وكان ذلك أمراً طبيعياً ؛ فكلما تدنى ذوق الرجل ، تدنت معه اهتماماته.
كانت النتيجة متقاربة ، والمنافسة محتدمة ، والفتيات في الميدان كنّ في غاية التفاني ، فهن يدركن أن سوء الأداء قد يعني استبدالهن في أي لحظة.
وفي هذا العصر ، صار "البقاء " هو الهم الأوحد للطبقات الكادحة ، وأضحى "البقاء بكرامة " ترفاً لا يطاله إلا القلة.
والآن ، حققت هؤلاء الفتيات ذلك بشرط ألا يُطردن من عملهن.
حين دوت صافرة استراحة ما بين الشوطين ، تنفست السيدة تريسي الصعداء ، واتسعت ابتسامتها "نادراً ما... بل لم يسبق لي قط مشاهدة مباراة رجبي من قبل. اعتدت الاعتقاد بأنها رياضة بربرية ، لكن نظرتي تغيرت اليوم ".
"روح المثابرة ، روح السعي ، وروح عدم الاستسلام ". كانت السيدة تريسي راضية تماماً عن الفعالية. "لقد اخترت مشروعاً جيداً وأرسيت بداية طيبة يا سيد لينش. أود أن أشكرك نيابة عن النساء اللواتي أمثلهن ، على مساهماتك ".
ومع تأكيد تريسي ، ارتسمت ابتسامات مماثلة على وجوه من حولهم.
لم يتطرق أحدٌ إلى فكرة أن ملابس اللاعبات غير لائقة لكونها كاشفة ؛ بل إن أحدهم في الجوار مزح قائلاً إن الفرق فقيرة لدرجة أنها لم تستطع تحمل تكاليف الزي الرسمي واضطرت للعب بملابسهن الداخلية.
لم يعقب أحد على هذه المزاعم ، لأن الرئيسة إيلينا والسيدة تريسي ، وبقية قيادات الحركة النسوية ، يدركن أن جذب انتباه المجتمع لفئة مستضعفة ، ولفت الأنظار إلى جهودهن ، لا يتحقق بارتداء المزيد من الملابس.
كان الأمر أشبه بالاحتجاجات الكبرى التي ينظمنها ، حيث تظهر الكثير من النساء بصدور عارية في الشوارع ، حاملات الأعلام ومطوفات بها.
حينها ، يتجمع عدد كبير من المراسلين والمارة حولهن ، مروجين لهؤلاء النسوة وما يحملنه من لافتات. وهذا يساعد في تفهم المزيد من الناس لدوافع الحراك وأهدافه ، مما يزيد من فرص التوعية بالنتائج.
حتى اليوم ، إذا سألت عابراً عن حركة "النباتيين " التي بدأت مؤخراً ، فقد يكون رد فعله الأول هو تذكر أولئك النسوة العاريات اللواتي كن يستلقين في أقفاص متظاهرات بأنهن حيوانات تُذبح.
لقد كانت وسيلة فعالة. و لكن لو كن يرتدين ملابسهن ؟ ربما لم يكن ليحظين بأي تغطية إعلامية ، فليس هناك من يرغب في رؤية امرأة أو فتاة ترتدي كامل ملابسها وتحمل لافتة باهتة تطالب بمطالب لا قيمة لها في نظر الكثيرين.
لذا بالنسبة للرئيسة إيلينا والسيدة تريسي والقيادات ، طالما أن هؤلاء اللاعبات لا يركضن عاريات تماماً في الميدان ، أو لا يقمن بأي أفعال بذيئة تسيء لصورة المرأة ، فإنهن سيتقبلن ذلك.
ناهيك عن أن السيدة تريسي رأت روحاً من المثابرة والإصرار ، وهي تتطابق تماماً مع روح الحركة النسوية الحالية.
لم يعد هذا مجرد نشاط دعائي ؛ بل أصبح شيئاً يستحق الدعم والترويج على مستوى الدولة.
كانت الفطنة السياسية لدى السيدة تريسي تفوق فطنة الرئيسة إيلينا ؛ فقد رأت فرصة سياسية حقيقية -ولعل لقباً كـ "نائبة في البرلمان " قد يكون مناسباً لها ؟
"السيدة تريسي ، هل تودين إلقاء بضع كلمات على اللاعبات ؟ " ذكّرها لينش بلطف "سيتم بث هذه المباريات لاحقاً على تلفزيون الولاية ، وقد دعونا بعض المراسلين أيضاً ".
أشرقت عينا تريسي ، وأدركت أخيراً لماذا كانت إيلينا دائماً تثني على لينش.
إن شاباً مراعياً مثل هذا يستحق حقاً أن يُذكر بالخير ، ناهيك عن أنه وسيم للغاية!