الفصل الرابع والستون: الفصل الحادي عشر: هانك براند
ازدادت فخامة الطابق الثاني بوضوح عن سابقه.
اتبع "شون " خادمةً حسناءَ صعدت به إلى الطابق الثاني ، وما إن وطئت قدماه المكان حتى استقبلته رائحة بخور مميزة ؛ لم تكن تلك التي تثير الغرائز ، بل رائحة خفيفة تبعث في النفس سكينةً وراحة.
كانت الأرضية مغطاة بسجاد وثير ، وعلى جانبي الردهة انتصبت قطع خزفية نادرة من "منطقة داغون " يُشاع أنها نُقلت بحراً من أصقاع بعيدة.
حمل العبير في طياته مسحةً من أريج الأعشاب.
«غير ضار ، ومُدْعٍ لصفاء الذهن» ، هكذا تمتم في سره بينما شعرت روحيته بومضة خفيفة.
قادت الخادمة "شون " إلى حجرة صغيرة ، تزدان جدرانها بنقوش جدارية بديعة ، ومن نافذتها كان بإمكانه إطلالةٌ بانورامية على قمم جبال "ووشان " وفي الأفق البعيد لاحت شلالات صغيرة ، يرجح أنها منبع الينابيع الحارة. ومن هذه البقعة كان بوسع الناظر أن يرى شطراً كبيراً من القصر الإمبراطوري الروماني الذي يمتد على مساحة آلاف الأفدنة ؛ ومع حلول الغسيل ، بدأت الأنوار تتلألأ تدريجياً.
سمع وقع أقدام تقترب ؛ كانت امرأة في الثلاثينيات من عمرها ، ذات ملامح جميلة ، وحواجب رقيقة ، وعينين تفيضان حناناً. حيث كانت ترتدي ثوباً بسيطاً على الطراز الروماني ، يشبه تلك الملابس التي استقر في ذاكرة "شون " من حياته السابقة.
ألقت المرأة نظرةً على "شون " الذي كان جالساً مغمض العينين ، ثم أخرجت برفق زجاجة زيتون من علبة ، وشرعت في دهنه على ظهره بحركات متقنة.
«ممم…»
حقاً ، إنه لمكان يغسل الهموم عن الروح.
تنهد "شون " بعمق ، مستعداً لتجربة تقنيات التدليك في مملكة "دورن " التي ورثت التقاليد الرومانية. حيث كانت قبضتاها قويتين ولكنها توفر القدر المثالي من الضغط الذي ينشده جسده ؛ ومع انزلاق زيت الزيتون لم يتمالك نفسه عن إصدار أنين خافت طرباً لضغط أصابعها.
على جانب الحجرة ، لفت نظره سطرٌ من الكلمات ، ففتح عينيه ليقرأه:
«الحمامات ، والخمر ، والنساء يفسدن أجسادنا ، ولكن أليست هذه أيضاً جزءاً من متاع الحياة ؟»
كم هي رومانيةٌ هذه العبارة!
رغم أن "شون " لم يكن خبيراً بتاريخ روما إلا أنه استرجع في ذاكرته أنها كانت حضارة تتسم بالبذخ والانغماس في الملذات ، حيث ازدهرت ثقافة الحمامات لعهد طويل حتى إنه في العصور القديمة كانت أنظمة التدفئة المبتكرة تُركب بالفعل في تلك الحمامات.
كان المكان فخماً بحق كالقصر الإمبراطوري الروماني ، حيث الأعمدة الرخامية في كل زاوية ، والأسقف المقببة ، والأرضيات الفسيفسائية الفاتنة ، والنوافير والمنحوتات.
كاد "شون " يغط في نوم عميق.
وحين استيقظ من غفوته كانت المدلكة قد غادرت منذ زمن ، وقد غطته بعناية بغطاء رقيق ، بينما ظلت رائحة زيت الزيتون عالقة بجسده ؛ فثقافة "دورن " تؤمن بأن زيت الزيتون حصنٌ للصحة.
كان يشعر بإنهاك شديد.
فالقلب المثقل ، والأعصاب المتوترة ، جعلاه عاجزاً عن الاستمتاع حتى بلحظة دعة واحدة.
«إنه حقاً مكان مثالي للاسترخاء والهروب من الواقع ، لكن أظن أن تكلفته باهظة».
في هذا العصر و كل شيء في القصر الإمبراطوري الروماني يُشترى بالمال ؛ وحتى راتب "محقق " لن يصمد طويلاً أمام هذه التكاليف الباهظة.
لكن لا بأس بزيارته بين الفينة والأخرى.
بينما كان "شون " يرتدي رداء الحمام ليطمئن على استيقاظ "هانك ".
فجأة.
سمع وقع أقدام خفيفة قادمة من درج السلم ، تلاها ظهورُ طيفٍ آسرٍ لا توصف روعته. حيث كانت امرأةً باهرة الجمال ، لدرجة أن الكلمات تعجز عن وصف حسنها ؛ تلك التي يُقال عنها إن جمالها يفتن الدول ويُهلك الممالك لم تكن تلك العبارة مبالغة في حقها.
ارتدت ثوباً أسود كلاسيكياً فاخراً ، أبرز قوامها الممشوق قلادة من الياقوت المتلألئ على صدرها. حيث كانت يداها النحيلتان ترتديان قفازين من الحرير الأبيض ، وشعرها الذهبي المتموج ينسدل على كتفيها ، وفوق رأسها قبعة نسائية بيضاء كانت دارجةً آنذاك بين سيدات "دورن " النبيلات. تبعتها فتاتان صغيرتان غاية في السحر ، ترتديان ملابس تختلف عن بقية الخادمات ، وتفوح منهما مسحة من الأناقة الطاغية بفضل زينتهما الفاخرة.
بدت هذه المرأة غريبة عن هذا المكان ، وكأنها نبيلة ذات شأن رفيع من بلاط ملكي.
«سيد "شون " ؟»
ابتسمت لبقة ، وكان سؤالها مهذباً بوضوح ، لكنه مشوب بسحر لا يمكن وصفه.
حقاً ، تلك الكلمات لم تكن لتفي بوصف جمالها الفريد.
تحرك "شون " قليلاً ، وشعر بريبة خفيفة تتسرب إلى قلبه.
وفي لحظة خاطفة!
رأى ضباباً أسود متموجاً ينعكس خلف تلك الفاتنة ، وبدأ مظهرها يتغير وسط الضباب المتراقص ؛ إذ بزغ قرنان شيطانيان أحمران على جبهتها ، وأصبحت عيناها الأرجوانيتان كأحجار كريمة متوهجة. فظهرت وشوم أرجوانية غريبة على وجهها المذهل ، امتدت من وجنتيها الصافيتين إلى عنقها ، ثم اختفت عند منحنيات جسدها. وحين وقع بصره على ساقيها النحيلتين ، اتسعت حدقتا عينيه ، فقد رأى حوافر غريبة في قدميها.
تجمعت غيوم الضباب الأسود كالأمواج ، وتلاشت لتكشف عن زوج من أجنحة الخفافيش الضخمة الوهمية التي كادت تغطي الردهة بأكملها.
ولم تكن هي وحدها ؛ فخلفها ، بدأت الفتاتان الصغيرتان أيضاً في التحول بشكل مريب.
تحول وجههما الشاحب الفاتن كأنه ضباب متلاشٍ ، وغدت عيناهما الجليديتان خاليتين من الحدقات ، كأنها هاوية مظلمة موحشة تشبه الموت.
كائنات متعالية.
ومتدجج بمراتب عليا من القوة!
«درب الشياطين ؟»
«وهاتان الخادمتان تشبهان "البانشي " (أرواح النعي) كثيراً!» قفز قلب "شون " من مكانه.
وفي الجهة المقابلة.
قطبت المرأة ذات الملامح الساحرة حاجبيها ، ورمقته بعينيها الزرقاوين العميقين ، وبدت على وجهها ملامح عدم الرضا وهي تقول: «سيد "شون " هذا التصرف لا يتسم بالكياسة.»