الفصل 1980: التقاء الجموع!
في لمح البصر ، حلّ اليوم الموعود للانطلاق الرسمي للمحفل الكبير! في هذا اليوم ، بدت العاصمة العتيقة -التي خيّم عليها الصمت طويلاً- وكأنها استردت بهجتها السحيقة ورونقها القديم. والحق يُقال لم يقتصر الأمر على اليوم فحسب ، بل كانت طلائع هذا الحراك تترى منذ أيام ، غير أن زخمها بلغ ذروته اليوم!
في الليلة الماضية لم ينشغل "سو تشين " و "جي يا " بالتدريب ، بل آثرا نيل قسط وافر من الراحة لاستعادة حيويتهما. وفي الصباح الباكر ، تناولا فطوراً بسيطاً في الطابق الأرضي من النُزل ، ثم انطلقا صوب وجهتهما. حيث كان موقع المحفل الكبير هو ذاته الساحة التي جرت فيها إجراءات التسجيل قبل بضعة أيام ، وكانت الجموع الغفيرة تتدفق إليها من كل حدب وصوب.
عند وصول "سو تشين " و "جي يا " كانت الساحة تعجّ بالناس وتضيق بحشودهم. وما لبثت الأنظار أن وقعت عليهما ؛ فـ "سو تشين " كان قد أثار جلبة واسعة قبل أيام حين صدم الجميع بأفعاله.
"أهذا هو الفتى الذي قتل تلميذ طائفة 'دوانهاي ' قبل أيام ؟ "
"أجل ، هو بعينه! "
"لا يبدو عليه ذلك! "
"صه! هذا الفتى ماكرٌ داهية! "
"لكن الأمر عجيب ، كيف ما زال حياً ؟ ألم تنتقم طائفة 'دوانهاي ' لقتلاها ؟ "
"وكيف لطائفة بحجم 'دوانهاي ' أن تجرع كأساً من الهوان وتصمت ؟ "
"الأمر مريب حقاً! "
"لعل الفتى وجد جحراً يختبئ فيه ولم تصل إليه أيديهم بعد! لكن إقدامه على المجيء اليوم يعني أنه ربما لن يغادر الساحة حياً! "
"أظن ذلك أيضاً! "
"إنه متهور لصغر سنه ؛ حتى في هذا الظرف العصيب ، يجترئ على المشاركة في المحفل الكبير! "...
في تلك اللحظات ، تعالت الهمسات وبدأت الألسن تلوك القصة ؛ فقد انتشرت أخبار العداء بين "سو تشين " وطائفة "دوانهاي " كالنار في الهشيم. وعلى الرغم من أن "سو تشين " لم يكن هو القاتل الفعلي في نهاية المطاف إلا أن أعين الناس لم تكن لترَ فرقاً في ذلك! وبطبيعة الحال لم يلقِ "سو تشين " بالاً لما يلوكه الناس ؛ فقد اعتاد أن يسير وفق ما يمليه عليه قلبه.
ومع ذلك لاحظ "سو تشين " تشييد ست منصات ضخمة للمبارزة في الساحة ، مرتبة في نسق مصفوف ، وقد توافدت بعض القوى بالفعل واحتلت أماكن قريبة منها.
"لقد وصل رجال طائفة 'الحاكم المطلق ' القتالية! " صاح أحدهم.
وبالتفات الأنظار ، ظهرت مجموعة من اثني عشر شخصاً تقريباً. و لكن الأبرز بينهم لم يكن من الشيوخ ، بل شابٌ يرتدي رداءً أزرق داكناً.
"أهذا هو 'وو تشين ' ؟ سمعت أنه حجز بالفعل أحد المراكز التسعة الأولى! "
"أهو مغرور إلى هذا الحد ؟ "
"بل واثق بما يملك من قوة! فقد بلغت تدريبه المرتبة التاسعة من 'مقام العظمة العظيم ' ، ولا يفوقه في طائفته سوى سيد الطائفة نفسه! "
حين سمع "سو تشين " و "جي يا " هذا الحديث ، اعتراهما ذهول خفي. "مقام العظمة العظيم " بالمرتبة التاسعة ، ومع ذلك يكتفي بمركز من المراكز التسعة الأولى!
"انظروا! وصل رجال 'جناح تيان هان ' أيضاً! "
"هذا الجناح من بين القوى العشر الأولى في السلالة العتيقة! "
"حريٌّ بـ 'جناح تيان هان ' هذا ، فكاد لا يوجد بينهم من هو دون المرتبة السابعة من 'مقام العظمة العظيم '! "
"وقد وصل رجال 'طائفة السيوف العشرات '! "
وما إن تجاوز رجال "جناح تيان هان " المكان حتى أقبلت مجموعة أخرى. وطائفة السيوف هذه عريقة ولها في السلالة مكانة راسخة.
"أهؤلاء هم رجال 'طائفة اللهب الأسود ' ؟ " سأل أحدهم فور رؤيتهم.
"أجل ، لقد سمعت أن عبقرياً فذاً ظهر في صفوفهم قبل سنوات ، واتخذه سيد الطائفة تلميذاً خاصاً ، ويُنتظر أن يسطع نجمه في هذا المحفل! "
في تلك الأثناء ، اتجهت أنظار الجميع نحو هذه القوى المتلاحقة ، ولا سيما أولئك النوابغ الذين يحيط بهم الناس كما تحيط النجوم بالقمر. أما "سو تشين " ورغم كونه ليس بالهيّن في أعين العامة إلا أن بريقه خبا أمام هؤلاء. و لكن "سو تشين " لم يأبه لذلك بل بدأ يدرك أخيراً لماذا لا يلقي أهل السلالة العتيقة بالاً للسلالات الأخرى ؛ فالفجوة في القوة كانت شاسعة ، أبعد من أن تقارن! فعلى الأقل ، بين القوى الواصلة لتوها ، قلّما تجد من هم دون المرتبة الثالثة من "مقام العظمة العظيم " أما من جاوزوا المرتبة الخامسة فكانوا كُثراً!
غير أنه بعد برهة ، عادت أعين الكثيرين لتتجه نحو "سو تشين " مرة أخرى ؛ فقد وصل رجال طائفة "دوانهاي "! حيث كان الشيخ الذي يتقدمهم متجهّم الوجه ، وكأنه في مأتم لأحد ذويه. ولم يكن خافياً على أحدٍ السبب ، فقد كانت أخبار طائفتهم هي حديث الساعة في العاصمة. وبفضل أنظار الناس المتجهة نحو "سو تشين " وقعت عينا الشيخ عليه فوراً.
اندلعت هالة من القتل كأنها سحب داكنة تحجب السماء! ونظر الآخرون إلى "سو تشين " بحقدٍ دفين ، فقد صارت المسأله مسألة شرف للطائفة.
"أأنت من قتلت 'هي ويندو ' ؟ " اقترب الشيخ منه وسأله بصوت بارد.
"وماذا لو كنت أنا ؟ " أجاب "سو تشين " بابتسامة ساخرة.
توقفت القلوب في صدور الحاضرين ؛ فمن كان يظن أن هذا الفتى سيواجه شيخ طائفة "دوانهاي " بهذا التجبّر ؟ من أين له هذا الجسارة ؟!
"جيد ، جيد جداً! " ازداد صوت الشيخ برودة ، وأضاف "آمل أن تظل متمتعاً بهذا الجلد! "
وما إن أنهى كلماته حتى انصرف ماراً بجانبه. حتى أجهل الناس كان ليدرك أن هذه العبارة لم تكن إلا وعيداً وتهديداً ، رسالة واضحة بأن الطائفة لن تدعه وشأنه.
ظنّ الكثيرون أن تأخر طائفة "دوانهاي " في الانتقام لم يكن لعدم عثورهم عليه ، بل لأنهم كانوا ينتظرون هذا المحفل الكبير ليصفوا حساباتهم! فقد نالت الطائفة من الهوان ما لا يُحتمل ، وموت "هي ويندو " ورفاقه كان أمراً يسيراً ، لكن كرامة الطائفة كانت هي العِلة. وعلاوة على ذلك فإن افتضاح أفعالهم قد جلب لهم العار! في نظرهم كانت المسأله تافهة ، مجرد حشرات سُحقت ، ولكن بمجرد أن انتشر الخبر ، اختلف الشعور ؛ فبدت المسأله شائنة ، وكأنهم ابتلعوا ذباباً! وكان أصل هذا البلاء هو ذاك الشاب الذي لم يسمعوا باسمه من قبل. ومن أي زاوية نظروا ، وجدوا لديهم ألف سبب للفتك به.
وللحق لم يخطئ من ظن ذلك ؛ فطائفة "دوانهاي " خططت لهذا بالفعل ، ولهذا السبب تمهلوا حتى اليوم. وبالطبع كان "سو تشين " قد استشرف هذه العواقب. وبعد طائفة "دوانهاي " توالت القوى الأخرى في الوصول. لاحظ "سو تشين " أمراً لافتاً ؛ فالقوى في السلالة العتيقة تعتمد أساساً على الطوائف ، بينما تبدو قوى العائلات أضعف نسبياً. وبالإضافة لذلك رأى بعض الشباب الاستثنائيين الذين بعثوا في نفسه شعوراً خفياً بالخطر ، وكان من بينهم شابٌ من طائفة "دوانهاي "!...
وعلى نقيض ثبات "سو تشين " كان وجه "جي يا " يعلوه الوجوم ؛ فقوى السلالة العتيقة كانت أشد بأساً مما تصورت. و في البداية كانت تظن أن أقصى سوء قد يواجهونه هو عدم تحقيق النتائج المرجوة ، لكن مع وقوف "سو تشين " في وجه طائفة "دوانهاي " بات الخروج من هذه المحنة سالماً أمراً في غاية الصعوبة!