الفصل 569: الفصل 568: شيطان القحط ذو العينين الذهبيتين
استقر في مكنون نفس "غو يوان " هذا الخاطر ، فعزم على مواصلة الفرار. ولكن بعد أن قطع مسافةً في طيرانه ، سرت في أوصاله قشعريرة مفاجئة ، وشعر ببرودة مرعبة تغلف جسده بالكامل. ورغم أن الأجواء من حوله كانت تضج بالحمم واللظى ، وكان الهواء لشدة قيظه يتلوى ويضطرب إلا أن "غو يوان " أيقن أن هذا الشعور حقيقي لا ريب فيه.
وبدافعٍ غريزي ، التفت برأسه ليحدق في اتجاهٍ معين ، فبصرَ على صخرةٍ ناتئةٍ أسفله بكيانٍ بشريٍّ قد تجسد. حيث كان الشخص فارع الطول ، يربو على عشرة أقدام ، ضخم البنية ، ذو بشرةٍ قانية السمرة ، تلتف حول جسده نقوشٌ ذهبيةٌ كثيفة. والأدهى من ذلك كان له عينان تشعان ببريقٍ ذهبيٍ باهر! وفوق ذلك انتصبت في جبينه عينٌ ثالثةٌ مغلقة. ومن الواضح أنه لم يكن بشراً ، بل ضرباً من الكائنات الأخرى.
لم يكن ذاك الكيان يبثُّ أي هالةٍ تدل على وجوده ؛ فقد بدا كأنه حجرٌ صلد أو قطعةٌ من الحمم الجامدة ، دون أي أثرٍ لجوهر الحياة ، مكتفياً بتثبيت عينيه الذهبيتين على "غو يوان ". ومع ذلك خُيّل لـ "غو يوان " أنه قد أُلقي به في قبوٍ جليدي ، وقفت له كل شعرة في جسده ، كما لو أنه واجه شيئاً يفوق التصور.
"تباً... أهذا حقاً شيطان القحط ؟!! "
تمتم "غو يوان " بذلك وقد تبدلت ملامح وجهه ، ثم شرع في تشغيل طاقته الروحية (المانا) داخل جسده بجنون حتى أنه خاطر بالإضرار بإمكانات هذا الجسد المستنسخ ، دافعاً بتقنية "الهروب الإلهيّ الأزلي " إلى أقصى حدودها. صار الرجل كالمجنون ، وتضاعفت سرعته بشكلٍ مذهل ، مبتعداً عن "ملك خفافيش لهب الين " الذي كان يقتفي أثره. غير أن "غو يوان " في تلك اللحظة لم يكن يملك متسعاً من الوقت ليلتفت إلى ذلك الملك ، فكل تركيزه انصب على الفرار وعلى شيطان القحط الذي رآه للتو.
إن شيطان القحط هو جثةٌ نادرةٌ ومريبة! فحيثما حلّ ، أثار كوارث لا حصر لها ، وجعل الأرض قفراً يباباً لمسافة آلاف الأميال ، مبخراً كل قطرة ماءٍ بين السماء والأرض. إن شيطان القحط العادي يُعدّ من الكائنات الشرسة في مستوى "روح الين "! أما شياطين القحط القوية فقد ترقى إلى مستوى "روح اليانغ " بل وتضاهي في قوتها مستوى "الخالد الحقيقي ذي الروح البدائية ".
أما شيطان القحط الذي رآه للتو ، فبكل دقة ، هو نوعٌ أندر يُدعى شيطان النار بين شياطين القحط! وليس أي شيطان نار ، بل كائنٌ شريرٌ غريب يُسمى "شيطان القحط ذو العينين الذهبيتين "! هذه الجثة الشرسة هي طفرةٌ فطرية ، وتفوق في مرتبتها بكثير شياطين الجثث التي رآها "غو يوان " من قبل حتى أن "جثة ين النبع الأصفر " قد تبدو باهتةً وشاحبةً بالمقارنة بها.
السبب في ذلك أن "شيطان القحط ذا العينين الذهبيتين " طالما ينمو خطوةً بخطوة ، فسيغدو كائناً شرساً غريباً يضاهي "الخالد الحقيقي ذا الروح البدائية "! أما عن مدى قوة هذا الشيطان الذي رآه "غو يوان "... فهو لا يعلم ، لكنه يوقن بشيءٍ واحد ، وهو أن قوة هذا الشيطان حتى إن لم تبلغ ذروتها ، فهي قريبةٌ جداً منها. وبكلماتٍ أخرى ، فإن هذا الشيطان يضاهي على الأقل مستوى "كمال روح اليانغ "! وإلا لما شعر "غو يوان " بذلك الشعور المرعب قبل قليل!
"كمال روح اليانغ " على أقل تقدير!
تجرع "غو يوان " ريقه بصعوبة ، وشعر بجفافٍ في حلقه ، وتسارع نبضات قلبه. و إذا تعلق الأمر بـ "كمال روح الين " فربما كان لديه شيءٌ من الثقة في النجاة ، أما أن يقع في مرمى بصر مثل هذا الكيان ، فالموتُ محققٌ لا محالة. و بالطبع "غو يوان " ليس سوى جسدٍ مستنسخ ، ولا يخشى الموت في حد ذاته ، لكن الضباب تكمن في حمله لـ "حديد الخلود الخماسي العناصر " معه هذه المرة. فإن فُقد هنا ، فستكون كارثة ، تعادل ضياع طاقةٍ استثمرها لزمنٍ طويل ، وقد يتطلب العثور على قطعةٍ كبيرةٍ أخرى من هذا الحديد دهر الدهور.
لذا لا بد له من الفرار!
في تلك اللحظة لم يعد "غو يوان " يبالي بشيء ، وبسرعةٍ خاطفةٍ... بل بسرعته القصوى ، انطلق هارباً. ولكن لم يقطع سوى بضع أنفاس ، وابتعد لمئات الأميال إلا أنه ظل يشعر بذلك الإحساس الغريب ، كأن شيطان القحط ذا العينين الذهبيتين ما زال يحدق فيه.
أعمل "غو يوان " فكره ، محاولاً يائساً إيجاد سبيلٍ للخلاص أو التخلص من هذه المحنه الكبرى... ولحسن الحظ ، وقبل أن يسترسل في التفكير أكثر ، تبدل الحال.
ما زال "ملك خفافيش لهب الين " الذي كان يطارد "غو يوان " يلاحقه بلا هوادة ، على بُعد ثلاثمائة ميلٍ فقط خلفه. ولكن مقارنةً بـ "غو يوان " الذي لم يكن ضخم البنية ولا هائلاً في هيبته كان "ملك خفافيش لهب الين " يمتلك جسداً أضخم وأكثر لفتاً للأنظار ، إذ يبلغ طول جناحية عشرين متراً ، وهالة جسده غريبةٌ وشرسة ، وحضوره قويٌ لا يمكن تجاهله.
ولهذا السبب تحديداً ، شعر "غو يوان " بأن تلك النظرة التي كانت تلاحقه من الظلام قد تلاشت. وبدلاً من ذلك أطلق "ملك خفافيش لهب الين " خلفه صرخةً حادة ؛ كان صوتاً مليئاً بالبؤس والهلع ، يضج بمشاعر الغضب والخوف ، مخترقاً للآذان. التفت "غو يوان " بدافعٍ غريزي ، فشهد مشهداً جعل قلبه يرتجف.
لم يعد ملك الخفافيش يطارد أحداً ، بل كان يتقلب بجنون في الهواء ، يهز جسده في محاولةٍ يائسةٍ لرمي ذلك الشيء الذي يعلو ظهره. حيث كان ذلك الشيء هو "شيطان القحط ذو العينين الذهبيتين " نفسه ، وقد انغرس كالمسمار في ظهر الملك. ومهما حاول ملك الخفافيش التملص ، فإنه بقي ثابتاً فوقه كالجبل! يا لضعف ملك الخفافيش ؛ فقد كان يوماً سيد وحوش عصره ، والآن غدا مجرد مطية.
ورغم مقاومته المستمرة ، أيقن "غو يوان " أنها مسألة وقتٍ لا أكثر. فالفجوة بين "عملاق روح الين " و "كمال روح اليانغ " تشبه الفجوة بين عامة البشر وكبار المزارعين أصحاب الجوهر الذهبي ؛ تفاوتٌ شاسعٌ لا قِبل لملك الخفافيش به.
لكن إن أنصفنا ، فإن "غو يوان " مدينٌ بالفضل لهذا الملك. فلولا أن ملك الخفافيش كان في طريقه ، لكان "غو يوان " هو من يقع تحت أنظار ذلك الشيطان المرعب. ففي مواجهة ملك الخفافيش كان لـ "غو يوان " بعض الأمل في النجاة ، أما هذا الشيطان ، فلم يجد له حيلة حتى "الهروب الإلهيّ الأزلي " لم يكن ليجدي نفعاً.
فبينما سرعة "الهروب الإلهيّ الأزلي " فائقة ، يراهن "غو يوان " أن ذلك الشيطان يتقن بلا شك تقنياتٍ إلهية عظيمة مماثلة ، بل وأشد قوةً بأسطوريةٍ لا تُدرك!!
لحسن الحظ ، انشغل الشيطان بملك الخفافيش ، ولن يلتفت إلى "غو يوان " في المدى القريب ، فكانت تلك فرصته الذهبية للفرار. لم يضع "غو يوان " وقتاً في الكلام ، ألقى نظرةً أخيرة ، ثم دفع بكل قوته في "الهروب الإلهيّ الأزلي " مواصلاً مسيره.
وبعد طيرانٍ دام قرابة الساعتين ، عاد "غو يوان " أدراجه أخيراً ، تاركاً خلفه تلك الأصقاع. وبعد أن عبر "عرق الروح لنار الأرض " عائداً إلى عالم السطح ، وتحديداً إلى داخل المنجم ، ولامست قدماه الأرض الصلبة ، تنفس "غو يوان " الصعداء. ولحسن حظه ، فقد وصل "حديد الخلود الخماسي العناصر " بأمان ، وبات بإمكانه المضي قدماً في خططه التالية.