الفصل 457: الفصل 456: عاصفة المحيط!
إنّ الدماء واللحوم والعظام في جسد هذا المخلوق تعدّ جميعها مواد ثمينة للمزارعين. أما هؤلاء المزارعون ، فأغلبهم يعتمدون على تقنيات الزراعة الإلهية العادية ، ومعظمهم من المزارعين المتجولين ، وقلة منهم فقط من أتقنوا حقاً تقنيات إلهية فائقة أو حتى تقنيات إلهية من الدرجة الأولى ذات قوة حقيقية.
لم يخطط "غو يوان " للكشف عن نفسه ، فمضى يطير بهدوء من علوٍ شاهق. ومع ذلك قبل أن يبتعد "غو يوان " كثيراً ، رأى الأفق البعيد أمامه وقد غطته فجأة طبقة من الغيوم المظلمة حالكة السواد. حيث كانت هذه الغيوم تنتشر بسرعة في ذلك الاتجاه ، وفي الوقت ذاته كانت عشرات الزوابع الغريبة التي تشبه الأعاصير تندفع نحو "غو يوان ". كانت هذه الزوابع كأعمدة رياح عملاقة وبديعة ، تصل بين السماء والأرض ، في مشهد مهيب يبعث الرهبة ويجعل القلب يرتجف من بعيد.
كان "غو يوان " حاد البصر ، ورغم أن تلك الغيوم والزوابع كانت على بُعد ألف ميل إلا أنه قد فطن لوجودها. وعلاوة على ذلك شعر "غو يوان " بحدة بتزايد قوة الرياح فجأة من حوله.
وووووو—ووو ووو—
استمرت هبات الرياح القوية في التدفق من بعيد ، وتزداد ضراوةً.
"أهذه... عاصفة بحرية ؟! كيف حالفني هذا الحظ العاثر ؟ "
توقف "غو يوان " فوراً ، وقلبه يخفق بشدة ، متملكاً إياه شعور بالسوء ؛ فقد تذكر ما قرأه في الكتب سابقاً. ففي البحر ، وبسبب ظروف بيئية وإقليمية قاسية ، غالباً ما تتشكل عواصف مرعبة. تشبه هذه العواصف الأعاصير التي عهدها "غو يوان " في حياته السابقة ، لكنها أشد هولاً بمراحل ؛ إذ تحتوي هذه العواصف في الغالب على أنواع شتى من "تشي " الشر المخيفة ، وطبقات "الغانغ تشي " مثل "تشي " الـ "يين " المتطرف ، و "تشي " الغيوم الصافية ، ونار النيران الخمس ، وغيرها.
مع اختلاط هذه الأنواع من الـ "تشي " فإن آلاف الأرطال من حديد الأم أو الذهب المكرر قد تُطحن لتصير هباءً منثوراً في غضون الوقت اللازم لاحتساء كوب من الشاي ، ناهيك عن الكنوز السحرية ، فكيف بأدوات الحماية أو التقنيات الإلهية للمزارعين ؟ لذا ففي مواجهة العواصف البحرية ، ناهيك عن عامة الناس حتى المزارعون وكبار مزارعي النواة الذهبية يفرون هاربين بمجرد رؤيتها.
بالإضافة إلى ذلك لاحظ "غو يوان " فوراً عدة قوارب صيد في الأسفل ، وقد أصابها الهلع حين رأت الغيوم المظلمة وزوابع العاصفة تنتشر من بعيد ، فاندفعت بجنون في الاتجاه المعاكس. حيث كان البحارة على متنها ، بوجوه شاحبة تملؤها الفزع والخوف ، يتمتمون باستمرار "العاصفة قادمة " "أسرعوا بالهروب " وما شابه ذلك. و من الواضح أن هؤلاء الناس كانوا يدركون مدى رعب العواصف البحرية حتى إنهم لم يهتموا بجمع شباك صيدهم ، بل ركزوا فقط على النجاة بأرواحهم في حالة من الذعر.
والأدهى من ذلك لاحظ "غو يوان " جهة اليمين في البعيد ، بضعة مزارعين كانوا في الأصل يتكاتفون لاصطياد سمكة روحية. حيث كانت السمكة الروحية يزيد طولها عن خمسة أمتار ، وسطحها بلون الحجر ، مغطى بنتوءات وأشواك حادة وصلبة ، تبدو قبيحة المنظر ، لكنها كانت سمكة روحية حقيقية بكل ما للكلمة من معنى. حيث كان لحمها لذيذاً للغاية ، مناسباً لطهي المأكولات الروحية ، وغالباً ما يحوي جسدها خرزة سمك فريدة ، يمكن استخدامها لتطوير الأدوات السحرية وحتى الكنوز السحرية. و إذا تحدثنا عن قيمتها ، فهذه السمكة الروحية الواحدة قد تساوي ثلاثة إلى أربعة آلاف حجر روحي.
في الأصل ، تكاتف هؤلاء المزارعون لاصطيادها ، وحاصروها بشبكة روحية ، لكن عند رؤية العاصفة قادمة من بعيد ، تخلوا دون تردد عن شبكتهم وفروا يائسين ، تاركين السمكة الروحية والشبكة خلفهم بلا أدنى تفكير. و يمكن للمرء أن يتخيل مدى قوة ردع العواصف البحرية لهؤلاء الناس!
تفكّر "غو يوان " في الأمر ، وقرر ألا يواصل التقدم ، ولم ينعطف للفرار ، بل هبط بضوء هروبه مباشرة إلى داخل البحر. و مع مستواه في الزراعة ، فإن السقوط في عاصفة يحمل خطراً كبيراً ؛ لذا لم يكن التقدم خياراً حكيماً ، كما أن الانعطاف للفرار لم يكن مناسباً. ورغم أن "غو يوان " كان يفاخر بسرعة هروبه ، وأن العاصفة قد تجد صعوبة في اللحاق به إلا أنه لا حاجة له لإهدار طاقته. فضلاً عن ذلك فإن القوة البشرية لها حدود ، والهروب لن يجدي نفعاً ، فسيُدرك عاجلاً أم آجلاً ، لذا فمن الأفضل الغوص في البحر مباشرة.
ورغم أن العاصفة على سطح البحر كانت سريعة إلا أن قوتها تحت الماء تتضاءل بشكل ملحوظ. بالنسبة للآخرين لم يكن هذا خياراً مثالياً ، لكن بالنسبة لـ مزارع مثل "غو يوان " يمارس نصوص "التاو " لعنصر الماء ، فإن دخول البحر كان خياراً موفقاً تماماً ؛ حتى العيش في الماء لثلاثة أو خمسة أشهر دون الخروج لم يكن يمثل أدنى مشكلة له.
انبثق ضوء مائي حول "غو يوان " وما إن لامس ماء البحر حتى اندمج فيه بسرعة ، دون أن يثير رذاذاً واحداً. غاص "غو يوان " دون تردد إلى أعماق أكبر ؛ فقد كان يعلم أن مجرد دخول الماء لا يعني النجاة بالضرورة ، لأن زوابع العواصف غالباً ما تجرف كميات هائلة من مياه البحر وتخلق دوامات ضخمة. لو بقي "غو يوان " في المياه الضحلة ، لتأثر بسهولة ؛ لذا فإن الاختباء في العمق أكثر أماناً.
استمر في الغوص إلى عمق عشرات الأميال ، وعندها فقط توقف "غو يوان " حيث لم تعد تصل إليه العاصفة التي بالأعلى. ومع أنه كان محاطاً بأعداد كبيرة من الأسماك الضخمة وشتى أنواع وحوش البحر إلا أن "غو يوان " لم تكن لديه نية لإثارة المتاعب ؛ فحبس أنفاسه ، وبذل قصارى جهده لإخفاء وجوده. و علاوة على ذلك اندمج فكره الإلهيّ في مياه البحر حتى إنه صار بإمكانه "رؤية " الأوضاع على سطح البحر.
سرعان ما رأى "غو يوان " تلك الأعاصير العملاقة التي تصل بين السماء والأرض ، والتي تبدو بطيئة ولكنها في الواقع تلتف بسرعة نحو المكان. حيثما مرّت كانت تجرف كميات كبيرة من مياه البحر مختلطة بالأسماك والجمبري والأعشاب البحرية ، بالإضافة إلى الحطام والرمال وجثث الحيوانات المجهولة التي كانت تتدفق مع الأمواج. أولئك الطيور البحرية ووحوش البحر التي لم تستطع الفرار في الوقت المناسب جُرَّت مباشرة إلى داخل الزوابع ، لتُحاصر في الداخل وتتمزق بسرعة إلى أشلاء ولحم مفروم.
وعلاوة على ذلك لاحظ "غو يوان " بوضوح وجود طاقة برق تألق من حين لآخر في أعماق الزوابع ، مفعمة بقوة جامحة. بالإضافة إلى ذلك كانت تظهر من حين لآخر ألوان رمادية داكنة ، وحمراء داكنة ، وأرجوانية داكنة ، وذهبية شاحبة ، وخضراء زمردية ، وغيرها من ألوان الـ "غانغ شا تشي ". الأشياء الأكثر صلابة مثل الصخور وعظام الوحوش كانت تُطحن بسهولة إلى مسحوق عندما تقع في قبضة هذه الـ "غانغ شا تشي ".
كما لاحظ "غو يوان " مزارعاً كانت سرعة هروبه بطيئة ، فوقع مباشرة في أحد الأعاصير ، وكان يصرخ بينما يدور في حلقات كبيرة ، عاجزاً عن السيطرة على جسده. حتى الأدوات السحرية الواقية وتقنيات الحماية الجسديه لم تصمد أمام قوى الرياح العاتية المحيطة ، فتحطمت وتمزقت بسهولة. وسرعان ما أطلق ذلك الشخص صرخة حادة ومكتومة ، قبل أن يتمزق جسده ويتحول إلى رذاذ من الدم ، مختفياً داخل إعصار العاصفة.
جعل هذا المشهد "غو يوان " يشعر بامتنان خفي ؛ فالعاصفة البحرية كانت حقاً رهيبة ، ولو كان في مكان آخر ، ولو كان هو مكان ذلك الشخص ، فبالتأكيد لم تكن النتيجة لتكون أفضل حالاً. ورغم أن قوته تجاوزت بكثير قوة مزارعي "العالم الفاني السماوين " العاديين ، وحتى كبار مزارعي النواة الذهبية العاديين الذين يصرعهم بسهولة ، فكيف لمخلوق واحد أن يضاهي القوة الهائلة للسماء والأرض ؟