الفصل 643: 646. لا يجب أن نفشل!
راقب "لان " بهدوء البوابة وهي تنكمش سريعاً لتصبح نقطة متناهية الصغر في الأفق. و في تلك اللحظة كانت الأرض قد كُسيت بجثثٍ كثيرة ، جميعهم كانوا من القادة والمستشارين الذين تخلص منهم في وقت وجيز. حيث كان هؤلاء القوم يتزينون بتمائم حماية وعتاد مسحور ، مما جعلهم هدفاً سهلاً لـ "لان " في تعقبهم ، لكنه جعل القضاء عليهم أكثر عناءً. وكان هناك آخرون يحدقون بذهول في البوابة التي تلاشت ، وكأنهم يرفضون مواجهة حقيقة أنهم قد تُرِكوا لمصيرهم.
تجاهلهم "لان " في الوقت الراهن واتجه صوب جدار الرياح الخاص بالإعصار الناري. وبإشارة سريعة من معصمه ، شقّ ممراً بضربة قاطعة ، فحدثت فتحة متذبذبة في الإعصار الناري فجأة. و خرج "لان " بينما علق أولئك الذين حاولوا اللحاق به في اللحظة المناسبة تماماً عند انغلاق الإعصار الناري عليهم. تعالت أصوات احتراق الجلود وصرخات الألم.
خارج الإعصار الناري كانت هناك ساحة معركة أخرى حيث كانت فرقة "لينكولن " تبيد الجنود الموجودين على أطراف المعسكر. لم تكن معركتهم يسيرة ؛ فجنود الحراسة المتمركزون في قيادة العمليات كانوا نخبة صلبة. ورغم أن هجوم "لان " قد دفعهم للتقهقر إلا أن تنظيمهم لم ينهَر تماماً ، وظلوا متمسكين بتشكيلات تعاونية مصغرة. ومع ذلك كانت "الجمرات " لا تزال تفتت أعدادهم بانتظام طبقة تلو الأخرى. و لقد نمت هذه المجموعة من المتمردين الفارين بسرعة حتى صار بإمكانهم الاشتباك مع نخبة "نيلفجارد " والتفوق عليهم.
"سيدي. " شد "لينكولن " اللجام ، موجهاً حصان الحرب الذي كان يلهث مثله نحو "لان " وقال "فوه.. كيف هي الأوضاع ؟ "
أشار "لان " إلى الإعصار الناري خلفه الذي بدأ يضعف وقال "البوابة. تلك المسحر كانت تمتلك مهارات لا يستهان بها. "
"حقاً ؟ " أجاب "لينكولن " دون أن يبدو عليه الاكتراث.
"أمر مؤسف حقاً... كل المهارات التي كدّت في تعلمها ستتبخر اليوم. "
لم يظهر الاثنان أي ندم على السماح لهدفهم بالفرار.
***
ظهرت بوابة وسط الجبال الحرجية. تهاوى القادة والمستشارون المتبقون ، ومعهم "مينو كوهورن " و "فورينجيرا فيجيس " من البوابة واحداً تلو الآخر. جثوا جميعاً على الأرض ، يلهثون بشدة ، ويتقيأون ، ويقبضون على رؤوسهم وهم يئنون من الألم ، غير آبهين بما علق بملابسهم من قاذورات وحطام وطين الغابة. لم يعودوا يشبهون كبار قادة جيش "نيلفجارد " الذي لا يُقهر ، بل بدوا أشبه بمجموعة من الجنود المذعورين الذين ذاقوا مرارة الهزيمة.
"أي جحيم هذا ؟ " تمتم المارشال بكلمات نابية بعد أن استعاد هدوءه بفضل إرادته الصلبة. "هذه ليست نقطة الوصول التي حددناها! فورينجيرا فيجيس ، ماذا حدث ؟ "
ردت المسحر بفظاظة -فمن ينقذ حياة أحد يكتسب الحق في التحدث بثقة- "لست في حالٍ جيدة. و لقد أنهكني العمل ، ورعب ذلك 'سيد الموت ' ما زال عالقاً في ذهني ؛ ذلك 'صائد الوحوش ' كاد يفقدني صوابي للتو! هل لا تزال تتوقع مني الدقة ؟! "
"حسناً ، لا ينبغي أن نكون بعيدين عن وجهتنا هنا ، فلنواصل سيراً على الأقدام! "
تجاوز "مينو كوهورن " الدوار الذي أصابه من عبور البوابة ، وحدد موقعهم سريعاً ، واستعد للتوجه إلى نقطة الوصول المحددة. حيث كان ذلك معسكراً يضم قوات احتياطية. لم يجرؤ الناجون على التأخر ، رغم ما يعانونه من ألم في أجسادهم ؛ فمجرد التفكير في ذلك الكيان الذي طردهم من مركز القيادة كان يبعث في أقدامهم قوة إضافية للمضي قدماً. و بدأوا يشقون طريقهم في غابة الشتاء ، وهم الذين قضوا دهراً في مناصب عليا بالجيش ولم يعتادوا على مثل هذا الجهد المادى.
"لقد كان تقديرنا معيباً ، خطأ فادحاً! إن لم يحل هذا الأمر ، فلن نستطيع فعل شيء ضد ذلك 'صائد الوحوش '! " قال أحد القادة بعد أن ساروا لبعض الوقت.
ربما لم يدرك أحد ، أو رفضوا الاعتراف ، بأن أكتافهم كانت ترتجف لا إرادياً عند ذكر ذلك المصطلح. إن اجتياح "لان " لمركز قيادة جيش "نيلفجارد " الذي لا يُقهر قد أصابهم بصدمة نفسية غير مسبوقة. و في الواقع ، لا أحد يعرف قوة جيشهم أكثر من هؤلاء القادة ، وحين يواجهون الهزيمة ، يكون الألم أشد وقعاً عليهم. لم يسبق لهم أن واجهوا عدواً كهذا ؛ يتحرك بدقة متناهية في ساحة المعركة ، يقتحم كل المواقع ، ويصفي القادة ببراعة ، ثم يندفع نحو مركز القيادة وكأنه كان يعلم بمكانه سلفاً! ما هو هذا العدو بحق الجحيم ؟!
كان صوت القائد أجشاً وصارماً ، كعواء ذئب في طريق مسدود "لقد كنا مخطئين منذ البداية ، أليس كذلك ؟ ذلك المسخ محصن ضد السحر ، وربما كان يعثر علينا بسبب السحر ذاته! "
"كفى ، أيها السير شون! "
قبل أن يوجه القائد نقده اللاذع للمسحر ، أو ربما لقراره الشخصي ، أمره "مينو كوهورن " بالصمت. و لكن الهيبة العسكرية واضحة المعالم: النصر يورث الاحترام ، والهزيمة تجلب الازدراء. حيث كان "مينو كوهورن " يمتلك الهيبة بلا شك ، فقد ساعد "نيلفجارد " في تحقيق انتصارات لا تُحصى... لكن ذلك كان قبل اليوم.
"أنا أتحدث من أجل استراتيجية الإمبراطورية ، وأنت تسكتني ؟ "
"أي استراتيجية تعتمد على مواجهة شخص واحد ؟ "
"أليست مواجهة ذلك الشخص استراتيجية للإمبراطورية ؟! "
سأل السير "شون " بصراحة ، مما ترك المارشال الذي كان ما زال يعاني من الألم عاجزاً عن الرد. "أفق! هذه المعركة خُسرت بسبب شخص واحد! ذلك 'الشخص الواحد ' اللعين! "
واصل الجميع السير ، لكن ساد الصمت بينهم. وبعد برهة طويلة ، قال المارشال "سأتحمل مسؤولية هذه الهزيمة ، لكن الأمر الأكثر أهمية الآن هو إعادة تنظيم نظام القيادة ، ثم جعل الجيش يكسر الحصار جنوباً ، والعودة إلى أراضينا المحتلة. "
"العودة بخزي ؟ هل ستلطخ سمعة جيش 'نيلفجارد ' الذي لا يُقهر بسببنا ؟ "
لم يتراجع "شون " وحينها استدار "مينو كوهورن " فجأة ، مدركاً ما يرمي إليه مرؤوسه السابق.
"لا يجب أن نفشل. " قال السير "شون " وهو يجز على أسنانه وعيناه محتقنتان بالدم. "سمعتنا بأننا لا نُقهر لا تعني الشرف فحسب! بل تعني المكاسب! وأنت تعلم ذلك جيداً! "
إن "نيلفجارد " إمبراطورية قائمة على العبودية ؛ ومرؤوسوها ليسوا سوى أسواق لبيع البضائع وأدوات للاستغلال. كل عام ، تنفجر انتفاضات داخل الإمبراطورية أو بالقرب منها دون انقطاع. ومع ذلك فحتى مع كثرة هذه الانتفاضات ، فهي لا تحدث إلا تحت الفكرة المشتركة القائلة بأن "جيش نيلفجارد لا يُقهر ". هذه الفكرة ترسخت من خلال فيالق "نيلفجارد " التي حققت انتصاراً تلو الآخر أثناء توسع الإمبراطورية! و لماذا أُطلق على "كالانت " ملكة "سينترا " لقب "اللبؤة " ؟ يعود ذلك في المقام الأول إلى إعجاب الناس بجرأتها في إظهار العداء لـ "نيلفجارد ". ورغم أن أطماع "نيلفجارد " في "سينترا " كانت واضحة للعيان إلا أن حقيقة جرأتها على الرد كانت تكفى لتثبت أن "كالانت " كانت امرأة شجاعة "لبؤة " بحق.
وإذا تلاشت هذه الفكرة القامعة ، فهل سيظل أهل الشمال يخشونهم ؟ وكم من المتاعب ستنشأ داخل الإمبراطورية وفي أراضيها ؟
انتفاضات تمردات ، انقسامات ، ومؤامرات...
إن المكاسب المؤسسة على تلك الفكرة قد تنهار بين عشية وضحاها. وعلاوة على ذلك فإن القضايا التي كانت تُحل بمجرد الترهيب العسكري قد تتطلب في المستقبل أموالاً طائلة للتعامل معها ، وستكون التكاليف الإضافية الناتجة عن ذلك فلكية!