الفصل 378: شقٌّ وضربة!
دخل رجلٌ لم يسبق له الظهور في «يـارنـام» إلى الكاتدرائية العظمى التابعة لكنيسة الشفاء. ومع ذلك لم يبدُ على وكيل الكنيسة الذي كان يتعبد هناك أي أثرٍ للدهشة. و في هذه الليلة ، قد يحدث أي أمرٍ غريب ، لذا لم تكن هناك حاجة للاستغراب.
حدق «لان» في المرأة التي ترتدي رداءً أبيض ، والتي كانت قد التفتت نحوه. حيث كان لها شعرٌ أبيض ، وقوامٌ هزيل ، وضمادات ملطخة بالدماء ملفوفة حول معصميها ؛ كانت أبعد ما تكون عن الصورة النمطية للبابا القوي التي يتخيلها الناس. حيث كان «لان» قد رأى ذات مرة لوحة لرئيس أساقفة «النار الأبدية» ، «سايرس هيميلفات» ، في سوق «غوس فيلين». وبخلاف أساليب الرسم التي كانت تبالغ في إظهار الأبهة والعظمة كان ذلك الرجل يبدو كخنزيرٍ شرهٍ لا يهمُّه سوى ملذاته ، ومع ذلك بيعت تلك اللوحة بخمسين «أوريزين». أما «أميليا» فكانت تبدو تماماً كأي امرأةٍ عاديةٍ لا حول لها ولا قوة ، تتضرع أمام تمثالٍ مقدس.
لكن «لان» كان يعلم يقيناً ؛ أن امرأةً عاديةً ضعيفةً لن تظل بهذا الهدوء حين يستلُّ رجلٌ قويٌّ سيفه ويمشي باتجاهها. و نظرت العيناه اللتان تختبئان تحت القلنسوة البيضاء النقية نحو «لان» ، فضاقت عينا صائد الوحوش فجأة ، وتوقفت خطاه. و في هذه الكاتدرائية المليئة برائحة البخور.. انبعثت فجأة رائحةٌ كريهةٌ تخصُّ أحد ضحايا «طاعون الوحوش»!
بدأت عظام «أميليا» في الالتواء بشكلٍ غير طبيعي ، وبينما كانت تتشوه بعنفٍ داخل جسدها ، بدأت نتوءاتٌ تبرز من تحت ردائها! حيث كان الألم يتبعها كظلها ، وراحت عيناها تنقلبان إلى الأعلى دون إرادتها. و في تلك اللحظة ، أصدر صائد الوحوش صوتاً بلسانه: «تشه.. شيءٌ غريبٌ آخر».
في هذه اللحظة كان «طاعون الوحوش» تحت السيطرة. ومع ذلك لم يكن مُسيطراً عليه في اتجاه «الشفاء» ، بل كانت قوة تحول الوحش هي التي يجري التحكم فيها! حيث كان هذا شيئاً لم يره «لان» قط ، وشيئاً لم يذكره «هنريك» من قبل ؛ ظاهرةٌ يتم فيها التحكم في عملية تحول الوحش بشكلٍ مصطنع! فكنيسة الشفاء قد بحثت بالفعل في أمورٍ غريبةٍ وسط حالاتٍ لا تُحصى. فوق مقلة عين وكيل الكنيسة ، وتحت البؤبؤ عند الجفن السفلي ، برز رمزٌ يشبه مخلب وحشٍ تجريدي. ولولا انقلاب عينيها للأعلى ، لظل هذا الرمز مختفياً تحت المقلة.
انطلقت صرخةٌ من حنجرتها التي بدأت تتشوه بفعل عظامها ، وتمزق الجلد أخيراً بفعل التغير في هيكلها العظمي ، وبرز فروٌ وحشيٌ كثيفٌ من جسدها ، بينما تحولت ساقاها الخلفيتان إلى مفاصل منحنيةٍ للوراء.. حتى إن الدماء التي تناثرت بفعل تمزق الجلد رشت جدران قاعة الكاتدرائية. وأخيراً ، حين أنزل «لان» ذراعه التي كانت يحمي بها عينيه من الدماء كان ما أمامه وحشٌ أبيضُ عملاقٌ ذو قرونٍ متفرعة ووجهٍ يشبه وجه الذئب.
لقد أصبح الرداء الأبيض النقي الذي كان ترتديه «أميليا» في الأصل مجرد غطاءٍ للوحش. وتحت ضوء الشموع الخافت في الكاتدرائية كان للوحش الأبيض النقي هالةٌ مقدسةٌ غريبة. حيث كان أحد مخالبه يقبض بإحكام على شيءٍ ما ، ضاماً إياه إلى صدره. حيث كانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها «لان» تحول قسٍّ إلى وحش ؛ جسدٌ صغيرٌ متكور يتضخم في لحظةٍ ليصبح وحشاً ذا فمٍ يتسع لابتلاع إنسانٍ بأكمله.. لم يرَ قط مشهداً كهذا. حيث كان تحول المستذئب أو نوبة مريض طاعون الوحوش أخفَّ بكثير من هذا.
ومثل لهثِ كلبٍ كان أنف الوحش الأسود رطباً ، ومعه كانت الأنفاس الخارجة من أسنانه المسننة تحمل نتانة الوحوش المنبعثة من أحشائه. «نقرة» ؛ صدر صوتٌ خافتٌ حين أعاد صائد الوحوش غمد سيف «سيدة البحيرة» الذي كان قد استلَّه جزئياً. حيث تمتم «لان» لنفسه: «فهمت أخيراً من أين يأتي الفرق في الأسلحة بين صائدي الكنيسة والصائدين العاديين».
كان أسلوب قتال الصائدين العاديين يعتمد على السرعة الفائقة المقترنة بأسلحة قابلة للتحول ، بينما يفضل صائدو الكنيسة استخدام أسلحةٍ أثقل وأضخم للصيد. ولطالما اعتمد الاختيار التكتيكي للصائد على نوع الفريسة. حيث مدَّ قفازاتٍ جلديةً مسمرة نحو حقيبة الكيمياء خلف ظهره ، وغرس نصف ذراعه في داخلها ممسكاً بشيءٍ ما.
وفي تلك الأثناء ، أرجح الوحش الأبيض الذي أمامه ذلك المخلب الوحشي -الذي كان ضخماً بما يكفي لحمل إنسانٍ بأكمله- باتجاه «لان»! بخطوةٍ جانبيةٍ للمراوغة لم تكن حركة قدميه من «كتيب النينجا» سريعةً ورشيقةً كحركات الصائدين ، لكنها كانت تكفىً لتفادي الهجوم. ارتطم المخلب الهائل الذي يمكنه أن يغطي إنساناً بأرضية الكاتدرائية الرخامية ، محدثاً على الفور شقاً يشبه الشبكة في البلاطة الثمينة والمتينة. أدت قوة الارتطام إلى تحطيم الشقوق في الحجر ، متصاعدةً بسحبٍ كبيرةٍ من الغبار والدخان في الهواء ، وتناثرت بضع قطعٍ كالشظايا في كل اتجاه. اتجهت قطعةٌ منها مباشرةً نحو وجه «لان» ، لكن الشاب لم يرمش حتى. اصطدمت الجزء في منتصف الهواء بحاجزٍ ذهبي ، وأصدر «سحر الفوضى» صوت «فرقعة» تحت الضغط ، لكنه كان أبعد ما يكون عن الانكسار. فمع استمرار نمو جسد «لان» كانت جودة «سحر الفوضى» لديه تتحسن أيضاً ؛ والآن ينبغي لـ «روني كوين» أن يكون قادراً على تحمل طلقتين أو ثلاث من قوسٍ أو قوسٍ مستعرضٍ من مسافةٍ قريبة.
حاول الوحش ذو الفراء الأبيض ، بعد أن أخطأت ضربته ، سحب يده فوراً لشن هجومٍ آخر. و لكن في تلك الأثناء كانت يد «لان» التي تقبض على شيءٍ ما قد استُلت من حقيبة الكيمياء. لم تتح «أميليا» لنفسها الوقت حتى لترى ماهيته ، بل رأت فقط ظلاً أسود ضخماً يترك أثراً على شكل مروحةٍ في الهواء..
«بانغ!!!»
«آوووووو!!!»
جاء الألم قبل الرؤية ، وتناهت عويل «أميليا» بغير انقطاع في أرجاء الكاتدرائية! شفرةٌ سوداء هائلة هوت من الأعلى إلى الأسفل ، وقد «حطمت» عملياً معصم الوحش المشوه! حطمت الشفرة الثلمة عظمة المعصم أولاً ، ثم مزقت الجلد واللحم على العظم تحت تأثير القوة العارمة والقصور الذاتي! سقط معصم الوحش مقطوعاً على الأرض ، وانزلق خليط اللحم والعظم عبر الأرضية الرخامية. وذلك السيف العظيم..
«ووه! أووووووو!»
تراجعت «أميليا» وهي تحتضن مخلبها الوحشي المقطوع ، وتصرخ دون توقف. و إذا كان يمكن تسمية ذلك بـ «السيف» ، فسيكون الوصف مبالغاً فيه جداً ؛ فقد كان ضخماً ، سميكاً ، وثقيلاً ، بشفرةٍ شحذت بخشونة.. كان أشبه بكتلةٍ من الحديد! حتى بالنسبة لأبرع صائدي الكنيسة كانت سيوفهم العملاقة تعتمد شفرةً مستدقة تشبه ورق الكراث ، مع أسطحٍ محفورةٍ لتقليل الوزن. فكيف لإنسانٍ لم يخضع لـ «علاج الدم» أن يحمل سيفاً كهذا ؟!
«طقطقة..»
انزلقت شظايا العظام واللحم الممتزج بالدم عن الشفرة الهائلة نحو الأرضية الرخامية. أما السيف العملاق المصنوع من «فولاذ الفاليريان» ، فبعد أن قطع معصم الوحش العملاق كان ما زال يمتلك من الزخم ما يكفي ليترك شقاً خشناً ومسنناً في الأرض! ومعه انبعث هديرٌ يشبه رنين جرسٍ مهيب!